جلال الشرقاوى: هذا سر تحول علاقتى مـع يوسف إدريس من الصداقة للمحاكم

أسعدنى الحظ أننى جلست كثيرا مع المخرج الكبير الراحل جلال الشرقاوى، تناقشنا فى الفن والمسرح والسينما، وأنا أبحث فى حواراتى معه وجدت هذا الحوار النادر الذى لم ينشر من

أسعدنى الحظ أننى جلست كثيرا مع المخرج الكبير الراحل جلال الشرقاوى، تناقشنا فى الفن والمسرح والسينما، وأنا أبحث فى حواراتى معه وجدت هذا الحوار النادر الذى لم ينشر من قبل، عن صديق عمره الدكتور يوسف إدريس، حيث توطدت علاقتهما أثناء التحضير لفيلم «العيب»، المأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم لإدريس، وحوّلها الشرقاوى لشريط سينمائى بديع أدان فيها نظام عبدالناصر بالكامل، وأشار فيه إلى أن العيب فى هذا النظام الذى جعل الفساد يستشرى فى المجتمع المصرى، عن تلك الرواية والفيلم وعن صداقتهما وأشياء أخرى جمعت العملاقين يتحدث الشرقاوى من أول السطر..

تحدث جلال الشرقاوى عن د.يوسف إدريس فى البداية قائلاً: كان بلا شك مفكراً كبيراً، ولم يصل أى كاتب قصة فى مصر لهذا الشموخ الذى وصل إليه إدريس، وكذلك فى المسرح من خلال مسرحيات مهمة وخطير، مثل «الفرافير، الصول فرحات، المخططين»، وكذلك هناك روايات مهمة مثل «الحرام»، و«العيب».

وأضاف: أسعدنى الحظ أننى تعاملت مع إدريس كإنسان وصديق عزيز مقرب جداً لنفسى، وأعتقد أنه كان يبادلنى نفس الشعور، رغم لخبطات كثيرة حدثت فى العلاقة بينى وبينه التى سأتحدث عنها لاحقاً.

أما عن فيلمهما الأول سوياً فقال: فيلم «العيب» كان إنتاج شركة القاهرة للإنتاج السينمائى التابعة لوزارة الثقافة، التى كان يرأسها فى ذلك الوقت سعد الدين وهبة، وعهد إلىّ بإخراج هذا الفيلم، تقدر تقول «العيب جالى أنا ما روحتلوش»، لم أفكر إطلاقاً فى إخراج تلك الرواية، أو أن تكون أول أفلامى، اتصلت بـ«وهبة» قلت له «سيبنى أقرأ القصة الأول وبعدين أرد عليك أخرجها ولّا لأ». وانبهرت بالرواية بعد قراءتها، ذهبت لسعد الدين وهبة لاختياره لى، ولم يتدخل يوسف إدريس فى الكتابة على الإطلاق، ورشحت لبطولة هذا الفيلم رشدى أباظة ولبنى عبدالعزيز وشفيق نور الدين ومديحة كامل ومديحة حمدى، ونجوماً كباراً من المسرح والسينما. انتهيت من تصوير الفيلم، وتقرر عرضه فى 7 نسخ فقط، وهذا الرقم يعد كبيراً بالنسبة للنسخ الممتازة، وفى عرضه الخاص صفق الجمهور كأننا بالمسرح، وأذكر أنه كان يوم اثنين، قبل العرض الجماهيرى يوم الثلاثاء وكان يعرض فى القاهرة نسختان فقط.

وأضاف الشرقاوى أن رواية «العيب» كانت تحكى عن الفساد والرشوة المتفشى فى مؤسسات الدولة وقتها، وتدين النظام القائم على ذلك وهو نظام عبدالناصر، وتدور معظم الأحداث فى مصلحة التراخيص، من خلال البطلة لبنى عبدالعزيز، خريجة كلية التجارة التى يتم تعيينها بعد التخرج فى تلك المصلحة شديدة الانحدار، ويطلقون عليها أنها مريضة بمرض الفضيلة، بل استطاعت أن تعيد بطل الرواية رشدى أباظة لصوابه فى نهاية الفيلم، ويتم البلاغ عن تلك العصابة، كما قررت أنا والسيناريست رمضان صبحى إجراء تعديلات كثيرة على نهاية الرواية الأصلية، منها أن البطلة لم تنحدر أخلاقياً مع العصابة، كما فعل «إدريس» فى روايته الأصلية، بسبب ظروفها الاجتماعية الصعبة.

وأكمل: خرج «إدريس» علىّ أنا وصبحى بمقال طويل عريض فى جريدة الأهرام، شارحاً أنه أراد أن يعمم العيب على المجتمع كله، لكن المخرج والسيناريست آثرا أن يجعلا النهاية متعلقة بالبطلة فقط، واصفاً أنه فى روايته جعل الشر ينتصر على الخير، لكننا رفضنا تلك النهاية، وجعلناها العكس.

