بعد مبادرة بيع اللحوم بالقطعة..كيف نروج ثقافة الاستهلاك الرشيدة؟

الكرم والحفاوة من سمات الأسر المصرية خاصة في الأعياد والمناسبات ومن مظاهر كرم الضيافة إقامة موائد طعام عامرة بما لذ وطاب من أصناف مختلفة وبكميات كبيرة، لكن يبدو أن الأزمة الاقتصادية العالمية التي ألقت ظلالها على أسعار السلع تفرض علينا التحول تدريجيا نحو ثقافة استهلاكية رشيدة و جديدة كثيراً ما سمعنا عنها في المجتمعات الغربية، وهي نظام البيع والشراء بالقطعة أو بكميات قليلة خاصة بعد إعلان تاجر بسوهاج عن مبادرة لبيع اللحوم بالقطعة .

لحوم بالقطعة

ورغم ضرورة سلوكيات ترشيد الاستهلاك ..يثار التساؤل: إلى أى مدى يمكن تطبيقها بمجتمعنا وكيف نخفض استهلاكنا دون حرج أو حرمان ونوازن بين الضروريات والكماليات؟.

طبق فاكهة

وباستطلاع آراء عينة من المواطنين، قالت منى محمود موظفة إنها تفضل شراء طبق فاكهة يحتوي أكثر من نوع فاكهة بدلاً من شراء كمية كبيرة من نوع واحد باستثناء البطيخ والشمام لأنه لازم تشتري بطيخة أو شمامة كاملة لكن ممكن يكون وزنها قليل .ولاترى حرجا في شراء طبق به قطع لحمة طالما معروضا للبيع .

وتشاركها هدى (ربة منزل) الرأي حيث تعودت على الشراء بالقطعة منذ فترة طويلة، لأن أسرتها صغيرة وتحرص على عدم إلقاء بقايا طعام في القمامة، ومن أكثر الأشياء التي تشتريها بالقطعة قطع من الدجاج والبط لأن سعرها غالي جدا ويصعب شراء كيلو منها أكثر من مرة في الشهر .

سمكة كبيرة

أما معتز محمد محامي ، فيفضل شراء سمكة كبيرة في وجبة الغداء إذا كان سيتناولها في العمل وحده أما لو اشترى وجبة سمك لأسرته ضروري تكون 2كيلو على الأقل مع السلطات .

بينما يؤكد عبد المقصود على محاسب أنه يشتري كميات قليلة من الطعام بعد أن كبر أولاده وتزوجوا وأصبح يعيش بمفرده مع زوجته ..فعلى سبيل المثال يشتري نصف كيلو جبنة رومي أو براميلي بعد أن كان يشتري كيلو على الأقل قبل زواج أولاده .

الجملة أفضل

ويؤكد محمد كرم (مهندس) أنه لا يستطيع الشراء بالقطعة لأنه يذهب للتسوق مرة واحدة في الأسبوع بسبب انشغاله طيلة الوقت في العمل، لذلك فهو مضطر للشراء بكميات كبيرة تكفي أسرته طيلة الأسبوع من السلع الأساسية، موضحاً أن ذلك يعرض الكثير من السلع للتلف خصوصاً الخضراوات والفاكهة.

و يعتقد البعض أن الشراء بالقطعة مكلف وأنه من الأفضل الشراء بالجملة مستفيدين من العروض التي تعرضها المحال التجارية من وقت لآخر، وفي رأيهم أن هذا أوفر من شراء القطعة منفردة حيث يرى وليد منصور عامل نظافة أن شراء كرتونة التفاح أفضل وأوفر له من شراء التفاح بالحبة أو بالكيلو.

مبادرة بيع اللحوم بالقطعة ترفع المبيعات

لحوم بالقطعة

وعلى مستوى التجار، قد أطلق محمد قدري، جزار من محافظة سوهاج، مبادرة لبيع اللحوم بالقطعة، موضحا أنه بعد ارتفاع أسعار اللحم تراجعت حركة البيع.

وأضاف، أن كيلو اللحم في سوهاج وصل سعره إلى 300 جنيه، وبسبب الارتفاع قرر إطلاق مبادرة لبيع اللحمة بالقطعة.

