المتحف المصري الكبير صندوق الرسائل المكنونة من برديات الخلود إلى أضواء الدهشة

قراءة في رسائل مصر القديمة والحديثة.. كما باحت بها أروقة المتحف الكبير .. ففي مساء السبت الأول من نوفمبر الجاري، وعلى بعد ألفي متر من عتبات الأهرام ، تقاطعت أنفاس الماضي مع همسات الريح القادمة من هضبة الأهرام، افتتح المتحف المصري الكبير في حفل مهيب، حضره قرابة تسعة وسبعين وفدا رسميا بدعوة كريمة من فخامة السيد الرئيس. ففتحت مصر بابا للذاكرة لتطل منه على العالم، وتبوح له بما حملته من تاريخ عريق، وما ستظل تحمله للأجيال القادمة من أسرار وعجائب.

إعداد: الإدارة المركزية للانباء والتحليل السياسي بقطاع الاخبار

المتحف المصري الكبير ليس مجرد عرض للتاريخ، بل هو عودة للتاريخ كي يتكلم من جديد، ليقول للعالم من نحن، وما إرثنا الذي تركناه للحضارة ــ وما زلنا نتركه ــ في قلب الزمن من أثر ونور.

ليس المتحف المصري مجرد مبنى من حجر وزجاج، وإن كان على مساحة تقارب نصف مليون متر مربع ، بل هو صندوق عظيم من رسائل مستترة ، لم يفتتح ليعرض ما كان، بل لترسل مصر من خلاله ما سيكون، وما يجب أن يكون. فكل جدار فيه يحمل رسالة حكيمة، وكل حجر نقل إليه يروي سطرا من روايتها الأبدية .

رسائل مصر للعالم

وما بين نقوشه وبردياته وتماثيله، بين حجارة تبدو صماء إلا أنها تروي قصة حضارة لا تشيخ، تبعث مصر من خلاله رسائلها إلى العالم من جديد: رسائل عن الإيمان والتوحيد، عن الدهشة والعظمة، وعن حضارة موثقة لا تشبه سواها، بل يحرص الكثير على أن ينال ولو خيط نور من ضيائها .

وكأن الزمن أبى إلا أن يلقى بعصاه ليستريح هنا، في حضرة التاريخ المصري العريق.

لقد تحدث الكثيرون عن المتحف المصري الكبير، مراحل تشييده التي استغرقت عشرين عاما، والتحديات والتعثرات التي واجهها سواء أزمات سياسية أو إقتصادية أو وبائية، عن عظمته والشهادات التي نالها ــ حتى قبل افتتاحه ــ في مجالات الجودة وإدارة الطاقة كمتحف أخضر، يضم ( 12 ) صالة عرض ، محتوياته التي تقرب من مائة ألف قطعة أثرية تلك التي تذهل العقول قبل أن تبهرالعيون، عن الدرج الأعظم الذى يروي تاريخ ومراحل حضارة وينتهي بإطلالة الأهرام .

إلا أننا آثرنا أن نتعمق بعين ثاقبة إلى جوهرالمعنى ، لنكشف عن الرسائل المعلنة والمخبأة التي أرسلتها مصر إلى العالم من خلال هذا الصرح العملاق، رسائل تنبض بروح حضارة خالدة، وتروي للعالم قصة أمة لا تقف لدى تاريخها وكفى، بل تواصل صناعة المجد، وتزرع الإلهام في قلوب أبنائها.

رسائل معلنة من صدى الحَضارة المصرية الشامخة

حين أرادت مصر أن تتحدث عن نفسها من جديد، خطت الرسالة المعلنة للمتحف المصري الكبير فتجلت في كل حجر، في كل بردية، في كل مسلة، وفي كل منحوتة تنطق بأن مصر إرثها حي ، لها حضارة خالدة، ، تروي للعالم سر عظمتها.

فالمتحف هو صوت مصر إلى البشرية جمعاء، يهمس عن الفراعنة بناة الأهرام، وعن الملوك الذين نقشوا أسماءهم على حجارة النصر.

إنها رسالة فخر،وتعليم،وتوثيق، وتواصل، تقول لكل من لديه سمع وبصر: "هذه حضارتنا، وهذه إرادتنا، وهذه أصالتنا .. ونحن نشارككم ضوءها،لنستلهم جميعا عبرة واحدة: أن الإنسان قادر على أن يترك أثرا خالدا في قلب الزمن .

سحر الحكاية .. حينَ تحولت الدعوة الى رسالة

بدأت الرسائل بالدعوات التي وجهت لقادة العالم لحضور افتتاح المتحف، لم تكن نمطية على الإطلاق، فقد جاءت كأنها قطعة من فلسفة المتحف ذاته ،كانت تجربة فكرية تهيئ المدعوَّ للعبور بين زمنين ، زمن يحفظ الذاكرة، وزمن يصوغ المستقبل.

