الفتى الذى عاد.. مسلسل إذاعى ناجح كتبه «وحيد حامد» منـذ أربعين عاماً

فى العام 1979 كنت تلميذاً فى الصف الخامس الابتدائى، فى مدرسة قريتى «كوم العرب سوهاج»، وكنت ورثت محبة الراديو عن الوالد رحمه الله وكانت التمثيليات هى المادة الإذاعية

فى العام 1979 كنت تلميذاً فى الصف الخامس الابتدائى، فى مدرسة قريتى «كوم العرب سوهاج»، وكنت ورثت محبة الراديو عن الوالد رحمه الله وكانت التمثيليات هى المادة الإذاعية المحببة لى، كنت أنتظر مسلسل الخامسة والربع، وأتابع «الإعادة» فى ظهيرة اليوم التالى للحلقات التى فاتنى سماعها، وفى تلك الفترة تابعت مسلسل «الفتى الذى عاد»، وشدتنى أحداثه، واستطاع المؤلف والمخرج أن يسيطرا على وجدانى، ولم يبق فى ذهنى من أسماء فريق العمل سوى اسم «وحيد حامد»، ومنذ أيام تذكرت «الفتى الذى عاد»، وقررت أن أستمع حلقاته مرة ثانية فى محاولة منى للقبض على ذكريات الطفولة الجميلة، واكتشفت أن بطل المسلسل «غريب» أو «ياسين محمد الطيب» هو الفنان «كرم مطاوع»، وأن الشحاذة الماكرة الرهيبة التى قتلت «ضرغام» هى الفنانة القديرة «أمينة رزق» والرجل الضرير ذاكرة القرية العم جابر، هو الفنان «عبدالعزيز أبوالليل» وأن الفلاح المتمرد «أبوالشواشى» هو الفنان «سيد زيان» والقاتل الجبار المتغطرس المتحكم فى مقدرات أهل القرية «حمزاوى» هو الفنان القدير «صلاح منصور» وكان من أهم ما اكتشفته بالسماع فى المرة الثانية، الحوارا لذى كتبه «وحيد حامد»، فهو حوار إذاعى نموذجى، عباراته قصيرة، دالة، كلماته معبرة ومخبرة، يفهمها جمهور الراديو مهما كان مستواه الثقافى، وهذا نابع من إدراك الكاتب وحيد حامد لطبيعة الوسيلة الإعلامية التى يطل منها على الناس، وهى وسيلة يتابعها كل الناس وتتعدد مستوياتهم العلمية والثقافية، والمخرج «مصطفى أبوحطب» نجح فى اختيار فريق عمل من الممثلين الموهوبين الذين يجيدون التمثيل أمام «الميكروفون»، والفكرة التى طرحها المسلسل، فكرة «مصرية» تهم الفلاحين الذين يشكلون غالبية الشعب المصرى، وهى فكرة «العدل والظلم» والصراع بين «ملاك الأراضى» و«الفلاحين الأجراء»، ولو راجعنا قوائم أسماء كبار ملاك الأراضى الزراعية فى بلادنا، سوف نجد أن غالبية هؤلاء «الباشوات»، حصلوا على أراضيهم على هيئة منح من «محمد على» وأولاده، أوفرضوا نفوذهم على الفلاحين بدعم من القبائل التى ينتمون إليها، أوتعاونوا مع الاحتلال الإنجليزى، وكان ثمن هذا التعاون هو امتلاك الأطيان والقوة والسلطة، وتاريخ «اللورد  كرومر» المندوب السامى البريطانى حافل بأسماء العائلات التى ارتقت من تحت خط الفقر إلى حد الثراء الفاحش مقابل دعم المحتل والتفريط فى القضية الوطنية.

