"تعريب الطب".. بين مواكبة التقدم العالمي واستعادة المجد العلمي

"تشكيل لجنة متخصصة لدراسة إمكانية تعريب علوم الطب والصيدلة والهندسة بجامعة الأزهر"، أثار مؤخرا موجة من الجدل المجتمعي خاصة بين المتخصصين والخبراء، وتباينت الآراء بين معارضين للمقترح يرون أن العلوم الطبية في العالم تدرس باللغة الإنجليزية وعدد من اللغات الاخرى، ومؤيدين يرونه يعيد أمجاد العرب العلمية.

موقع أخبار مصر فتح هذا الملف مجددا في إطار الحوار المجتمعي واستطلاع آراء المتخصصين والخبراء قبيل إنهاء دراسة المقترح .

المصطلحات الطبية باللغة اللاتينية

د.محمد القصاص

بداية .. قال الدكتور محمد القصاص أستاذ واستشاري الكبد والجهاز الهضمي بطب حلوان للموقع : تابعت كما الكثيرين النقاش الذي دار مؤخراً حول تعريب الطب، والذي كان له معارضين ومهاجمين أكثر كثيرا من البعض الذي أيده على استحياء.

وتابع : بعيداً عن تقديري لجسامة المهمة، وأنها فوق استطاعة جامعة واحدة مهما كان ثقلها، وتوقعي لانسحابٍ سريع خوفاً من كم الهجوم الغير متوقع، ويقيني بأن الأمر أكبر بكثير من مجرد رغبة بعض الأكاديميين في إلقاء حجرٍ في الماء الراكد، إلا أنني أردت تسجيل بعد النقاط الخاصة بهذا الأمر هنا:"قرأت العديد من المقالات "شديدة اللطف والظرافة" والتي تتحدث عن تعريب الطب بشكل كوميدي ضاربة أمثلة بكلمات عربية "مكعبرة" تنذر بمصيرٍ أسود إن نحن أقدمنا على هذه الفعلة الشنعاء، والحقيقة أن التوقف عند التسميات ماهو إلا تسطيح رهيب لفكرة ترجمة العلوم لأسباب عديدة أبسطها أن ما ندرسه من مصطلحات طبية ليست بلغة إنجليزية وإنما بلغات ميتة مثل اللاتينية مع بعض التعديلات باستخدام اللغة اليونانية القديمة. ولعل زملائي الأطباء يذكرون جيداً الكثير من المصطلحات اللاتينية التي عانينا فقط في تذكر أسمائها اللاتينية أثناء الدراسة. حينما تظل طوال عمرك تدعوها sternum ثم يأتي يوم يقال لك فيه إن اسمها "عظمة القص" خلافاً لما اعتدته: من هنا تأتي الغرابة. بينما القصة أن هذا ما اعتدته وبذلك عددته من الثوابت الغير قابلة للتغيير، في حبن أنه مجرد مسمىً فقط. لو تعلمت أن هذه العظمة اسمها "حسن"، لارتبت حين تسمع من يناديها بأي اسم مخالف لذلك. عوداً لهذه النقطة، القضية ليست في التسميات والمصطلحات فقط فهي أهون ما في الأمر، كما أن بإمكانك أن تضع لجاناً تبحث عن تسميات أقرب للحداثة وأسهل في الاستخدام".

وأكمل : غني عن القول أننا لا نستخدم تلك المصطلحات اللاتينية في الحديث مع مرضانا، وإنما نقوم بتعريبها "يدوياً" ليفهمها المريض، وهو ما نفعله كثيراً في مؤتمراتنا وندواتنا الطبية المتخصصة؛ نستخدم كلمات عربية، نضع بينها بعض المصطلحات اللاتينية فقط ليفهم الكثيرون ما يقال.

معضلة تعريب العلوم في التحديث المستمر

وأوضح د.القصاص أن معضلة تعريب العلوم تكمن في التحديث المستمر للمعارف ونقلها للغتك أولاً بأول، وقبل ذلك قدرتك على صنع المعرفة والإسهام في حركة العلم وعدم الاكتفاء بدور الناقل والتابع، وهو مالم نستطع تحقيقه للأسف الشديد على أرض الواقع عبر أكثر من مائة وخمسين سنة من دراسة العلوم بالإنجليزية والتي بدأت بعد الاحتلال الانجليزي لمصر.

