انتصار الصورة على الأصل فى مسرحية «فومو»

الذين عاشوا فى العالم الافتراضى

يبدأ عرض «فومو» فى مسرح مركز الهناجر للفنون من الصالة.. إذ يدخل مجموعة من الممثلين والممثلات يحملون هواتفهم، يخاطبون الجمهور حول أهمية العالم الافتراضي، وأهمية الصورة بل وضرورة تصوير الواقع، وتحويله إلى صورة، في إشارة إلى أن الواقع لم يعد مهما بل صورته هي الأهم.

كلمة «فومو»، العنوان الذي اختاره المخرج أحمد السيد لهذا العرض fear of missing اختصار )Fomo( out.. المصطلح الذي صاغه باتريك ما جينيكس عام ٢٠٠٤ للتعبير عن مرض الإدمان الرقمي الذي أصاب الأجيال الجديدة، والذي يعنى الخوف من فوات التطورات التي تحدث في محيط الشخص، إذ تظهر الأعراض في إصابة الشخص بالخوف من فقدانه الأحداث التي يشارك فيها. ومجموعة الشباب الذين حملوا هواتفهم وهم يواجهون الجمهور يجسدون هذه الفكرة، فبعد مخاطبة الجمهور سوف يفتح ستار المسرحويدخلون إلى فضاء الحكاية الذي هو فضاء العالم الافتراضي، وينتقلون من الواقع الذي نعيشه نحن الجمهور في الصالة إلى العالم الافتراضي الذي اختاره المخرج ليكون فضاء الحكاية وفيه نحن لا نعيش الواقع، لأن الحقيقة وفقا لقناعة هؤلاء في العالم التكنولوجي في العالم الافتراضي من خلال شبكات التواصل الاجتماعي العرض مجموعة من اللوحات التي تجمع بين الغناء والاستعراض والحوار، وهو ناتج ورشة مع مجموعة من الشباب أقامها المخرج أحمد السيد اللوحة الأولى يقدم من خلالها هؤلاء الشباب أنفسهم، ويعبرون فيها عن أحلامهم، كل منهم يقدم شخصيته الحقيقية، ويعبر عن ذاته بصدق.. استخدم فيها المخرج مع الشاعر والملحن نماذج مختلفة من أغاني هذا الجيل، سواء العاطفية أو الشعبية، أو ما يعرف بأغانى المهرجانات.. لكن يدخل المسئول عن هذه الفرقة وهو مخرج أو خبير في صناعة المحتوى محتجا على هذه المشاهد، رافضا صدق التعبير، وهنا يصرح برغبته قائلا لهم كل منكم بلوجر صانع محتوى وليس ممثلا»، ويمنحهم فرصة أخرى، يشرح لهم رؤيته التي تدور حولها الحبكة الأساسية لهذا العرض ومغزاها حتى تكون مشهورا يجب أن تدفع، ليس المال فقط، بل تتخلى عن الكرامة، عن الخصوصية والصدق»، ويدلل على نظريته من خلال بلوجر حققت شهرة واسعة هي صوفيا ويقدمها لهم. هنا يبدأ الجميع في التحول من قيم الواقع وأعرافه إلى قيم ونظام العالم الافتراضي، إذ يعيش هولاء في الصورة من خلال الهاتف المحمول، وتنتقل حياتهم من الواقع إلى الشاشة، وتصبح الكلمة العليا للصورة على حساب الأصل.

يقدم العرض نماذج متنوعة من الشباب، نماذج بشرية من هذا الجيل مثل الشاعر التقليدي، لاعبة الملاكمة الممثلة فتاتين تعملان في المسرح، وفتاة عادية.. وضع المخرج هذه النماذج في فضاء أقرب إلى العالم الافتراضي بلا ملامح بعيد عن الواقع ما بين اللون الأبيض والرمادي، وإلى يمين الفضاء شاشة تليفون محمول ضخمة سوف تكون جزءا أساسيا من بنية العرض، حيث وزع المخرج الرؤية الزمانية بين زمن الصورة على هذه الشاشة، وبين الزمن المباشر الواقعى على خشبة المسرحوستكون الأحداث على الشاشة هي بؤرة اهتمام هذه المجموعة، إذ يحاول هؤلاء من خلال العلاقة مع الشاشة اكتشاف أنفسهم، شخصياتهم الجديدة التي سوف تتكون وتتبلور من خلال العلاقة الوثيقة مع الشاشة حيث يقيم كل منهم حوارا مع الشاشة يخاطب صورته الفتاة تكتشف ملامح وجهها ملامح جسدها، فلن يكون هناك حوار مع الذات بل مع الصورة.. ليبدأ الجميع في الانتقال من الواقعى إلى الافتراضي، من خلال مجموعة من المشاهد المتناثرة بحثا عن تحقيق الذات والوجود في هذا العالم، إذ يعرض رامى على خطيبته لاعبة الملاكمة صناعة محتوى يتحرش بها من خلاله لتحقيق الشهرة، وفي المشهد ذاته بأسلوب المونتاج المتوازي تعرض خطيبة سالم الشاعر أن يصنعا المحتوى ذاته من أجل الشهرة والمال وحصد أكبر عدد من المعجبين والمتابعين، وكذلك شخصية لى لى البلوجر الطيبة مع خطيبها دياب المستغل، وزياد الأكثر ذكاء الذي يدخل عالم المراهنات في الحروب الدائرة، ليتوقع أعداد القتلى كل يوم، وهكذا.. يقدم الجميع تنازلات أكثر كل منهم يتخلى عن كرامته ويعرض خصوصيته للبيع لمن يشترى ويدفع... يتعاقد مع المخرج الخبير في صناعة المحتوى والذي شرح رؤيته في بداية العرض.. والتعاقد يتم من خلال شخصيتين روبوت جعل المخرج له دورا أساسيا في العرض، بل وشارك الشات جي بي تي في كتابة جزء من الحوار واشتبك مع الشخصيات من خلال النصائح، إذ اعتمد البعض منهم في هذا السياق الذي يعلى من شأن العالم الافتراضي على نصائح وخبرات الذكاء الاصطناعي.

