الوعى بالنص ينتصر على ضخامـة الإنتاج

راس الخوف، نصوص معاصرة أو قل قطع مسرحية صغيرة ذات الفصل الواحد القصير، تعبّرعن هموم إنسانية معاصرة كتب السواد الأعظم منها في سبعينات القرن الماضي بعضها من القارة

راس الخوف، نصوص معاصرة أو قل قطع مسرحية صغيرة ذات الفصل الواحد القصير، تعبّرعن هموم إنسانية معاصرة كتب  السواد الأعظم منها في سبعينات القرن الماضي بعضها من القارة الأوروبية وبعضها من القارة الأمريكية لكتاب أمثال التشيكى فاتسلاف هافيل والأمريكى ديفيد أيفزوغيرهم، نصوص تجسد وتطرح أسئلة اللحظة الراهنة في مزيج من السياسية والاجتماع ، نصوص وصفها فاروق عبد القادر حال صدورها عام 2004 انها تنتمي إلي المسرح الفقير، وربما كان هذا في ذهن الدكتورعصام اللباد وهو ينتقي هذه النصوص ويختارها ليقدمها في تجربة فريدة  ليقدم مجموعة من النصوص التى لا تطرح قضايا كبري بقدرما تطرح قضايا إنسانية  تعتمد علي الحوارالبسيط والعميق في آن،ولم تكن ترجمة محضة ولا إعداد خالص بل إعادة كتابة عن طريق زرعها ، زرع هذه الأفكار والشخضيات في تربة الواقع المصري، وأشار في كل نص إلي المؤلف الأصلي والعنوان بلغته الأصلية أيضاً !

في المقدمة يبرر صاحب هذه النصوص اقدامه علي هذه المغامرة قائلا ، بعيداً عن المسرح الملحمي الذي يتهم نصوصه بأنها أضجرت الانسان العادي وأبعدته عن المسرح، وايضاً بعيداً عن المسرح التجريبي الذي وصفه بانه يقدم سرياليية عاجزة عن التواصل مع الواقع ، وإن كنت لا أتفق  تماماً مع هذه الآراء ، ودون شك تحتاج إلي مراجعة ، إلا أن النصوص التى قدمها هذا الكتاب مختلفة  عن النصوص التقليدية التى يصفها  صاحب الكتاب بأنها قصاصات وليس قصصاً ، مادة خام ، أومسرح الدقائق التى تصف لحظات عابرة من الحياة في دقائق  ! وأنها تناسب اللحظة الراهنة وأيضاً حالات إنسانية تصلح لكل زمان ومكان ولهذه الأسباب لم يترجمها اللباد بل قام بكتابتها باللهجة العامية وقال أن الفصحى لا تصلح ولا تناسب هذه النصوص التى هي قطع صغيرة من  الحياة لأننا نحيا باللهجة العامية ، نبكي ونفرح ونحب بها بالإضافة الي أن هذه النصوص كُتب معظمها بلغة الشارع الأمريكي، واستخدم اللباد كلمة معالجة بدلاً من الترجمة اوالتمصير، وظنى انها  إعادة كتابة  كما ذكرت تجمع بين الترجمة والتمصير، أو نص مصري مأخوذ عن  نصوص أجنبية وحرص علي استخدام مفردة دقيقة في تقديم كل مسرحية وهى " مستوحاة " في إشارة إلي أنه عالج الفكرة في الواقع المصري .