وواصل: جعلت مشهد النهاية يستغرق 17 دقيقة تقريباً من زمن الفيلم، هذا المشهد كان يجمع بين البطلة والباشكاتب، دار بينهما حوار طويل عن سر قبوله للرشوة، رغم أنه «بييجى المصلحة ومعاه فوطة وقبقاب وسبحة»، فيشرح لها ظروفه الاجتماعية، وترفض البطلة هذا المنطق، وبما أننا فى مصلحة حكومية نجد صورة الرئيس عبدالناصر فى مكتب الباشكاتب، حينما صورت هذا المشهد عملت close up على صورة عبدالناصر، ثم قطع على الباشكاتب، ثم قطع على البطلة، ثم قطع على صورة عبدالناصر، وكان مشهد الـ 17 دقيقة بين 3 أشخاص (صورة عبدالناصر والبطلة والباشكاتب) وفى اليوم التالى لعرض الفيلم، وفى الـ8 صباحاً أرسل وزير الثقافة 7 رقباء ليشاهدوا 7 نسخ، وحذفوا هذا المشهد وأصبح الفيلم بدون ذروة أو رسالة أو «مورال»، لذا خرج مبتوراً.

وأكمل المخرج الراحل: هاجمت الرقابة وقتها، كما كتب إدريس مقالاً يدين هذا التصرف، رغم أنه كان ضد أن ينتصر الخير على الشر، وأنا استغللت لقاء لى على الهواء مع الإعلامية هند أبوالسعود، وتحدثت فى هذا الموضوع وهاجمت بشدة رئيس الرقابة على المصنفات الفنية، وبعد هذا اللقاء ألغى وزير الثقافة كل برامج الهواء وجعلها مسجلة، ثم تُراقب وبعدها تُعرض، وتم منعى من الظهور على التليفزيون، ولم تكن هناك قنوات فضائية، كما عوقبت هند أبوالسعود، هذا كان الموقف الأول بينى وبين صديقى يوسف إدريس الله يرحمه.

يواصل الشرقاوى حكاياته عن صاحب «العيب» قائلاً: كنت مديراً لمسرح الحكيم، وتحديداً سنة 69 كتب إدريس مسرحية «المخططين»، اندهشت جداً حينما قرأتها، وطلبت من سعد أردش أن يخرجها لأن إدريس واضح فيها أنه تغير وانقلب على عبدالناصر بعد أن كان من أعظم المحبين له، وكان مؤمناً بالاشتراكية وأحد أقطاب النظام اليسارى، قلت إنه راجع نفسه، وآمن بفكرة التعددية وليس بحكم الفرد. المسرحية تحكى عن الأخ الكبير أو مجموعة العصابة التى تثور ثم تحكم العالم، والبطل يلوّن عصابته بلونين الأبيض والأسود، وبدأ يوزع البطل الدول على عصابته، وبعد سنتين من الثورة فكر البطل فى الألوان الأخرى (الأحمر والأصفر والبنفسجى) وكل ألوان الطيف، وأن التعددية هى الحل، فتنقلب عليه العصابة ثم يقررون اغتياله، بعد البروفات والأفيشات التى كانت «مغرّقة» مصر، وقبل الافتتاح بيوم واحد والصبح، فوجئت باتصال من ثروت عكاشة نائب رئيس الوزراء للإعلام والثقافة، وقال لى جملة واحدة «أستاذ شرقاوى المخططين لن تُعرض» وقفل السكة.

وأكمل: جريت الصبح على الوزارة، وقابلت عادل شوقى مدير مكتب شعراوى جمعة وزير الداخلية وقتها، وجاء بعدى سعد أردش وقال لى «تعالى نروح لضياء داود نائب الأمين العام للاتحاد الاشتراكى»، وكان زميل دراسته فى فارسكور، وكانا يجلسان على دكة واحدة، فقال لنا: «السيد (قصده على «شعراوى جمعة»، وكان هذا لقبه وقتها) قال على جثتى المسرحية دى تتعرض». وفعلا لم تر النور، ورأيت بعينى دموع سعد أردش ويوسف إدريس وهما يبكيان على مسرحيتهما، وتم عرض المسرحية بعد سنوات من تغيير النظام.

وعن تعاونه مع إدريس بعد ذلك أضاف الشرقاوى: كنت أنا ومحمد صبحى فى مكتبى بمسرح الفن، بعد أن عملنا سوياً مسرحية «الجوكر»، نفكر فى تقديم رواية جديدة، وكنت معجباً جداً منذ بعثتى فى موسكو ورؤيتى للسيرك الروسى بشخصية المهرج، التى كانت شخصية ثرية جداً، وفكرت أنا وصبحى لو قدمنا المهرج كتيمة جديدة لشخص «بيشتغل حاجة فى الصبح وبالليل مهرج فى سيرك»، كانت الساعة وقتها بين 4 - 5 صباحاً وذهبنا أنا وصبحى لفندق بالزمالك، كان المطعم فاضى، ويجلس شخص فى آخره، وكان يوسف إدريس، ذهبنا له وتبادلنا الأحضان، وسألنا «بتعملوه إيه؟»، قلنا له نفكر فى تقديم شخصية المهرج، وحكينا له، فقال «تصدقوا بإيه؟ أنا كنت أفكر أعمل هذا رواية، هاكتبها عشان خاطركم»، فرحت جداً أن يوسف إدريس سيكتب رواية وأنا سأخرجها وبطلها محمد صبحى، واتفقنا على هذا، وفى اليوم التالى اتصلت به وسألته مازحاً «إمبارح كنت بتهزر ولّا بتتكلم جد؟» فقال لى «كنت بتكلم جد طبعاً»، فقلت له «تعالى نكتب العقد»، فقال «موافق لكن بعد أن آخذ 50% من أجرى فى الحال»، فوافقت، وجاء المسرح بعد نصف ساعة من المكالمة، واشترطت عليه أن يكتب المسرحية فى شهرين فقال «موافق».