من خلال هذه المشاهد يحدث تحول جذري في سلوك الشخصيات... يدخلون إلى عالم بلا أعراف أو قيم أو تقاليد.. إلى مجتمع الاستهلاك الذي تحكمه قيم الرأسمالية.. لم يحدث تحول لقيم هؤلاء أو قناعاتهم بل اختفت هذه الكلمات تماما من قاموس الشخصيات.. ووفقا لجان بودریار في كتابه المصطنع والاصطناع في توصيفه للنظام السلعي أو نظام الاستهلاك «أهذا النظام يحدده ويتحكم فيه نظام الإنتاج والذي من شأنه أن يفقد الإنسان والمجتمع هويته، لأن نظام الإنتاج هو الذي يحدد السلوك الاجتماعي».. فلم تعد العادات والقيم ومنظومة الأخلاق تحدد السلوك الاجتماعي بل نظام الإنتاج الذي صنع من هؤلاء مجرد دمى يحركها هذا المخرج أو الخبير في صناعة المحتوى. وهذا ما جسده العرض من خلال الرؤية التي قدمها أحمد السيد.

الشخصيات التي قدمها العرض في البداية تبحث عن الذات تحلم وتتشبث بأحلامها وقيمها.. شخصيات طبيعية أصبحت مجرد صور.. رامی شخصية بلا مبادئ، في نهاية العرض من أجل الشهرة والمال يستخدم أمه في صناعة المحتوى تبكى وتغنى وترقص مثل قرد لينال الإعجاب وحين يسأله الروبوت الذي شارك في الكتابة جربت تضحى؟»، يضحى رامي بكل شيء حتى بأمه.. ويصل الانحطاط والتخلي عما يسمى بالإنسانية من خلال شخصية سلمى التي تعرض محتوى تحكى خلاله عن اغتصاب والدها لها، وبالطبع هي تكذب.. يغضب الأخ لكنها لا التراجع وتواصل الانحطاط رغبة في الشهرة والمال والوجود في العالم الافتراضي، كذلك دياب المستقل يتخلى عن لي لي البلوجر الطيبة التي بذلت الرخيص والغالي لجمع المال والشهرة، بعد أن يستغلها، وتمنحه كل ما جمعت من مال فيتركها وحيدة في فستان الزفاف، ولأن الغلبة للصورة. ولأن الحقيقة أو الأصل لا معنى لهما في هذه الحكاية، يقدم المخرج أحمد السيد مشهدا لا يخلو من دلالة بين لي لى وبدلة خطيبها الهارب البدلة على الحامل تخاطبها لي لي تضع ذراعها في البدلة تحضن نفسها تخاطب هذه الملابس كأنها خطيبها تخاطب مجرد قطعة ملابس

لغة العرض على مدى ما يقرب من ٧٠ دقيقة محملة بمفردات العالم الافتراضي، وليست لغة الواقع، وهذا ليس عالما افتراضيا بالنسبة لهؤلاء. فهذا هو الواقع المعيش.. وفي نهاية العرض يغادر هذا العالم الوهمي إلى مساحة المشاهدين الشاعر مع عاملات المسرح ولى لي يخاطبون الجمهور بين الأسى والنصر وقناعة تؤكد أن هذا ليس الواقع ورغم هذا النهم الذي جعل الآخرين، أي من شاهدناهم في العالم الافتراضي يبذلون الرخيص والغالي من أجل الشهرة، فإن هناك من يرفض هذه الحياة الوهمية. فإذا كان الجزء الأكبر من هذا الجيل بسبب الإدمان الرقمي يعيش في العالم الافتراضي وليس الواقع، وبالنسبة له الصورة أكثر واقعية من الواقع الحقيقي فالبعض يرفض هذا الوهم يرفض الخضوع السلطة الصورة على حساب الأصل

عرض قومو» أو الخوف من قوات التطورات والأحداث يناقش قضية انية وخطيرة أصبحت سمة أساسية في أدبيات الألفية الثالثة، خاصة في السنوات الأخيرة، ويحذر من مخاطر التخلى عن الواقع والحياة الوهمية في العالم الافتراضي، والتخلى عن كل ما هو إنساني، لذلك وبعد أن تصاب الشخصيات بهذا المرض الذي يحولهم إلى مجرد دمى مسلوبة الإرادة ينجو العرض بمجموعة من الشخصيات ترفض هذا الوهم وتهبط إلى الصالة فضاء الجمهور احتجاجا على هذا السلوك.

 

 

 

 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

انتصار الصورة على الأصل فى مسرحية «فومو»

الذين عاشوا فى العالم الافتراضى

صلاح جاهين.. شاعر كبير أحَبّ الشعب والفن وثورة يوليو

الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...

فيلم Stitch Head يحتفى بالحب والصداقة

حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...

فارس السينما الأكبر أحمد مظهر (3)

قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...