فى مثل هذا الشهر منذ اثنين وأربعين عاما (مارس 1977) خرجت الجماهير فى وداع العندليب عبدالحليم حافظ. كانت جنازته مهيبة تليق بفنه وموهبته ومحبته للناس. ومؤخرا اكتشفت
فى مثل هذا الشهر منذ اثنين وأربعين عاما (مارس 1977) خرجت الجماهير فى وداع العندليب عبدالحليم حافظ. كانت جنازته مهيبة تليق بفنه وموهبته ومحبته للناس. ومؤخرا اكتشفت على شبكة الإنترنت فيلما وثائقيا يحكى قصة عبدالحليم ، قام بدور البطولة فيه الإعلامى الرائد طارق حبيب، وهو من نجوم تليفزيون جمهورية مصر العربية، وأثرى المكتبة التليفزيونية بعشرات الحوارات المهمة مع نجوم الفن من خلال برنامجه المشهور "من الألف إلى الياء". الفيلم الوثائقى الذى أقصده هو "أغنية الوداع"، الذى شارك فيه يوسف وهبى والفنان الملحن كمال الطويل، والفنان الملحن رفيق مشوار العندليب محمد الموجى. والفيلم اتخذ من شكل التحقيق وسيلة للبحث فى جذور حياة وموهبة عبدالحليم. ذهب طاقم العمل إلى قرية الحلاوات، والبعض يخطئ فيكتبها الحلوات، والأصح الحلاوات لأن هذه القرية تسكنها فروع من قبيلة حلاوة التى تتخذ من سيناء قاعدة لها، واسم حلاوة موجود فى بعض قرى القليوبية ، والجميع ينتمى إلى حلاوة الجد الأعلى للعندليب ، وفى قرية الحلاوات قابل فريق عمل "أغنية الوداع" شهود ميلاد العندليب.. قالت السيدة التى أرضعته إنها تحملت مسئوليته لمدة عامين حتى أتم الرضاعة، ثم تولاه أحد أخواله بالرعاية، وألحق العندليب بالكتاب الموجود فى الحلاوات، ثم بعد ذلك الحق بملجأ خيرى، خصصه أحد الباشوات الأثرياء لرعاية الفقراء والأيتام ، وفى الملجأ تعلم عبدالحليم حرفة صيانة الدراجات ، أى أن الملجأ منحه التعليم والصنعة، ولم يكن من مجالات التعليم فى هذا الملجأ الموسيقى أو الغناء ، لكن الثابت من رواية السيدة صاحبة المنزل الذى سكنه العندليب فى الزقازيق أنه كان "يضرب بالصفارة"، وهذه العبارة معناها العزف على آلة الفلوت إحدى الآلات الغربية، وكان أخوه إسماعيل شبانة هو المطرب فى تلك الفترة. ومن الفيلم الوثائقى "أغنية الوداع" عرفنا أن عبدالحليم درس الموسيقى دراسة أكاديمية، وتعلم كتابة النوتة الموسيقية، الأمر الذى سمح له بقيادة الفرقة الماسية، وهى الفرقة التى كانت تصاحبه على المسرح طوال رحلته الغنائية وقائدها هو أحمد فؤاد حسن، الذى قال فى الفيلم إن عبدالحليم كان متعلما لقواعد الموسيقى ولهذا كان من حقه أن يقود الفرقة الموسيقية.
