يوسف إدريس.. قاص وروائى ومسرحى رصد حيـاة الفلاحين

قبل أن يظهر يوسف إدريس، كانت القصة القصيرة قد ظهرت على صفحات الصحف المصرية منذ عشرينات القرن الماضى، وكانت الموضوعات التى تتناولها هذه القصص تدور حول حيوات المدن

قبل أن يظهر يوسف إدريس، كانت القصة القصيرة قد ظهرت على صفحات الصحف المصرية منذ عشرينات القرن الماضى، وكانت الموضوعات التى تتناولها هذه القصص تدور حول حيوات المدن والأفنديات وقليل منها تناول الريف، فى إطار دعوة لتقديم مناظر مصرية، ولهذا كان صاحب رواية «زينب» يسمى روايته «مناظر من الريف»، وكانت ثورة 1919 هى المفجر لدعاوى «الوطنية» بعد محاولات «مصطفى كامل» التى انتهت بموته ولم يضف محمد فريد جديداً، على مستوى الرؤى الثقافية، ولما كتب مقدمة ديوان شعرى حمل عنوان «وطنيتى» من إبداع الشاعر «على الغاياتى» قبض عليه بموجب قانون المطبوعات الذى أصدره الاحتلال البريطانى وسجن بتهمة كتابة هذه السطور، ولكن فى ثورة 1919 كان «الباشوات» ومعهم «الأفنديات» فكان الأثر الثقافى للثورة واضحاً، ومن ضمن ما كان، ظهور الروح المصرية القديمة فى النحت، والاهتمام بالكتابة عن الريف وابتعاد الموسيقى المصرية عن النمط التركى، وظهور السيد درويش، ومنهجه الموسيقى الشعبى المصرى، وفى الأربعينيات كان جيل من المصريين قد نضج فى الجامعة والمدارس والأزهر ودور الصحف ومقرات الأحزاب، واستطاع هذا الجيل تشكيل قيادة ثورية فى العام 1946 كان اسمها «اللجنة الوطنية للطلبة والعمال»، وكان «يوسف إدريس» الطالب بكلية الطب «قصر العينى» يمارس الطب ويشارك فى المظاهرات ويستقبل الجرحى والمصابين ويعالجهم، وكتب فى الصحف، ونشر قصصه المبهرة، وكانت حياة الفلاحين هى محور اهتمامه، وهذا له أسباب عديدة منها أنه نشأ فى أسرة «فلاحين»، فكان أبوه «ناظر زراعة» و«وكيل دائرة» مهمته رعاية الأراضى المملوكة للباشا، مقابل أجر، ثم تحول نشاطه إلى استصلاح الأراضى البور، وكان «يوسف» يعيش مع جدته فى إحدى القرى بالشرقية، ولما انتقل للقاهرة لدراسة الطب، كانت حياة الفلاحين احتلت مساحات واسعة من قلبه وروحه، ولما انخرط فى العمل السياسى، اختار الفكر الاشتراكى، المنحاز للفلاحين والعمال والمنتجين عموماً، وظل على هذه الرؤية، فكتب كل رواياته وقصصه ومسرحياته ومن خلالها رصد عالم الفلاحة وعالم القرية بروح المثقف، الذى يعرف قانون العمل فى القرية وقانون حياة القرويين والعلاقة بين الفلاح والأرض، وخير دليل نقدمه للقارئ رواية «الحرام» التى رصدت عالم عمال التراحيل فى القرى المصرية، وقصة «حادثة شرف» وغيرها من القصص، كان يوسف إدريس مثقفاً يحمل روح الفلاح واستطاع أن يقدم منجزاً إبداعياً كبيراً اعتمد على تفاصيل حيوات الفلاحين، وفى ذكرى رحيله «أغسطس» نتذكره ونترحم عليه وندعو الجيل الجديد لقراءة أعماله ومشاهدة الأفلام المأخوذة عن رواياته ليعرفوا صفحات من سجل حياة الفلاح المصرى صانع الحضارة المصرية القديمة وجوهر الحياة فى مجتمعنا حتى اليوم.

