حين دوت صيحات "الله أكبر" في سماء أكتوبر 1973، لم تكن الجبهة فقط على الضفة الشرقية من القناة، بل كانت في كل بيت مصري.. وراء كل طلقة، كانت امرأة تدعو، ووراء كل جندي، أم تمده بالقوة من بعيد.. لم يحملن السلاح، لكنهن قدمن دروسا في الوطنية بصبرهن، وعملهن، وفنهن، حتى صار حضورهن من أهم أسرار النصر.
وشاركت المرأة المصرية في حرب أكتوبر 1973 من خلال مقار التنظيم النسائى والجمعيات النسائية الاهلية في خدمة أسر الشهداء والجرحى وفي بث الحملات الإعلامية للتطوع في التمريض والتبرع بالدم وفي تدعيم الجبهة الداخلية.
بطلات في الظل
قبل الحرب بسنوات، بدأت المرأة المصرية معركة التحمل والبناء بعد نكسة 67.. وفي لحظة العبور، صعد دورها إلى ذروته.
وقفت عظيمات مصر خلف جيش مصر الباسل؛ تبث الحماس من خلال الجمعيات الأهلية التى تقودها نماذج نسائية مصرية تذهب إلى أهالى الجنود وتقدم لهم الإعانة ويحثهم على رفع روح المعنوية لديهم.
وتكونت (لجنة صديقات القلم) لترجمة كل ما يكتب عن القضية المصرية وإرساله لمختلف الإتحادات والمنظمات النسائية في العالم لإعلام المرأة في العالم بحقيقة ما يدور في الشرق الأوسط .
كما لعبت المرأة دورًا مهمًا في مجال التمريض والرعاية الصحية، إذ تطوعت العديد من المصريات للانضمام إلى فرق التمريض والإسعاف لتقديم الرعاية الصحية للجرحى والمصابين في ساحات المعركة، وبالإضافة إلى الرعاية العاجلة، قامت الممرضات بتقديم الدعم النفسي للمرضى وعائلاتهم، مما ساهم في تعزيز الأمل والمرونة النفسية والحالة المعنوية.
* الممرضة "عايدة عبد الحميد" التي عملت في أحد المستشفيات الميدانية قرب قناة السويس، كانت تعالج المصابين تحت القصف، وظلت ثلاثة أيام دون نوم لإنقاذ أكبر عدد ممكن من الجرحى.
* الدكتورة سامية فهمي، أستاذة الطب العسكري آنذاك، ساهمت في تدريب فرق التمريض الميداني، وشاركت في الإشراف على وحدات الإسعاف الميدانية أثناء القتال.
* الفنانة نادية لطفي تخلت عن أدوارها السينمائية وقت الحرب، وسافرت بنفسها إلى الجبهة لتوزيع المؤن والدم على الجنود، وصوّرت لقطات نادرة للتوثيق.
* الفنانة ماجدة كانت تجمع التبرعات وتزور المصابين في المستشفيات العسكرية.
وفي الريف، كانت المرأة الفلاحة تزرع وتحصد وحدها، لتستمر عجلة الحياة والاقتصاد في الدوران رغم غياب الرجال في الجبهة.
كل امرأة في تلك الأيام، كانت مقاتلة بصبرها — في بيتها أو عملها أو المستشفى.
العمل التطوعي
أثناء حرب أكتوبر كانت للمرأة المصرية دورا كبيرا فى العمل التطوعى ،فأنها أصبحت على أعلي مستوي في الجبهة الداخلية فأثناء الحرب عملت بالمستشفيات من خلال الهلال الأحمر ووقفت بجانب الجنود المصابين والمعاقين تساندهم وتضمد جراحهم.
بالاضافة إلي أن المرأة وضعت نفسها في موقع القيادة في هذا الوقت من زوجات المسئولين أو الوزراء والضباط، حيث قمن بجمع التبرعات وشراء ملابس وبطاطين وكافة احتياجات الأسرة وتوزيعها علي الأسر التي فقدت العائل بالاستشهاد في الحرب أو الإصابة، بالإضافة إلى أن العاملات تبرعن بجزء من أجرهن الشهرى للمجهود الحربي، وأصبحت طاقات وإنتاجية العمل مرتفعة .
المرأة البدوية
كان للمرأة البدوية أثر فعال في حرب أكتوبر فهي التي قامت بتهريب الفدائيين وعلاجهم ومساعدتهم في الوصول الي الأراضي المصرية خلال طرق لم يعرفها العدو رغم أن تلك المرأة لم تتعلم ولم تدرب ولكن بفطرة الانتماء وحب الوطن دافعت عن أرضها في مواجهة العدو.