وقال يوسف وهبى لفريق فيلم "أغنية الوداع" إنه قدم عبدالحليم فى إحدى الليالى المسرحية بدلا من الفنانة صباح التى كانت مشغولة بتصوير أحد المشاهد فى فيلم سينمائى تشارك بالتمثيل فيه، وكان الحل المتاح أمام يوسف وهبى لسد الفراغ الذى نتج عن غياب صباح تقديم المطرب الشاب عبدالحليم الذى غنى ليلتها أغنية "على قد الشوق" التى لاقت إعجاب جمهور المسرح، وكان عبدالحليم قبلها دائم التردد على المسرح الذى يديره يوسف وهبى، وكان يوسف وهبى يتأذى من وجوده ويخاطبه بأسلوب جاف، لأنه كان إداريا صلب الشكيمة قوى العبارة يكره من يتواجد بين الكواليس من دون داع، لكن كانت الأقدار حليفة للفنان الموهوب الطموح، فقدمه يوسف وهبى بنفسه إلى جمهور مسرحه وهو الذى كان يزجره ويتأذى لوجوده بين الكواليس.. ودرات العجلة واتسعت نجومية عبدالحليم حتى أصبح من رجال الفن فى زمن ثورة يوليو 1952. كان يقدم أغنية جديدة فى كل عام فى الحفلات التى تقيمها الدولة، إلى أن جاء يوم 5 يونيو 1967 لتختار الأقدار عبدالحليم والأبنودى لإبلاغ الشعب بحقيقة الكارثة الكبرى التى وقعت على جبهة سيناء، وكانت الحكومة التى أدارت معركة إعلامية ناجحة لتهيئة الشعب لخوض المعركة قد فشلت فى مواجهة الشعب بالهزيمة، بعد أن أقنعته بان الحرب ستكون نزهة قصيرة يقوم بها جنودنا إلى سيناء لاقتلاع إسرائيل من جذورها ، لكن عندما تكشفت الحقائق لم تجد الحكومة سوى كلمات الأبنودى الحزينة "عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر .. وعشان نتوه فى السكة شالت من ليالينا القمر".. وبمجرد أن أذاعت الإذاعة هذه الأغنية أدرك الناس أن الهزيمة قد وقعت، وأفاقوا من الغيبوبة التى عاشوها طوال الشهر الماضى، ابتداء من مايو إلى الأسبوع الأول من يونيو الحزين، ودخل العندليب زمنا جديدا ، اكتفى فيه بمعالجة داء الكبد – وهو الميراث الذى ورثه عن الفقر والاستحمام فى ترعة الحلاوات - وتقديم أغنية عاطفية طويلة واحدة فى كل عام ،إلى أن رحل عن الدنيا فى آخر مارس من عام 1977، وانتحرت الفتيات العاشقات من أجله، وحزنت الأمهات لرحيله، لكن الفن الذى أبدعه فى مشواره الطويل بقى خالدا فى قلوب الجماهير العربية من المحيط إلى الخليج، فقد كان العندليب رمزا لمرحلة الحلم الأخضر والحب العفيف النظيف، وكان رمزا من رموز مرحلة الاستقلال الوطنى التى تلت مرحلة التخلص من الاستعمار القديم. ورغم أن العندليب ودع الحياة وترك الدنيا منذ ما يزيد على الأربعين عاما فإنه مازال حيا بصدق أحاسيسه وجمال صوته وقدراته الخاصة على نقل الأحاسيس إلى القلوب، ومازال حيا فى قلوب كل من قدم لهم المساعدة والدعم المادى والمعنوى.