اختار المخرج الشاب سيف الأسواني نصين من هذا الكتاب " تحقيق " مستوحى من مسرحية أرلين هتون " أحلم قبل أن أدلي بأقوالي " والنص الثاني مستوحي من مسرحية عنوانها " ماذا تفعل عندك " في أمسية واحده  عنوانها " رأس الخوف " وهو نفسه عنوان الكتاب الذي ضم هذه النصوص ، وفي البداية آثار هذا الاختيار دهشتى فالكتاب منشور عام 2004  ، ولم يلفت أنظار المخرجيين ، لكن حين أعدت قراءة هذه النصوص كانت دهشتى أكبر، وتساءلت كيف أهمل المخرجون هذه النصوص ففضلاً عن قيمتها الفنية   لا تحتاج إلي إنتاج ضخم ، بل انتاج محدود ومسرح فقير  يناسب شباب المسرحيين، وربما هذا مادفع سيف الاسوانى لاختيار هذه النصوص التى قدمها في معهد جوتة في أمسية مسرحية ضمت هذه العرضين بينهما فاصل قصير لتغيير الديكور البسيط  ، في العرض الأول "تحقيق" أو   ( I dream before I take the stand) يصف النص كاتب الجلسة بأنه يجلس علي الآلة الكاتبة، غير ملحوظ  ولا يكتب شيا ، يتناول جريدة  أو مجلة يقرا فيها بلا اهتمام، ويظل هكذا حتى نهاية العرض واستبدله المخرج بحل بصري  دال حين  وضع مكانه مانيكان، مجرد دمية صماء  في حوار يجسد براعة المحقق الذي يحتال بالقانون علي هذا المسكين الذي وضع له المؤلف الأصلي عنوانا (احلم قبل ان أدلي بأقوالى) في مبارزة كلامية تعتمد علي المفارقة والمرواغة، سلامة "سرفيس"مساعد جرسون. وسعاد الفتاة الجميل  التى تعمل في المحل في وظيفة أعلي من سلامة تقدم الطلبات للزبائن ، يحاول المحقق رسم صورة مشوهة في ذهن الشاهد  صورة المومس ، ملابسها  ساقاها صدرها  كل شيء  من خلال حديث طويل عن الجيب والبلوزة هل كانت قصيرة ؟ يسأله مرات وبطرق مختلفة مباشرة وغير مباشرة ، هل  تبرز مفاتنها  ام لا في أحيان كثيرة يبدو كلاماً مجانيا لكنه بناء ضخم من الجدل الذي يحقق النتيجه المطلوبة، الحوار يكشف عن شخصية المحقق  يقول "اسمع يا سلامة انت قلت إنها كانت لابسه بلوزة حمرا قطن خفيفة وصدرها كان بيتهز مشً كده ولا ايه ؟" الزبائن الذين طمعوا في جسد سعاد تتبعونها مع سلامة المواطن الساذج، ضربوه علي راْسه خطفوها ، اغتصبوها  وقتلوها " هم لما دخلنا الشارع كان ضلمة شويه هجموا علي من ورا علي وخوانه وضربوني وأخذوا سعاد الله يرحمها وعملوا بقي اللي عملوه " المحقق  يراوغ يعود الي الجدل لأنه لابد أن يبرأ هولاء القتلة " يقول لا هي راحت معاهم بخطرها وطلبت فلوس كمان وان واحد هجم عليهم وهم نازلين من العربيه وضربها بمطوه ، بيقولوا واحد قريبها لأنه كان بيصرخ فيها يا فاجرة عريتى اهلك  " ثمة قدرة هائلة علي تحويل الزيف، الكذب، الوهم إلي حقيقة ، وكيل النيابة يؤدي دوراً رائعاً في النص والعرض ،يمثّل  يمارس الكذب بقدره فائقة  " انت قلت  يا سلامة" وهكذا يضع  المحق علي لسان سلامة  ما يريد ! المحقق /السلطة التى تستطيع تزيف الواقع وتحيله إلي وهم وتحويل الوهم إلي حقيقة، ليتحول سلامة إلي شخص مسلوب الإرادة " انت قلت انها لابسه بلوزة خفيفة وصدها بيتهز وعامله  رجليها " وكأن المحقق يعرف ما يقصد سلامة ، يعرف اكثر من سلامة  ، قدرة فذة  من المحقق علي تحويل الوهم و الكذب إلي حقيقة ، المحقق يقنعه بان سعاد الضحية كانت تخدعه" انت متلومش نفسك يا سلامة الحقيقة كتير بتستخبى عننا نبقي فاكرين نفسنا عارفين كل حاجة وبعدين نكتشف ان كل اللي عرفناه  كان فالصو" وسلامة يرد صح والله ! في نهاية النص المكتوب  يخرج كاتب الجلسة  بعد أن يضع الجريدة جانبا  ويضع عدة أوراق مكتوبة  سلفاً ، ويوقع عليها سلامة ، سلامه سعد معروف! 