وعلي مدار اثني عشرعاماً من الاحتلال لم يستطع العدو الاسرائيلي التغلغل داخل كيان أهل سيناء أو تجنيد أحد أبنائها لأن المرأة المصرية زرعت في نفوس أطفالها عن طريقة تربيتها لهم حب الوطن .
نساء مدن القناة
نساء مدن القناة، لم يقل شأنهم في الحرب عن الجندي في المعركة الذي كان سلاحه لا يفارق يده، ولكن اختلفت أسلحة النساء في المقاومة ضد الاحتلال عن الرجال فكانت أسلحتهم “الحلل والهون والحجارة والجاز والمياه الساخنة والزيت المغلي وحتى الملوتوف من أعلى المنازل".
بطولات خلف الجبهة
شاركت نساء سيناء ومدن القناة في نقل الأسلحة والمعلومات لرجال المقاومة، و على سبيل المثال :
* فرحانة سلامة
واحدة من أشهر المجاهدات في سيناء، لقبت بـ شيخة المجاهدين في سيناء، لدورها ضد الاحتلال الإسرائيلي خلال فترة ما بعد نكسة 1967 واحتلال سيناء وحتى تحريرها، لذلك منحها الرئيس الراحل أنور السادات وسام الشجاعة من الدرجة الأولى ونوط الجمهورية.
نجحت "فرحانة" في نقل معلومات حول العدو الإسرائيلي، مثل نيته بناء مطار في قرية الجورة بالشيخ زويد، ونقلت صورًا ووثائق معسكرات بمنطقة ياميت وخريطة مطار الجورة.
وكان تفجير قطار للعدو في مدينة العريش المصرية يحمل معدات وبضائع لجيش الاحتلال بجانب بعض الجنود والأسلحة، أول عملية لـ"فرحانة"، إذ زرعت القنبلة قبل قدوم القطار لينفجر بالكامل، وأعقب ذلك عمليات أخرى طالت سيارات للجنود بصحراء سيناء.
* سيدة فهمية
لم تكن فرحانة سلامة وحدها بل المصرية سيدة فهمية كانت إحدى المحاربات الواقفات على الجبهة، إذ تعد أبرز السيدات السيناويات، وكانت أول امرأة يتم تجنيدها من المخابرات الحربية، لرصد المواقع الإسرائيلية على الضفة الغربية وخط بارليف، ومعرفة نوع السلاح وعدد القوات، لتخلد كرمز حتى يومنا هذا، وتصبح واحدة من السيدات الاتي صنعن تاريخ أوطانهن، ويكنّ جزءًا لا يتجزأ من ملحمة النضال المصري وتجسيد للروح الوطنية التي لا تنكسر.
أم الشهيد.. رمز الصبر والفخر
“ابني راح عشان مصر تعيش.”كانت الجملة تتكرر على ألسنة أمهات الشهداء كأنها نشيد وطني جديد.منهن أم البطل محمد عبد المنعم رياض، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الذي استشهد على الجبهة قبل الحرب بست سنوات، لكنها ظلت رمزًا للتضحية والفخر لكل أم مصرية.وكذلك أم الشهيد عبد العاطي — أحد أبرز أبطال تدمير الدبابات — التي استقبلت خبر استشهاده بالزغاريد، قائلة: “أنا أم بطل، ودي مش عزاء، دي فرحة.”كان صبر الأمهات في حد ذاته رسالة دعم للمقاتلين في الميدان، ودافعًا لعدم التراجع مهما اشتد القتال.
ما بعد النصر – جيل البنات الجديد
بعد أكتوبر، تبدل مفهوم البطولة عند المرأة المصرية.أصبحت ترى في التعليم والعمل والقيادة امتدادًا لبطولتها في الحرب.تزايد عدد الطالبات في الجامعات، ودخلت نساء مجالات جديدة في الإعلام والسياسة والجيش.الجيل الجديد تربى على أغاني أكتوبر وشاهد أمهات الأبطال في البرامج الوثائقية، فصار الوعي الوطني جزءًا من الهوية النسائية المصرية.
الأغنية الوطنية.. المعركة بصوت آخر
لم تكن الأغاني في حرب أكتوبر مجرد موسيقى، بل كانت سلاحًا نفسيًا ومعنويًا.
منذ فجر الحرب، انطلقت الأغاني عبر الإذاعة والتلفزيون لتغرس الحماس والأمل في قلوب الناس والجنود.