حادثة شرف.. المجتمع يقتل العفة ويدعو لممارســــــــة الانحراف!

فى قصة للكاتب يوسف إدريس، كانت فى إحدى القرى فتاة جميلة، وهذا الجمال تحول إلى لعنة حلت بها، فالشباب يخافون منها ولا يتقدمون لخطبتها، ظناً منهم أنها لن تقبل بهم وأنها مغرورة، وهذا لم يكن صحيحاً، ولكن هذا الجمال اللعنة فتح على الفتاة أبواب جهنم، ولأن نموذج هذه الفتاة «فاطمة» اسمها فى القصة اختار المخرج «شفيق شامية» لها اسماً أوسع وهو «بنات»، وهذا الاسم كان شائعاً فى الريف، فى سنوات الثلاثينيات والأربعينيات، لكن اختياره للشخصية المحورية فى فيلم «حادثة شرف»، كان موفقاً من السيناريست «يوسف إدريس»، ومأساة «بنات»، تكمن فى أنها ولدت يتيمة فى بيت أخ لها فلاح يعمل فى «الوسية»، ضمن فريق من الفلاحين، ويعيش فى «عزبة» والعزبة كما هو معروف نمط من مواقع إقامة الفلاحين المداومين على العمل «التملية»، وهو موجود فى الدلتا والصعيد الأوسط والأعلى، والعزبة هى المجتمع الفلاحى الخالص، الذى ينشأ بناء على رغبة صاحب الأطيان المحيطة بها ويكون الفلاحون المقيمون فيها لا يعرفون غير العمل فى الغيطان، ولا يملكون غير قوة عملهم يبيعونها للسيد الإقطاعى، مقابل الحصول على الأجور التى تضمن لهم البقاء على قيد الحياة، وكانت «بنات» فى بيت أخيها «فرج» تعانى من قسوة اليتم، وقسوة زوجة الأخ، وتعانى من جمالها، حتى تقدم للزواج منها «شعبان» الفلاح، ورضيت به، وكانت أمه قد حذرته من «بنات» قائلة له ما معناه إن العزبة تتكلم عنها بالسوء من القول، وأيدت أخته كلام أمهما، وأصر «شعبان» على خطبة «بنات»، ولكن أثناء العمل فى مزرعة الباشا، كان «غريب» الفلاح المنحرف الأخلاق، يتغنى بمواويل العشق والغرام، ويحاصر «بنات» بنظراته الجائعة، وتحول الأمر إلى معركة بينه وبين «شعبان»، وانتهت المعركة، وفسخ شعبان الخطبة، وحوصرت «بنات» بكلام الناس، واخترع الفلاحون الأسباب والمواقف وقالوا إن «شعبان» فسخ الخطبة لأن «بنات» منحرفة السلوك، وهذا لم يكن صحيحاً، وكانت المرأة الشريرة البلانة التى تدير بيتها سيئ السمعة فى العزبة وتستضيف فيه كل الراغبين فى المتعة الحرام، تحاول الإيقاع بالبريئة الجميلة «بنات» ولم تستطع، ولم يتوقف «غريب» عن مطاردة «بنات»، وحاول التحرش بها ورآه عدد من أهالى العزبة، فقرر «فرج» أن يقطع الألسنة التى خاضت فى عرض أخته، ووافق على أن يتم توقيع كشف العذرية على أخته، وتم الكشف، وتبين أن «بنات» عذراء، سليمة العرض، ولكن بعد التعرض لهذه التجربة المريرة، قررت «بنات» الانحراف، وذهبت بقدميها إلى بيت «البلانة» التى تفتح بيتها لراغبى المتعة الحرام، وبهذا يكون المجتمع الذى يدعى الحفاظ على الشرف والأخلاق، هو المسئول عن انحراف وسقوط «بنات»، وهذه الرؤية التى تعرف مجتمع الفلاحين، اكتسبها «يوسف إدريس» من خبراته وحياته فى مجتمع الفلاحين، بمساعدة موهبته الفذة الرحبة المبهرة.