في تصميمها كما في فكرتها، تجلت رسالة خفية تقول إن الحدث ليس افتتاح مبنى أثري، وأنها لم تكتب بحبر، بل بفكروجمال، احتوت على مجسمات فرعونية أنيقة،فكانت رسالة بصرية تعلن أن مصر تفتح فصلا جديدا من حوارها مع العالم، تقدم فيه ماضيها بلغة معاصرة، وتؤكد أن الحضارة التي أبدعت الأهرام ما زالت قادرة على الإبداع بلغة العصر .

الرسائل الخفية .. همس يسمع .. ونور لا يرى إلا بالقلب
أما الرسائل الخفية .. فهي رسائل بعثت بها مصر للعالم بلغة لا تقال، لكنها تتسلل إلى الروح، وتهمس في أذن الزمن، تنطق من صمت الحجر وسكون النقوش، ومن ضوء كل بردية، لترى بوضوح لكل من أراد أن يدرك ويعقل .

رسالة التجديد والهوية

من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة في العرض المتحفي،والإضاءة،والتصميم، بعث المتحف برسالة خفية عن هوية مصر المعاصرة، فهي دولة تعرف ماضيها جيدا، لكنها لا تعيش أسيرته، فالمزج بين الطابع الفرعوني العريق والتقنيات الرقمية الحديثة والرؤية المعمارية تستلهم روح المكان دون أن تنفصل عن حداثته، فذلك يجسد رمزا لإرادة التحديث دون التفريط في الجذور. فهي رسالة صامتة إلى كل من ظن أن زمن عظمة مصر قد انقضى أو توقف منذ زمن .

القوة الناعمة .. ومدى التأثير

لم يكن المتحف عرضا أثريا فحسب، بل مسرحا للقوة الناعمة المصرية.

فمن خلال الحفل المهيب، والموسيقى التي جمعت بين الأصوات الفرعونية والنغمات الحديثة، والعازفين من مختلف الدول، والأضواء المبهرة، قدمت مصر للعالم عرضا ثقافيا وفنيا متكاملا يقول بصوت واضح : " نحن نخاطب العالم بلغة الفن والجمال،بلغة الحضارة والثقافة، خاطبناه بلغة السياسة قبل أسابيع قليلة، حين استضافت مصر قمة السلام في شرم الشيخ ، وجذبت أنظار محبي السلام ورافضي التجويع، إلا أنها تعرف أيضا كيف تجذب أنظارهم سريعا بمجد حضاري" ، فالريادة ليست ضجيجا، بل تأثيرا يمتد بالدهشة ويغلف بالاحترام.

سيمفونية الهوية المصرية.. أوتار من نغم وضوء

في مساء بدا مهيبا ، روى الفن المصري قصة وطن بأوتار وأصوات .. فعلى خشبة العرض، صدحت أصوات المغنين الأوبراويين المصريين بنبرات شامخة مصحوبة بعزف أوركسترالي يأخذ السامع من الحاضر إلى عمق التاريخ ،فامتزجت الأصالة بالعالمية، بينما تولت أنامل العازفين رسم ملامح الحضارة على مقامات موسيقية صاغها مؤلف مصري استلهم من النيل إيقاعه، ومن الحجر الفرعوني هيبته. فعلا صوت مصر حين تغني مجدها في لحن خالد.

نغمة الخلود ..حينَ تتعانق الترانيم والابتهالات
في لحظة بدت خارج حدود الزمن ، تداخلت الترانيم المصرية القديمة مع الأداء الصوفي المعاصر، كأنهما التقيا في فضاء واحد، يسبحا للحق بلغة لا تعرف الفرقة .
امتد صوت المرنمين مع المنشدين ،كأنه صدى بعيد لأولئك الكهنة الذين كانوا يتلون أناشيدهم في معابد طيبة،كانت تلك التوليفة الروحانية النادرة تبعث برسالة عميقة تذكر بأن الإيمان في جوهره واحد، وإن اختلفت الطقوس والأسماء.

فمصر التي عرفت طريق السماء منذ فجر التاريخ، تعيد اليوم ترديد نغمتها الأبدية، أنَّ الروحَ الإنسانيةَ واحدة، وأنَّ السلام ظلها الممتد من المعابد إلى أعمدة الكنائس ، إلى قباب المساجد ، من ترانيم الكهنة إلى ابتهالات المتصوفين.

كل هذا تناغم في حضرة تمثال إخناتون ( أمنحتب الرابع )، بملامحه الساكنة ونظرته المتأملة، كأنه يستمع إلى تلك الأصوات المتعانقة عبر الزمن ، فها هو حارس النور القديم، الذي أنشد للواحد الأحد، يعود ليشهد أن النور الإيماني لا ينطفئ بإرض مصر ، تلك التي ما زالت تغني للحقيقة بلسان التوحيد.