وتعجب، قائلا: العجيب في الأمر، أن كل دول العالم تقوم بتدريس العلوم بلغاتها حتى وإن كانت لغات صغيرة قليلة الأهمية ضيقة الانتشار.. منذ حوالي عشرين عاما، أتاحت لي الظروف التواجد بإحدى مستشفيات اليابان؛ حيث يدرسون الطب ويمارسونه بلغتهم، وهالني كم التقدم والمعرفة لديهم، وانبهرت بكتبهم ومراجعهم الطبية باليابانية، وكنت أعجب من عدم قدرتهم على التحدث بالإنجليزية حتى في المحادثات البسيطة، ولكن دعنا نفكر سوياً: ماذا يضيرهم إن جهلوا لغة غيرهم وبرعوا فيما يجب أن يعملوه بلغتهم!.

واستدرك : ⁠نسيت أن أخبركم: لا يتم تدريس العلوم باللغات الوطنية في دول قارة أفريقيا ومعها الهند فقط، الدول التي أنهكها الاستعمار وتركها تصارع واقع هو الأسوأ في كل شئ، بينما يتم تدريس العلوم باللغات الوطنية في كافة دول العالم بعد ذلك، بما فيها الكيان الذي قام بإحياء لغة ميتة هي العبرية وعلمها لصغاره، ثم صنع علماً بهذه اللغة التي لا يتحدث بها أحد لإدراكهم أن هذه هي الوسيلة الوحيدة للبقاء والحفاظ على الهوية، ولم ينكر عليهم ذلك ناكر..

تدريس الطب بمصر بدأ باللغة العربية

وقال:  ⁠دعوني كذلك أذكركم بأن تدريس الطب في مصر قد بدأ باللغة العربية تواكباً مع النهضة التي أحدثها محمد علي وتأسيس مدرسة الطب في أبي زعبل عام 1827، ثم انتقلت هذه المدرسة إلى قصر العيني عام 1837، وظلت تدرس بالعربية رغم صعوبة الأمر في بدايته، والذي دفع محمد علي باشا للأمر بإلحاق المترجمين بالدفعة الأولى للدراسة بالكلية لاستغلال إتقانهم للغتين، ثم الاعتماد عليهم بعد ذلك في تدريس الطب بعد تخرجهم، وكذلك قيامهم بترجمة الكتب العلمية للعربية. و خلال الستين عام التي تم فيها ذلك، كانت مدرسة الطب المصرية تضارع مثيلاتها في أوروبا، وكان مستوى الطبيب المصري لا يقل بأي حال عن الطبيب الأوروبي بشهادتهم هم، والمراجع في ذلك كثيرة. وبعد أن احتل الإنجليز مصر عام 1882 م فرضوا تدريس الطب بالإنجليزية عام 1887، بحجة عدم وجود المراجع العربية الكافية، وهو باطل يراد به باطل، ليس له هدف إلا محو الهوية والتغريب.

واختتم أستاذ الكبد حديثه قائلا:⁠قد يكون الحديث عن تعريب العلوم حالياً غيرَ متناغمٍ مع السياق العام المتراجع والمطموس الهوية، ولكن وجب تسجيل ما قد يكون كلمة حق نسأل عليها.

مقترح غير موفق

د.احمد السنهوري

بينما قال الدكتور أحمد السنهوري أخصائي القلب و محاضر بقسم القلب بمستشفي برلين الجامعي بألمانيا للموقع: في رأيي، تدريس العلوم الطبية مثل الطب والصيدلة وطب الأسنان باللغة العربية مقترح أو قرار غير موفق، بل يعتبر جريمة في حق هذه المهن وتدميرا لقدرة الخريجين على المنافسة دوليا.

وأكد أن تدريس العلوم الطبية باللغة العربية لا يضيف شيئًا للخريج، بل يأخذ منه معرفة المصطلحات الإنجليزية وقدرته على التعامل مع العالم الخارجي.. فجميع مقدمي الخدمات الصحية يعرفون المصطلحات الطبية باللغة العربية، ويمكنهم التواصل مع المرضى بلغة مبسطة يستطيعون فهمها. لذا، لا يحتاج الطبيب أو الصيدلي إلى دراسة الطب باللغة العربية لهذا الغرض. ببساطة، هذا القرار لا يحل أي مشكلة، بل سيخلق مشكلات مستقبلية.

ويرى د. السنهوري أن قدرة مقدم الخدمة الطبية المصري على التعامل باللغة الإنجليزية باحترافية، ودراسته للعلوم الطبية باللغة الإنجليزية، من أهم ما يميزه. فالطبيب المصري يمثل ثروة بشرية عظيمة، وإذا زرت أي مستشفى في المملكة المتحدة أو أستراليا، ستجد أكثر من طبيب مصري، وجميعهم متميزون، يعملون في مناصب مرموقة، ويرسلون إلى أسرهم في مصر مبالغ كبيرة من العملة الصعبة، وينطبق الأمر ذاته على الصيادلة في أمريكا وكندا.