وأوضح أن القطعة 60 جراما ثمنها 20 جنيهًا والقطعة 100 جرام سعرها 27 جنيهًا، لافتًا إلى أن هناك إقبالا كبيرا من المواطنين على شراء اللحمة بالقطعة.

وتابع: «مبادرة بيع اللحمة بالقطعة ساهمت بشكل كبير في زيادة الإقبال وزيادة المبيعات داخل المحل، وهناك زبائن كثيرة تدخل لتشتري ثلاث قطع فقط وبدون أي حرج وخاصة بعد إطلاق المبادرة".

بينما يقول الحاج أحمد الهابط (جزار) في القاهرة بدهشة إن الزبون يشعر بالحرج من طلب نصف كيلو ..فكيف يشتري قطعة صغيرة أو قطع لحمة ولا أمانع في البيع "شكك أو بالتقسيط لو ضامن الزبون " وممكن بالقطعة بشرط وزنها بحيث لا تقل القطغ في أي حال من الأحوال عن نصف الكيلو ويضيف أن أغلب الزبائن يأتون لشراء كيلو فأكثر.

في حين لاحظ كريم كمال (خباز في محل حلويات) إن هناك الكثير من الشباب غير المتزوجين يطلبون قطعة جاتوه أو قطعتين، ولكن الأسر والعائلات يشترون كميات أكبر لهم ولأطفالهم، مشيراً إلى أن أسعار الحلويات معقولة مما يشجع الناس على الشراء بالكميات التي يريدونها بحرية.

واتفق معه ابراهيم حسين خضرواتي في إقبال بعض السيدات والرجال على شراء أطباق من الخضروات والفواكه بالعدد من باب التنوع وبسعر اقتصادي وهو لا يمانع لتسويق البضاعة قبل أن تفسد ومراعاة للظروف الاقتصادية للزبائن .

تجربة البيع بالتقسيط

محمود العسقلاني

وعلى صعيد الخبراء ، قال محمود العسقلاني، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، لموقع أخبار مصر إن الجمعية لديها مبادرة لبيع اللحوم بالتقسيط طبقتها منذ حوالي عام ونصف في المنصورة .

وحول تقييم التجربة ، لاحظ أن الإقبال غير كبير وأغلب المتعاملين بالتقسيط من العمال والموظفين محدودي الدخل ولم يتم تكرار أو تعميم التجربة .

وأضاف «العسقلاني» إنه يجب تغيير ثقافة الاستهلاك للمواطن المصري بحيث تتجه إلى الترشيد والتقسيط لمواجهة غلاء الأسعار وجشع التجار.

وأوضح أن المواطن في أوروبا يشتري اللحوم بالقطعة، وهناك تجربة في سوهاج أطلقها محمد قدري أحد الجزارين وهي مميزة وناجحة لأن ظروف الصعيد المعيشية أصعب من القاهرة والأسعار مقاربة وغالية .
‏وتابع محمود العسقلاني أنه ليس عيبا أن تدخل لشراء ‫ربع‬ كيلو لحمة واستدرك قائلا "ربما يكون محرجا أن تدخل لشراء ربع كيلو او كمية بسيطة وهذه الثقافة يجب تغييرها وتغيير ثقافة الاستهلاك للموطن بشكل عام، متابعا ان في جمعية مواطنون ضد الغلاء لدينا لحمة بالتقسيط.

ويرى رئيس جمعية مواطنون ضد الغلاء، أن أصحاب المواشي الكبيرة هم السبب في ارتفاع أسعار اللحوم وزيادة الاقبال على شراء الصكوك من خلال الجمعيات الخيرية لتوفير المال والجهد بدلا من الذبح مشيرا لاشتراك 4 أفراد في عجل بعدما وصل ثمنه 70 ألف جنيه بعد ان كان كل منهم يذبح عجلا وبالتالي انخفضت المبيعات بشكل ملحوظ عن العام الماضي.

وأرجع االخبير الاقتصادي الظاهرة إلى الغلاء في أسعار السلع مما دفع الكثير من الناس لترشيد الاستهلاك والإنفاق على السلع وترتيب الاحتياجات للأهم فالمهم، أو التخلي في بعض الأحيان عن بعض السلع التي تعكس الرفاهية، فضلا عن العادات الشرائية للأفراد .