 وضع المخرج سيف الأسواني هذه المباراة الكلامية التى يهاجم فيها المحقق الشاهد المستسلم  محرزاً الأهداف في مرماه في  فضاء مسرحي فقير يخلو من البذخ ولكنه دال جداً ومعبّر، استخدم فيه  مجموعة من القوائم  مع الورق الذي كان بمثابة الحائط الذي يحدد غرفة التحقيق ويحدد فضاء الحكاية مع ثلاثة كراسي واحد للمحقق وآخر للشاهد والثالث لكاتب النيابة وسوف يستبدله المخرج بالمانيكان، وثمة مانيكان اخر علي يسار المسرح كفضاء اخر أعمق للحكاية، فضاء القتيلة مع مجموعة من الاكسسورات النسائية ، إكسسورات الزينة  حول قدميها وسوف تلعب هذه الدمية دوراً رئيساً في الحكاية ومع بدء التحقيق وتطور الحكاية تدخل امرأة لتنزع معطف الدمية / القتيلة، ثم تدخل لتقذفها بالماء وهكذا ، في إشارة لتجريدها ليس فقط  من ملابسها بل لتعريتها أمام المجتمع ، المحقق يقوم، يتحرك ، يتجول يصارع الشاهد ليس فقط بالكلمات ولكن بالنظرات، قبل أن يدخل يتأمل نفسه في المرأة في إشارة دالة علي نظرته لذاته ، المحقق الذي يوجه الشاهد نحو ما يريد وليس الحقيقة ، لقد تلقى مكالمة عبر عنها وجهه نظراته ارتباكه قبل ان يدخل الشاهد تدل علي النية المبيتة في تحطيم هذه الشهادة، وسوف يعمل على اقناع الشاهد بانه مخطىء  وهنا يبرر المخرج استبدال كاتب النيابة بالدمية فلا مبرر لوجوده أصلا فالنية مبيتة.  لشيء اخر غير الحقيقة، ليقدم  في النهاية الأوراق لسلامة وكنت اتمني ان يذهب  إلي ، حيث يجلس ألمانيكان. ويوقع علي اقواله ،ولكنه  يسأله تمضي يا سلامة، سلامة يوقع ولكنه لا يترك وكيل النيابة منتصرا ، يسأله من اللي ضربني من وراء ؟ في إشارة واضحة للمشاهد علي أنه يعي جيداً هذع الخدغة ولكن لا حيلة له ، أدئ دور المحقق سيف الأسواني الذي كان يدرك جيداً أبعاد هذه الشخصية ، يدرك جيداً أنه يكذب ويحتال علي الشاهد الذي أدئ دوره خالد بكير.