أما الأسلوب الذى كتب به «وحيد حامد» فكان ذكيا، لما تخلص من الوعظ المباشر، وجعل رسالة المسلسل على هيئة «جمل حوارية» مناسبة لوعى كل شخصية، والجميل فى مسلسل «الفتى الذى عاد»هو ثقافة الكاتب الرفيعة ومعرفته بتاريخ مصر، وتواريخ الطغاة الذين استبدوا بالشعب وصارت لهم فلسفة واحدة، تقوم على إرهاق الشعب طوال الوقت حتى لا يجد الوقت الذى يسمح له بممارسة إنسانيته، أو الانشغال بالقضايا العامة، مع زرع الكراهية بين أبناء الشعب، حتى لا يجمعهم هدف وطنى واحد، وقضيت ساعات ممتعة مع حلقات «الفتى الذى عاد»، وبقى القول إن «وحيد حامد» كاتب جرىء، عميق الوعى، جرىء القلم والفكر، له فضل السبق فى التصدى للفكر الوهابى، وجماعات الإرهاب التى قتلت الناس فى تسعينيات القرن الماضى، ورغم قسوة تلك اللحظة فى تلك الفترة السوداء، كتب «وحيد حامد» مسلسل «العائلة»، وتوالت أعماله الدرامية التى أظن أن أجملها هو مسلسل «الجماعة» المكون كم جزءين، وهو مسلسل استطاع أن يساعد كثيرا من الناس على معرفة التاريخ الدموى لهذه الجماعة الإرهابية.

شخصية «السلفى العشوائى» مرسومة بدقة فـى حلقات «بدون ذكر أسماء» للمخرج تامر محسن

حلقات مسلسل «بدون ذكر أسماء» للمخرج «تامر محسن»، أذيعت منذ نحو سبع سنوات، ولم تلق الاهتمام النقدى الذى تستحقه، ومؤخرا شاهدت الحلقات واكتشفت أن مؤلفها هو الكاتب المبدع «وحيد حامد» وهو الكاتب المدرك لأبعاد التاريخ المصرى والتحولات التى عرفتها الشخصية المصرية فى نصف القرن الأخير، بالتحديد عقب وقوع هزيمة 5 يونيو 1967، واختار الكاتب حقبة الثمانينيات من القرن الماضى التى شهدت اغتيال الرئيس السادات على أيدى الجماعات الإسلامية وهى الجماعات التى أوجدها السادات لتكون غطاء شعبيا له وتتصدى للشيوعيين والناصريين فتوحشت وكان هو نفسه من ضمن ضحاياها، وترصد الحلقات دور نظام «مبارك» فى الحرب التى كانت مشتعلة بين المعسكرين الشرقى والغربى بقيادة «واشنطن» و«موسكو»، من خلال توريد «الحمير الحصاوى» للمجاهدين «الأفغان» وهم عصابات تجارة المخدرات المدعومة من واشنطن لمحاربة النظام الشيوعى الحاكم فى «كابول» والمدعوم من «موسكو»وأدارت واشنطن الحرب الباردة بينها وبين الاتحاد السوفييتى باستخدام ورقة الدين وأنفقت على هذه الحرب من خزائن أموال النفط العربى وأوهمت الشعوب العربية بأن الحرب التى تدور على أرض «أفغانستان» هى حرب مقدسة يقودها المجاهدون فى سبيل الله الذين تدعمهم الملائكة وتصنع لهم المعجزات، وصدقت الشعوب العربية الكذبة الأمريكية، ثم فوجئت هذه الشعوب المضللة بوجود عصابات إرهابية تدربت فى «كابول» وجاءت لتقتل النساء والأطفال فى البلاد العربية تحت مسمى الجهاد والعمل على تطبيق شرع الله.

وقدم مسلسل «بدون ذكر أسماء» ربما للمرة الأولى فى تاريخ الدراما التليفزيونية ـا الجوانب البيولوجية والنفسية والاجتماعية لشخصية «السلفى العشوائى» وهو يختلف عن «السلفى الريفى» و«السلفى الصحراوى» رغم وحدة المنهج ومصدر التغذية بالفكر القديم المعادى للحياة والإبداع، ورأينا هذا السلفى العشوائى «الأخ معتمد» الذى تشغله غرائزه ونهمه للمال عن القيام بأية أدوار أخرى غير البحث عن وسائل لإشباع هذه الغرائز، فأصبح إنسانا يحمل روح حيوان مشغول بالجنس والطعام ولا شىء غيرهما، واستطاع «معتمد» أن يصبح شيخا وخطيبا بعد دخوله أحد معاهد الفكر الوهابى فى المملكة السعودية، وعاد ليمارس السطوة الروحية على خلق الله الفقراء المقيمين فى الأحياء الشعبية الفقيرة القاهرية.