«حكم القوى».. فيلم يطالب أصحاب الأموال بخدمة أهداف الوطن
قدم المخرج الراحل حسن الإمام فى خمسينات القرن الماضى هذا الفيلم "حكم القوى"، بطولة محسن سرحان وهدى سلطان وعباس فارس وزوزو ماضى وزوزو نبيل وعبدالوارث عسر وسراج منير وفريد شوقى.. وأحداث الفيلم تدور بين عالم رجل الصناعة محسن سرحان وعالم رجل المال عازر أفندى.. عالم رجل الصناعة يقدم رؤية ثورة يوليو 1952 التى كانت تحرض الناس على خوض مجال الصناعة لتحقيق حلم الاستقلال الاقتصادى والسياسى الذى طرحته الثورة على الرأسمالية الوطنية، وكانت تلك الرؤية تقوم على أن الصناعة هى الوسيلة الوحيدة للاكتفاء الذاتى وعدم الاعتماد على دول الغرب الاستعمارى، واستيعاب خريجى المدارس والمعاهد والكليات، والانتقال بالمجتمع من حالة الريف المعتمدة على ملكية الأراضى الزراعية وزراعتها بوسائل بدائية، إلى حالة المدينة التى يكون فيها الاقتصاد الوطنى معتمدا على الطبقة العاملة القادرة على التجاوب مع معطيات العصر ، وظلت ثورة يوليو تهيئ الأوضاع التشريعية والسياسية لتجعل رجال المال يقبلون على الاستثمار فى الصناعة، لكنهم اختاروا البحث عن الكسب السريع الذى تحققه دورة سريعة لرأس المال، الأمر الذى جعل ثورة يوليو تجعل الدولة "الرأسمالى الكبير"، بعد فشل طبقة الرأسماليين فى تحقيق أهدافها. ولما جاء عام 1961 كانت الدولة قد قررت ان تكون هى الرأسمالى القادر على إنجاز الخطة الاقتصادية، وتم استبدال السياسات القديمة التى كانت داعية للرأسماليين للقيام بدورهم الوطنى بسياسات جديدة تعتمد على العمال والفلاحين وبعض الشرائح الرأسمالية، وهى المرحلة التى سميت بمرحلة تحالف قوى الشعب العامل، وصدر الميثاق فى عام 1962، والذى تضمن رؤية وطنية تهدف إلى تحقيق تنمية معتمدة على التصنيع، معتمدة على السد العالى واستيراد الخبرة الصناعية من دول الكتلة الشرقية والاتحاد السوفييتى، وهذه هى الفكرة التى حاول الفيلم أن يعبر عنها، فالسيد عازر أفندى يكسب أمواله من الإقراض بالربا الفاحش، ورجل الصناعة لديه نفس طموح الثروة لكنه لا يجد المال اللازم لإنجاز خطته الهادفة إلى الكسب الحلال الذى يعود بالفائدة عليه وعلى المجتمع كله، ويستطيع المقامر فريد شوقى أن يقتل عازر أفندى – المرابى – وتتهم النيابة رجل الصناعة محسن سرحان بقتله، ويقدم الفيلم – على التوازى – صراعا بين منظومة قيم رجل الصناعة، وهى الإخلاص والعطف على العمال والعمل المنتج والحفاظ على العهد والأمانة فى العمل، وبين منظومة المقامر الذى يسعى للكسب السريع على حساب كل القيم النبيلة، وتتدخل الطبقة الفقيرة لإنقاذ رجل الصناعة، فيوفر الطباخ والراقصة والخادمة أدلة براءة رجل الصناعة، وتنتهى حقبة "رأس المال المالى" التى كانت تستنزف المتعاملين معها من دون ان تبذل جهدا حقيقيا، لتبدأ حقبة الصناعة وقوامها رجال تعلموا أن العمل عبادة وان الرزق الحلال له مصدر وحيد هو العرق والكفاح والعمل المنتج.. هذه هى رسالة فيلم "حكم القوى" التى قدمها فريق الفنانين باقتدار خاصة الفنان فريد شوقى والفنانة هدى سلطان والفنان الكبير عباس فارس.