وأوضح: بعد أن انتهى إدريس من كتابة الفصل الأول من المسرحية، جاء المسرح لقراءته سوياً، فوجدت أن هذا الفصل يحمل تجريحاً كبيراً للرئيس السادات، وأنا ساداتى وهو ناصرى، فقلت له «إزاى عايزنى أخرج مسرحية ضد التوجه بتاعى؟»، قال لى «لا تملى علىّ شيئاً»، فقلت له «لا أملى عليك وأنت أيضاً لا تملى علىّ شيئاً»، فانفصلنا. وكنت فى موقف حرج جداً وقتها، لأن موسم الصيف كان فاضل له حوالى شهرين ويبدأ، ولابد أن يكون لدىّ مسرحية مع صبحى، كنت قد قرأت رواية «الأشجار تموت واقفة» لأليخاندرو كاسونا، وأعجبت بها جداً، فأخذت صديقى الكاتب ماهر ميلاد، ومعنا كمال عمار الشاعر الرائع، ومهندس الديكور، وطلعنا على منطقة سيدى عبدالرحمن عملنا مسرحية من هذه الرواية التى كان بطلها مهرجاً فى السيرك.

ويواصل: الغريب أن يوسف إدريس حينما عدت إلى القاهرة وجدته أعطى النص الذى كان معى للدكتور يحيى الفخرانى وسمّاها «البهلوان»، بينما مسرحيتى أطلقت عليها «البغبغان»، وفوجئت بإدريس يرفع علىّ قضيتين، الأولى لأننى سرقته، والثانية يطالبنى ببقية أجره، الأولى أخذت براءة بعد أن أرسلوا بعثة من المسرحيين لرؤية العرض، ولم يجدوا أى تشابه بين ما كتبه إدريس وما كتبته أنا وماهر ميلاد، والثانية استمرت لفترة طويلة فى المحاكم، وانتهت علاقتى بيوسف إدريس عند هذا الحد.

وأكمل جلال الشرقاوى كلامه عن صديقه الكاتب الكبير الراحل يوسف إدريس، واصفاً إياه بالمتسامح النبيل، مشيراً إلى أنه بنى مسرحاً فى الإسكندرية، وليلة الافتتاح لهذا المسرح كانت الأنوار كثيرة جداً، وافتتحه فؤاد سلطان وزير السياحة وقتها: وجدت أثناء الافتتاح شخصاً يأتى إلىّ مسرعاً ويأخذنى بالحضن، قال لى وقتها جملة لم أنسها «سيبت اللى عندى وجيت أبوسك وأحضنك»، وبعد الافتتاح قال خطبة طويلة عن علاقتنا سوياً، مشيراً إلى أن مسرحيته القادمة ستكون بين يدى أفعل فيها ما أشاء، وسيتنازل عن كافة القضايا التى رفعها ضدى.

واختتم الشرقاوى كلامه عن يوسف إدريس قائلاً: كان إنسانا متسامحاً لأقصى الحدود، وبسيطاً بشكل غير معقول، كما أنه كان يستحق جائزتين من نوبل، الأولى عن فكره، والثانية عن إنسانيته.


 	أشرف شرف

أشرف شرف

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

هوليوود تحتفى بالسينما: ليلـة أوسكارية تعكس نبض العالم

شهدت الدورة الثامنة والتسعون من جوائز الأوسكار ليلة سينمائية حافلة بالإنجازات واللحظات اللافتة فى مسرح دولبي فى هوليوود،

«الخرتيـة» حلـم لـم يكتمـل لـ «زكى فطين عبدالوهاب»

10 سنوات قضاها «زكى» فى كتابة السيناريو.. وكان يفترض تنفيذ الفيلم بـ«منحة فرنسية» «شاهين»: رشحتك مدير مواقع التصوير بـ«المهاجر».. ومستنى...

الشيخ محمد صديق المنشاوى يروى حكايته مع القرآن وحـكاية عائلته معه

لا يحتاج الشيخ محمد صديق المنشاوى تقديماً، هو من أصحاب المدارس فى التلاوة، رغم انتساب مدرسة المنشاوية لوالده الشيخ صديق،...

نجوم الفن يتحدثون عن عودة «الجوكر» للإذاعة

بعد سنوات من الغياب، عاد الفنان الكبير محمد صبحى ليطل على جمهوره في  موسم رمضان 2026 من خلال المسلسل الإذاعى...