ومن العلامات المضيئة فى هذا العمل الفنانون الذين جسدوا الشخصيات ببراعة مثل الفنان «محمد فراج» الذى أبهرنا بأدائه شخصية «رجب الفرخ» والفنانة «روبى» مبسوطة والفنان الكبير «عبدالعزيز مخيون» والفنان «أحمد الفيشاوى» والفنانة «حورية فرغلى» والفنانة «شيرين رضا» والفنانة «أمل رشدى» وبكل أمانة نقول إن كل فريق العمل كان ممتازا وكانت بصمات المخرج تامر محسن واضحة فى كل لقطة وكل حركة.

إيمان العاصى وكريم فهمى ومحمود عبدالمغنى وندا موسى نجوم لمعوا فى «الحساب يجمع»

هذه هى المشاهدة الثالثة من جانبى لمسلسل «الحساب يجمع» وفى هذه المرة اكتشفت أن المسلسل نجح بفضل فريق العمل ومن هؤلاء الفنان «محمود عبدالمغنى» فى شخصية «الحاج نور» الرجل الذى يريد الانتقال من شريحة اجتماعية إلى شريحة أرقى باستغلال «ميراث» تركه له والده، وهذا الميراث تمثل فى «ديون» متراكمة على سكان منطقة عشوائية «الوراق» وهذه الديون أراد «الحاج نور»أن يخلق بها المبرر القانونى لطرد السكان وبيع الأرض لشركات عقارية كبرى، مقابل حصوله على مليارات من الجنيهات على حساب تشريد هؤلاء السكان المساكين.

وأعجبنى أداء الفنانة «إيمان العاصى» التى قدمت شخصية «منة»، الفتاة التى تعلمت فى الجامعة وهناك رأت الثراء والغنى الذى يعيشه زملاؤها فقررت الهروب من «الوراق» إلى منطقة غنية مهما كان الثمن، وهذا الطموح أوقعها فى قبضة واحد من تجار الرقيق الأبيض المتستر وراء «شركة دولية للمعلومات» وكادت أن تسقط فى فخ هذا «القواد العصرى»، وأعجبنى أيضاً الفنان «كريم فهمى» فى شخصية «كرم» ابن شقيق «نعيمة المخدماتية» فقد رسم شخصية الشاب المطارد من المجتمع برقى وتميز بعيدا عن القوالب القديمة التى اعتاد فنانو الدراما تقديمها فى السنوات الماضية، والفنانة «ندا موسى» كانت مقنعة وبارعة وهى تؤدى دور الزوجة المكافحة وكان أداؤها متزنا بلا ضجيج أو مبالغة وهى فنانة تنتمى لمدرسة الاندماج الكامل فى الشخصية لدرجة جعلتنى أنسى أنها «ندا موسى» وكنت طوال الوقت أتعامل معها باعتبارها «عبير» الزوجة التى تقاوم قسوة الظروف الاقتصادية بكل جدعنة واستقامة أخلاقية، وأخيراً نتوجه بالشكر للمخرج هانى خليفة على اختياره هذا الفريق الرائع من الفنانين الكبار.


 	خالد إسماعيل

خالد إسماعيل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

على ربيع يعود للدراما بمسلسل جديد

بدأ الفنان على ربيع التحضيرات لمسلسل جديد يعود من خلاله إلى الدراما بعد غياب.

أحمد حلمى يستعد ل «حدوتة»

يواصل الفنان أحمد حلمى التحضيرات النهائية لفيلمه الجديد «حدوتة »، والمقرر أن يعود من خلاله إلى السينما بعد غياب.

الحمل يبعد أسماء أبواليزيد عن الدراما

اعتذرت الفنانة أسماء أبواليزيد عن بطولة مسلسل جديد مع الفنان عصام عمر، كان من المقرر أن تقوم بتقديمه خلال الفترة...

شعارها «مصر أولاً» شيرين تعود لأحضان المصريين

عادت صاحبة التجربة الاستثنائية... حتى في أزماتها، عادت لتمنحنا درساً جديداً في فنون الحياة وتقدم لنا تجربة من لحم ودم......