وأضاف أن الدراسة باللغة الإنجليزية تسهل التعاون بين الجامعات والباحثين، فجميع الدوريات العلمية والأبحاث تنشر باللغة الإنجليزية، حتى تلك التي تصدر في دول غير ناطقة بالإنجليزية مثل ألمانيا وفرنسا والسويد. وبالتالي، الطالب الذي يدرس باللغة العربية لن يتمكن من فهمها.إضافة إلى ذلك، الأبحاث المكتوبة باللغة العربية لا تجد طريقها إلى العالمية؛ فلا أحد يفهمها، ولن يقوم أحد بترجمتها أو الاستشهاد بها، مما يؤدي إلى ضياع جهد الباحثين.

ومن ناحية أخرى، عدم القدرة على التعلم المستمر تمثل مشكلة كبيرة و إذا لم يتمكن الخريج من متابعة طرق العلاج الجديدة وما توصلت إليه الأبحاث الطبية الحديثة، فسنجد أنفسنا بعد عشرين عاما أمام جيل لا يفقه شيئًا، لأنه ببساطة غير قادر على مواكبة العصر.

وأردف أخصائي القلب أن جميع الإجراءات الطبية، وطرق العمليات، والنشرات الداخلية للأدوية تصدر باللغة الإنجليزية، مما يسهم في تكامل الفريق الطبي.

الإنتاج المعرفي في الطب عالمي

د.جمال عميرة

و يرى الدكتور جمال عميرة، وكيل النقابة العامة للأطباء، أستاذ جراحة الأورام بالمعهد القومى للأورام بجامعة القاهرة، أن تعريب الطب لن يفيد في شيء، نظرا لصعوبة اللغة العربية في المصطلحات والتعاريف الطبية، فضلا عن أننا ننقل العلوم عن الغرب لأن أغلب الإنتاج المعرفي في الطب عالميا باللغة الإنجليزية.

وأضاف أن تعريب الطب يحتاج إلى وقت طويل لكن يمكن تطوير مناهج الطب على أن يظل بمرجعيته الإنجليزية، مع تخصيص فصل باللغة العربية للأطباء لتعليمهم كيفية مطابقة مفاهيم المواطنين البسطاء في الريف أو الحضر، بالمرجعية الإنجليزية.

لغة العلم للمنتصر حضاريا

وقال الدكتور رشوان شعبان أمين عام نقابة الأطباء عن تعريب مناهج الطب إن لغة العلم هي لغة المنتصر حضاريا وحاليا هم الغرب رغم أن أوروبا ظلت 400عام تدرس العلم باللغة العربية عندما كان العرب هم مصدر انتاج العلوم ولكن بعد تطوير الدولة الأوربية والغربية لها أصبحت بالإنجليزية.

وأشار إلى أن سبق طرح الفكرة أيام عقد الستينيات أثناء الوحدة مع سوريا التي تدرس الطب بالعربية.
بينما أوضح الدكتور إيهاب هيكل نقيب أطباء الأسنان أن هذه الخطوة فشلت في سوريا،معربا عن رفض النقابة لهذا المقترح مؤكدا أن التعليم يجب أن يكون بلغة صاحب العلم.

وأضاف أن تعريب مناهج الطب يمنع الخريج من مواكبة أحدث الدراسات والتطورات في مجال الطب بسبب حاجز اللغة.

ولفت إلى ضرورة البدء بتعزيز الإنتاج العلمي والبحثي ليصبح هناك تقدما حقيقيا في علوم الطب يجذب الدول الاخرى .

هواجس العزلة

جامعة الازهر

وبعد توقيع رئيس جامعة الأزهر الدكتور سلامة داود قرارا بتشكيل لجنة من قسم الطب النفسي بطب الأزهر لتعريب الطب النفسي برئاسة محمود عبد الرحمن حمودة أستاذ الطب النفسي بالقسم ورئيس قسم الطب النفسي الأسبق بطب الأزهر، كبداية لتعريب باقي أقسام كلية الطب..أبدى الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، معارضته للقرار، موضحا أن القسم دخل في عزله مع أقرانه في الجامعات الأخرى وداخل كلية الطب في جامعة الأزهر لاتجاه سابق مماثل ، بسبب تدريس المناهج للطلاب الأزهريين بالعربية بينما الجميع خارج الجامعة يتعاملون باللغة الإنجليزية.