*ثقافة البيع بالقطعة شائعة في أوروبا

لحوم بالقطعة


وقالت الدكتور سامية خضر أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس : " ثقافة البيع بالقطعة أو بالواحدة شائعة في أوروبا منذ السبعينيات بالقرن العشرين ..فحينما كنت في انجلترا وفرنسا كنت أتعجب من شراء إحدى السيدات موزة واحدة من محل فاكهة لدرجة أنني فكرت أعطيها نقودا لشراء كيلو وهناك من يطلب قطعة واحدة من اللحوم وكان أهل هذه الدول يتعجبون أيضا من حرصي على شراء كيلو أو أكثر ولا يقتصر الأمر على أوروبا فعندما كنت أستاذ زائر في اليابان لاحظت نفس السلوكيات ولكنني للأمانة لم أعتاد عليها ولم أقلدهم سواء أو في بلدهم أو داخل مصر" .

وأكدت أستاذ علم الاجتماع أن ثقافة الترشيد من السلوكيات الحميدة بالخارج ليس من منطلق مواجهة الغلاء فقط وانما بهدف الترشيد وعدم اهدار الموارد أو إلقاء الطعام في القمامة .

ودعت الى نشر هذه الثقافة في مجتمعاتنا الشرقية المعروفة بالكرم خاصة في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية وتوعية الناس بأن الأديان تحث على عدم إهدار الموارد وتحرم إلقاء العيش والطعام في القمامة بينما يوجد من يحتاجون إليه وأيضا من أجل التوفير وحسن ادارة ميزانية المنزل لافتة إلى أن الوعي الثقافي أيضاً له تأثير، فالمثقفون لديهم وعي أكثر ويتجهون للشراء بكميات أقل وذلك لتقليل الفاقد ومنهم من يعرف أهمية الطعام لغير القادرين.


*نشر الثقافة يبدأ من المدرسة والأسرة

وأوضحت خضر أن نشر هذه الثقافة يبدأ من المدرسة والأسرة ويتم تدريجيا من خلال الإعلام وتضمين عادات وسلوكيات الترشيد بشكل غير مباشر من خلال الدراما وترغيب المواطنين فيها انطلاقاً من أن فوائدها كثيرة .. فهي تقلل الفاقد وتعطي فرصة للأسر لترتيب أولوياتها بعيداً عن التفكير فقط في الطعام بحيث تنتقل للأجيال تدريجيا في إطار سياسة الدولة .

Katen Doe

د.هند بدارى

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

معارض اهلا بالعيد

المزيد من تحقيقات وحوارات

"أخبار مصر" يحاور لاعبة تايكوندو تتألق ببطولة الجمهورية للمدارس

براعم رياضية واعدة في رعاية الجامعات.. تحرز بطولات محلية وتنطلق للمسابقات الدولية .. فبعد منافسات قوية ومشاركة واسعة من مختلف...

بعد العاصفة الترابية والصقيع .. هل شتاء هذا العام الأطول والأكثر برودة ؟

بعد موجة الصقيع و العاصفة الترابية التي شهدتها بعض المحافظات مؤخرا (يومي الاثنين والثلاثاء 12و13يناير 2026)..ما أدى لإعاقة الرؤية على...

بعد اعتقال رئيسها.. مصير فنزويلا إلى أين؟

اعتقال الولايات المتحدة رئيس فنزويلا وزوجته بالقوة وتقديمه للمحاكمة.. أثار دهشة وانتقادات العالم وطرح كثيرا من التساؤلات عن تداعيات هذه...

امتحانات نصف العام وسط أجواء الأعياد .. معادلة صعبة

وسط أجواء الاحتفال برأس السنة وأعياد الكريسماس .. تسود كثير من البيوت حالة من التوتر والقلق بسبب اختبارات "الميدتيرم' ببعض...


مقالات

الغش بين ضعف الضمير وضعف الواقع
  • الجمعة، 23 يناير 2026 11:00 ص
دافوس 2026 ....قوة بلا ضوء
  • الثلاثاء، 20 يناير 2026 11:00 ص
السيارة الحمراء
  • الإثنين، 19 يناير 2026 12:37 م