غنت شريفة فاضل اغنيتها الشهيرة الى ادمت القلوب والعيون "ام البطل" بعد سماع استشهاد ابنها الطيار اثناء الحرب وكأنه ابن الوطن وابن كل ام
شادية غنت “يا حبيبتي يا مصر” قبل الحرب لكنها أصبحت شعار النصر بعد العبور، ثم غنّت “أم البطل” بعد الحرب تكريمًا لكل أم مصرية قدمت شهيدًا.
وردة الجزائرية أطلقت “صباح الخير يا سينا” و”سينا رجعت بالكامل لينا” عقب النصر، لتتحول كلماتها إلى لحن فرح جماعي.
نجاة الصغيرة بصوتها الهادئ غنت “على باب مصر” التي رافقت لحظات التأمل بعد الحرب.
عفاف راضي قدمت “على الضفة التانية” لتوثق لحظة عبور الجنود في صورة موسيقية بطولية.
سعاد حسني غنت “دول مين للفلاحين والجنود ” بعد الحرب كرمز لبداية حياة جديدة بعد زمن الحرب.
الملحنون أيضا خاضوا معركة فنية:
بليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل ومحمد عبد الوهاب قدّموا ألحانًا حملت روح أكتوبر، جمعت بين الإيقاع العسكري والنغمة الحماسية.أما فرق الموسيقى العسكرية فكانت تعزف في الجبهات والمستشفيات، ترفع المعنويات وتبث رسالة: النصر قريب.
كانت الأغنية وقتها مثل رسالة من الشعب إلى الجندي: “إحنا وراك، مش لوحدك.”
صوت النصر عبر الإذاعة والموسيقى العسكرية
في لحظة العبور، لم تكن المدافع وحدها هي التي تصدح، بل كان هناك صوت آخر يملأ الأفق — صوت الإذاعة المصرية.
وفور إعلان خبر العبور يوم السادس من أكتوبر، تحولت الإذاعة إلى جبهة موازية تبث الحماس والأمل في كل بيت.
كانت إذاعة صوت العرب والبرنامج العام تبث بيانات المعركة أولًا بأول، يتخللها الأناشيد الوطنية التي أُعيد تسجيلها في نفس اليوم داخل الاستوديوهات.تولت المذيعات آمال فهمي وصفية المهندس ونادية صالح تقديم فترات البث، بأصوات واثقة ودافئة، كانت تبعث الطمأنينة في قلوب الملايين.
كلمات بسيطة مثل: "هنا القاهرة.. قواتنا المسلحة تواصل عبور قناة السويس بنجاح" كانت كفيلة بإشعال دموع الفرح في كل بيت مصري.
أما الفرقة الموسيقية العسكرية، فكان لها حضور لا يقل أهمية؛ ففي المستشفيات الميدانية والمواقع الخلفية، كانت تعزف المارشات الوطنية لتحفيز المقاتلين ورفع الروح المعنوية.
مقطوعات مثل "الوداع" و*"تحية العلم"* و*"على خط النار"* أصبحت رموزًا صوتية تُرافق لحظات الصمود والانتصار.
في الشوارع، كانت مكبرات الصوت تنقل الأغاني الجديدة لحظة بلحظة، ومع كل لحن وطني جديد كانت الجماهير تخرج تلقائيًا إلى الشرفات والميادين تهتف لمصر.
الموسيقى وقتها لم تكن ترفيهًا، بل كانت سلاحًا نفسيًا من نوع آخر — تزرع الأمل، وتوحد القلوب، وتذكّر الجميع أن النصر ليس بعيدًا.
في كل صورة من صور النصر، هناك ظل لامرأة.. قد تكون ممرضة في عنبر الجرحى، أو أما تنتظر ابنها على مقعد أمام الراديو، أو فنانة تمسك بالميكروفون لتغني لمصر.. هن بطلات لم يحملن السلاح، لكنهن حملن الوطن كله في قلوبهن.
وإن كان الجنود عبروا القناة بالسلاح، فهؤلاء النساء عبرن الألم بالإيمان، فصنعن نصرا من نوع آخر — نصر الروح.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
وسط تزايد التحديات الأمنية والسياسية والتنموية بالقارة السمراء.. وفي محطة دبلوماسية مهمة تعكس الثقة المتزايدة في دور مصر المحوري فيها،...
عيون مصر التي لا تنام.. حراس الوطن عبر التاريخ.. يواصلون العمل جنودا أوفياء يحملون الأمانة ويدافعون عن أمن واستقرار الدولة...
في إطار دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع الشراكات الدولية، بما يسهم في بناء اقتصاد قائم على...
من أجل استعراض رؤيتها الاستراتيجية تجاه القضايا العالمية الراهنة، وجهودها في تعزيز مسارات التنمية المستدامة والتحول الأخضر.. وتأكيداً على دورها...