وأضاف أنه في حالة تعريب المناهج سيواجه القسم عدة مشاكل في إعداد الأبحاث التي ستتطلب الترجمة عن المصادر التي ستكون جميعها بالإنجليزية وما سيواكب ذلك من صعوبات وأخطاء، ولن تصل هذه الأبحاث المنشورة باللغة العربية إلى العالم .

مزايا وعيوب

في حين ترى د.فاطمة المصري صيدلانية أن المقترح له عيوب و مميزات موضحة أن مميزاته أن سيكون لدراستنا كيان خاص بلغة لوحدها و هذا أسهل لبعض الناس.

وأضافت أنه من عيوبه أنه لو طبيب أو صيدلي سافر خارج البلد العربي سيكون التواصل مع أقرانه ومرضاه صعبا لأن المتعارف عليه أن أسماء الأمراض والأدوية موحدة باللاتيني وعندما نعربها ستشكل صعوبة لو كنا نتعامل مع أطباء أو مرضى غير عرب .

وتابعت : أيضا إجراء البحوث سيكون أصعب لأن المتعارف عليه في الطب و الصيدلة أن البحث يكتب وينشر بالانجليزية والبحث بالعربي لن يكون سهلا ولا متداولا عالميا.

مجرد اقتراح تحت الدراسة

ومن جانبه، صرح الدكتور أحمد زارع، المتحدث باسم جامعة الأزهر، بأن ما تم "مجرد اقتراح"، وليس قرارا وأن الجامعة تجري "دراسة علمية متأنية" في إمكانية تعريب العلوم التطبيقية ومدة قابلية ذلك للتطبيق، مع الأخذ في الاعتبار جميع الأبعاد الأكاديمية والتقنية والتطبيقية لضمان تطبيق أفضل المعايير، وبعد ذلك سيتم رفع القرارات الناتجة عن هذه المناقشات إلى الجهات العليا.

وأكد د. أحمد زارع، في تصريحات تلفزيونية، أن ما تتخذه الجامعة لا يخرج عن "السياسة التعليمية المصرية" وفي إطار الفكر الأزهري الوسطي الذي ينفتح على جميع الثقافات.

وذكر أن الدول المتقدمة في روسيا وفرنسا واليابان وألمانيا كلها تدرس الطب والعلوم التطبيقية بلغتهم الأم، وتقدموا تقدما كبيرا، وكذلك في سوريا، درست الطب بالعربية وتقدمت فيه.

وأضاف "زارع" أن هذه العلوم كانت عربية في الأصل ولابد من استحضار عظمة العرب ولغتهم والعودة للهوية العربية، وإحداث طفرة في إنتاج هذه العلوم باللغة العربية.

 

 

د.هند بدارى

د.هند بدارى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تحقيقات وحوارات

"التغذية الاكلينكية" في رمضان .. المعادلة الصعبة بين الغذاء والدواء

تساؤلات كثيرة تفرض نفسها في شهر رمضان الذي تتبدل فيه مواعيد الحياة اليومية وتختلف أنماط الغذاء خاصة بين المرضى من...

طلاب الفنون يبدعون في معرض "فرحة رمضان" بجامعة العاصمة

في أجواء رمضانية مبهجة انطلقت منصة متكاملة تضم المنتجات الوطنية المتميزة وإبداعات طلاب كلية الفنون التطبيقية بجامعة العاصمة من خلال...

رمضان .. شهر النفحات والفتوحات والانتصارات

طاقة نور تضيء الكون في شهر رمضان الفضيل وتبعث في الصائمين التفاؤل والأمل والقوة لتحدي الأزمات وتحقيق الانتصارات وتلهمنا روج...

في شهر الصيام وزيادة الإنفاق على الطعام.. كيف نضبط ميزانية الأسرة؟

تحت شعار "رمضان كريم" .. تتسابق معظم الأسر المصرية في شراء وتخزين السلع لإعداد وحبات الإفطار والسحور والولائم وموائد الرحمن...


مقالات

كيف تستثمر رمضان من أجل صحة أفضل؟
  • السبت، 07 مارس 2026 01:00 م
أثر النبي
  • السبت، 07 مارس 2026 09:00 ص
فتح القدس وبناء المسجد الأقصى
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:02 م
الصيام وتأثيره العميق على الدماغ
  • الجمعة، 06 مارس 2026 01:00 م
مقياس النيل
  • الجمعة، 06 مارس 2026 09:00 ص