فى محبة «بلال مؤذن الرسول» و«أحمد عبدالجواد» و«الحاج رواش»
فى عام 1994، وبالتحديد يوم 18 مارس، رحل الفنان يحيى شاهين عن الدنيا ولم يتذكره أحد، لأنه لم يكن نجم شباك، ولم تكن له شلة متنفذة فى الإعلام تستطيع تذكير الناس به وإبقاء اسمه على ألسنة الجماهير.. وأدعوك عزيزى القارئ لتذكر عدة أفلام ومسلسلات قام ببطولتها يحيى شاهين لتعرف قدره الفنى.. أدعوك لتذكر فيلم "بين القصرين" وفيلم "قصر الشوق" وفيلم "السكرية" – الثلاثية السينمائية المأخوذة عن الثلاثية الروائية التى أبدعها الكاتب الكبير نجيب محفوظ.. وأدعوك لتذكر فيلم "زينب" ، أول فيلم سينمائى ناطق فى تاريخنا السينمائى، وكذلك أنتقل معك إلى التليفزيون وأكتفى بتذكيرك مسلسل "الطاحونة".. وسوف تجد فى هذه الأعمال جدية ورسالة يهدف العمل إلى توصيلها للمشاهدين، وهذه هى طبيعة شخصية يحيى شاهين.. كانت شخصيته جادة تلتزم بالأخلاق، وترى فى الفن رسالة ومتعة تهدف إلى نهضة المجتمع، لكن مشوار ذلك الفنان الراحل بدأ منذ دخوله الدنيا فى "28 يوليو 1917" فى قرية "ميت عقبة"، ثم التحاقه بمدرسة عابدين الابتدائية، وفى تلك المدرسة اشترك فى فريق التمثيل، ثم بعد كل ذلك التحق بمدرسة الفنون التطبيقية قسم النسيج، وبعد أن حصل على شهادة الدبلوم التحق بكلية الهندسة وحصل على شهادة البكالوريوس، وتم تعيينه فى شركة مصر للغزل والنسيج بمدينة المحلة الكبرى، لكنه لم يتقدم للعمل فى الشركة لفترة، فقد التقى الفنان بشارة واكيم والفنان "آدمون تويما "، ومن خلالهما انضم إلى مسرح الأوبرا الملكية، وبعد ذلك التحق بفرقة الفنانة فاطمة رشدى التى اختارته للقيام بدور الفتى الأول بعد ان تركها الفنان أحمد علام لينضم إلى الفرقة القومية. وقدم يحيى شاهين على المسرح أعمالا عالمية، منها روميو وجولييت، و"مرتفعات ويذرنج". وقدم المسرحية المصرية "مجنون ليلى". وانتقل من المسرح إلى السينما ليقدم فيلم "زينب"، ثم قام بالبطولة مع أم كلثوم فى فيلم سلامة. وقدم مع حسن الإمام وصلاح أبوسيف ويوسف شاهين وغيرهم من المخرجين عشرات الأفلام الناجحة، نذكر منها "هذا هو الحب" و"ابن النيل". وللتليفزيون قدم أعمالا منها "شارع المواردى" و"الطاحونة". وبلغت جملة الأعمال التى شارك فيها 99 عملا، موزعة بين السينما والتليفزيون والمسرح، وحصل على جوائز عديدة محلية ودولية، منها وسام الجمهورية من الطبقة الثالثة، والجائزة التقديرية الذهبية من جمعية كتاب ونقاد السينما، وشهادة تقدير من مهرجان القاهرة السينمائى فى عام 1987، وشهادة تقدير عن دوره فى فيلم "ارحم دموعى"، وشهادة أخرى عن دوره فى فيلم "جعلونى مجرما"، وشهادة الرواد السينمائيين من جريدة الأهرام المسائى. ورحل عن الدنيا عن عمر ناهز "85 عاما"، ولا ننسى دوره الرائع فى فيلم "بلال مؤذن الرسول"، وأدواره الأخرى فى مجموعة الأفلام التى تتناول ظهور الإسلام وكفاح المسلمين الأوائل ضد قوى الشرك والكفر.
رحم الله الفنان القدير يحيى شاهين، الرائد السينمائى والمسرحى، الذى قدم أعمالا عظيمة استهدف منها خدمة الفن وإمتاع الجماهير.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
الذين عاشوا فى العالم الافتراضى
الكتابة عن الشاعر الفنان الكبير صلاح جاهين فرض وواجب على كل كاتب وطنى، لأن هذا الشاعر كان صوت الشعب وضمير...
حول "ستيتش هيد"، الوحش اللطيف المصنوع من الخردة، وهو من ابتكار العالم المجنون الذي يصنع الوحوش فى قلعة جروتيسكيو، ويعمل...
قصة صداقة نادرة بدأت فى الكلية الحربية وتعمقت فى «منقباد» عبد الناصر يعمل مدرب ملاكمة للضابط الشاب أحمد مظهر مصادفة...