المسرحية الثانية تم نقلها  إلى الواقع المصري تحت عنوان "عزت او ماذا تفعل عندك " من خلال شقة   توحي بان سكانها من الطبقة الوسطي وباب حمام مغلق  في منتصف المسرح في بؤرة الاهتمام   وثمة تسجيل يبث مسلسل او مادة تليفزيونية ، فضاء ماساة عزت كما تخيلها الكاتب حيث تمر الام أمام  باب الحمام  ويبدو عليها احتياجها لدخول الحمام والأب يدخل ثائرا متسائلا الواد بقي له ساعة ، ووضع المخرج أيضا فضاء يوحي بما جاء في النص  والتزم بوضع باب الحمام الحدث الرئيسي في الحكاية  في وسط هذا الفضاء لكنه بدأ العرض والأب منهمك في ترتيب الملابس ، حيث  يجلس وأمامه طاولة والام تدخل تتساءل عن سر غياب الابن في الحمام مع تفاصيل اخري ، الرجل في ملابس البيت التى  تبدو فقيرة والأم في ملابس أنيقة ويدور الحوار حول الابن الفاشل المستهتر وتفاصيل أخري عادية بين الزوج الذي يرتب الملابس والام التى تحكي وتثرثر ، حيث يبدأ العرض والجمهور يتستمع الي إذاعة القران الكريم  ولا يخلو هذا من دلالة ، في فضاء يجسد حياة الأسرة الصغيرة /العائلة  من خلال مفردات ديكور رغم واقعيتها لاتخلو من رموز دالة وعميقة ، كومة ملابس التى أمام الزوج ، والزوجة في الناحية الآخري تبدأ الجدل ، وثمة غائب  هو محور الحكاية الابن الذي لا نشاهده ،فقط  باب الحمام الذي يقبع الابن خلفة وبعد أن تتفاقم المناقشة او الخناقة الزوجية حول شخصية الابن المعقد و ندخل إلي مرحلة قلق  الانتظارمع  الام ترغب في دخول الحمام والأب أيضا، وحين  تطول المدة والابن لايرد يحاول الأب والام كسر باب الحمام وهنا  يستعيض المخرج بالصورة السينمائية التى تجسد حياة الابن وعلاقته بالاسرة وانتحاره  تاركا الحياة  لهذين الأبوين ! ليشاهد الجمهور حياة الابن من خلال مادة سينمائية وهي الحيلة التى قدمها المخرج لتجسيد شخصية عزت ، الشاب المقهور ضحية الأعراف والتقاليد البالية للمجتمع، حيث خلق الفيلم عالماً موازياً للأحدث التى تدور من خلال الحوار علي خشبة المسرح ، حين ذهبت الكاميرا إلي ماضى وحاضر الشاب المقهور / الضحية وتجسد وقائع وأحداث  كان من المفترض أن تساهم بقوة في تجسيد صورة عزت / الضحية بكل تجلياتها وتصبح جزءامن البنية العميقة للعرض ، لكن لم تؤثر كثيراً في الأحداث التى تم سردها علي المشاهد من قبل ، المادة السينمائية كانت فكر ة جيدة ، ربما كان الأداء التمثيلي يحتاج إلي مزيد من التدريب سواء ماتم تقديمة علي المسرح أو من خلال المادة السينمائية .

وفي النهاية نحن أمام تجربة تستحق أن نتوقف أمامها مع  المخرج الشاب  سيف الأسواني ، أولاً علي اختيار هذه النصوص التى تطرح قضايل حية ومعاصرة ، والذي يدل علي وعيه بقيمة النص ودوره في العرض المسرحى ، بالإضافة إلي اختياره نصوص لا تحتاج إلي إنتاج كبير ، والأهم معالجة هذه النصوص علي خشبة المسرح وخاصة في العرض الأول الذي كان أكثر تماسكاً  علي مستوى  بنية العرض المسرحى .  وأخيراً أتمنى مشاهدة هذا العرض علي مسارح الدولة ليشاهده عدد أكبر من الجمهور .


 	جرجس شكري

جرجس شكري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

توقف التحضير لمسلسل مصطفى غريب الجديد

أوقفت الشركة المنتجة لمسلسل الفنان مصطفى غريب الجديد التحضير للعمل لوقت لاحق بعد تعطل المشروع.

تامر حسنى يتجاوز أحزانه ويعود للسينما

يعود الفنان تامر حسنى إلى السينما مرة أخرى بمشروع جديد من فكرته ويشاركه الكتابة والفكرة الكاتب هيثم دبور، وذلك بعد...

دينا الشربينى تعود ل «كامل العدد» فى رمضان

تعود الفنانة دينا الشربينى إلى مسلسل «كامل العدد» مرة أخرى حيث تحضر حاليا لتقديم الجزء الرابع من العمل لتشارك من...

مكى فى العباسية بسبب «فرصة سعيدة »

بدأ الفنان أحمد مكى تصوير مشاهد فيلمه الجديد «فرصة سعيدة» الذى يعود من خلاله للتعاون مرة أخرى مع الفنان ماجد...