قاع المدينة..

القاضى تحول إلى جلاد ودمر حياة شهرت الخادمة!

كان «يوسف إدريس» صاحب موهبة عريضة، وكانت مهنة الطب التى مارسها، فرصة للتعرف إلى تفاصيل الشخصيات التى تكون الطبقات الشعبية والمتوسطة فى مصر، ومن خلال هذه الخبرات الواسعة، كان يلتقط النماذج الإنسانية التى يكتبها فى قصصه ورواياته، ومن أجمل أعماله، قصة «قاع المدينة» التى تحولت إلى فيلم بذات الاسم وتدور أحداثها فى القاهرة، وتطرح أسئلة كبيرة حول معنى العدل والكرامة والشرف والصراع الطبقى، ومن خلال حياة «عبدالله بيه» القاضى الجليل، الصاعد مع ثورة يوليو التى فتحت الباب للموهوبين للترقى الطبقى عبر مجانية التعليم، ظهرت التناقضات فى شخصية «القاضى» رمز العدل فعشق فتاة من «الشركس» الذين كانوا يتحكمون فى المجتمع المصرى ويملكون الثروة والسلطة، ولكنه لم يستطع الفوز بقلبها، رغم أنها منحته جسدها، لأنها تحمل منظومة قيم تخالف المنظومة التى يحملها «القاضى»، ولم يجد سوى «شهرت» الخادمة التى قدمها له «الحاجب» لتقوم بأعمال الطبخ والتنظيف فى شقته، ولكنه يستغل حاجتها للمال، ويغتصبها، وتبكى نادمة على مصيرها المؤلم، لكنها توافق رغباته المنحطة، فى الوقت الذى يسقط فيه زوجها فى براثن «الأفيون»، وتتحول «شهرت» إلى امرأة تعرض جسدها مقابل المال، ويطمع فيها «البواب والمكوجى وعامل النظافة»، ولما اكتشف «القاضى» أن «شهرت» سرقت «ساعة» من بيته، ذهب إلى بيتها فى الحى الشعبى، وفضحها بين جيرانها، ولم تجد «شهرت» سوى الشارع لتحصل منه على لقمة العيش لتعول عيالها الصغار، ولم يجد «القاضى» المنحرف الذى تحول إلى «جلاد» سوى الشارع ليلتقط منه «فتيات الليل»، وفى ساعة من ساعات الليل، التقت «شهرت» و«القاضى»، ورفضت ركوب سيارته، ثم بصقت على الأرض.. إنها عبقرية «يوسف إدريس» فى اختيار الشخصية والسرد ورسم النهاية البارعة..


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

«العزيمة».. أول فيلم واقعى فى تاريخنا السينمائى يقدم شغيلة الحارة

لو كنت قرأت مذكرات المخرج الكبير الراحل صلاح أبو سيف لعرفت المعاناة التي عاناها فنانو الواقعية، رغم أن ستديو مصر...

أفلام الأضحى.. موسم سينمائى ملىء بالنجوم

كريم عبد العزيز وأحمد عز الأبرز

هانى شاكر..حكاية كل عاشق (ملف خاص)

رحل الفنان الكبير هانى شاكر، بعد رحلة كبيرة مع الفن والطرب والموسيقى...

فارس السينما الأكبر (5) مظهر يغامر ويفتح بيته لاجتماعات الضباط الأحرار

عندما قال عبد الناصر: اجمع رجالتك يا أحمد.. خلاص هنعملها! سافر مظهر للمشاركة فى دورة الألعاب الأولمبية فقامت ثورة يوليو...