المسلات المهاجرة في أشهر ميادين العَالم

في رمزية أكثر صمتا، جاءت الإشارة إلى المسلات المصرية التي تزين عواصم العالم، والتي تقدر بـ ( 29 ) مسلة ، من باريس إلى روما،ومن لندن إلى نيويورك ، كأن مصر أرادت أن تقول : " آثارنا في العالم ليست فقدانا، وليست تهاونَا ، بل حضورا دائما .. وأنني حاضرة في ذاكرة المدن الكبرى من خلال أعمدة تنطق باسمي " .
إنها رسالة استعادة التوازن ، فبينما تنتشر رموز مصر بمتاحف وميادين شهيرة حول العالم، فإن منبعها هنا بمصر ، ومركزها الآن في الجيزة صار بمثابة القلب الذي تعود إليه كل تلك الرموز كشرايين للحياة ، ولقد آن الأوان أن تعودالطيور المهاجرة إلى عشها الأبدي.
جسور الحَضارة و الحَداثَة.

يؤكد المتحف للعالم أن الحضارة المصرية لم تكن فصلا من الماضي، بل نهرا جاريَا لا يجف ، ففي مدخله يستقبلك تمثال رمسيس الثاني ،ابن الأسرة التاسعة عشر ، شامخا كأنه حارس الزمن يصل عظمة الأجداد بإرادة الأحفاد، ذاك الذى قاد معركة قادش ضد الحيثيين وأنهاها بأول معاهدة سلام موثقة بالتاريخ .
فتأتيك سريعا لقطات ساحرة للعاصمة الإدارية الجديدة، لتبرز مشهدا حيا لإصرار مصر على البناء والتجديد، مشهدا يعكس كيف تلتقي عراقة الحضارة مع طموح الحاضر والغد، وكيف تبقى روح الإبداع المصرية متواصلة، حتى وإن كانت على ارتفاعات شاهقة تمتد من أهرامات الجيزة إلى ناطحات السحاب بالعاصمة الإدارية.

القطعة الأخيرة

في لحظة رمزية مفعمة بالدلالات، وضعت القطعة الأخيرة تحت سمع وبصر العالم بيد الرئيس، ليكتمل المشهد الذي يجسد المعنى الأعمق للامتداد والخلود المصري، في رسالة تقول إن مصر هي من بدأت الحكاية، وهي التي تحسن إكمالها .

فكما نَحتَ الحرفي المصري القديم الحجر ليحفظ ذاكرة التاريخ، يبدع المصري اليوم بلغة جديدة، في رسالة تؤكد أن مصر هي من تخط السطر الأخير من حكاية الحضارة، ولكن هذه المرة بأدوات الحاضر ونبض العصر.
في تلك اللحظة النادرة، حين استقرَّت القطعة الأخيرة مكانها، لم يكن الأمر مجرد استكمال لأثر أو ختام لمشهد معماري ، بل رسالة " أن الفن لا يشيخ، والحضارة لا تنام، وما بدأه الأجداد يستكمله الأحفاد " .

وفى الخَواتيم .. الرسائل لا تنقطع وحبرها لا يجف

ومن بين طيات تلك الرسائل، لا يقف المتحف المصري الكبير بوصفه بناء أثريا ضخما فحسب ،كأكبر متحف في العالم يكرس لحضارة واحدة ، بل هو نصا مفتوحا يقرؤه كل زائر بطريقته ــ وما أكثرهم ــ فالمتوقع أن يزيد عدد زائريه عن (15) مليون سنويَا ، فهو بيانـا حضاريا تبعث مصر من بين جدرانه الزجاجية وتماثيله رسائلها إلى العالم ، وليس أدل على ذلك من الملوك و الرؤساء الذين مددوا إقامتهم بالقاهرة من أجله .

فالمتحف ليس مجمعا للآثار وكفى، بل رواية حضارة لا تنطفئ، وعراقة تتجدد في كل عصر،فهو إعلان بأن من هنا خرجت يوما الرسائل الأولى إلى البشرية ، لتخبر العالم كيف يمكن للأمم أن تصون تراثها بيد ، وتبني وتجدد باليد الأخرى ، ومن بين الواجهات الزجاجية وأحجاره العتيقة المهيبة، تقول مصر للعالم :
"ما زلنا هنا، نحرس ماضينا ونصنع غدنا ، نكتب التاريخ مرة أخرى بلغتنا الجديدة " .
دمت يا مصر عظيمة .. حرة .. مبهرة.

Katen Doe

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

المتحف
المتحف المصري الكبير

المزيد من تقارير منوعة

المنتدى السعودي للإعلام 2026.. منصة مهنية كبرى ترسم مستقبل صناعة الإعلام

تحت شعار “الإعلام في عالم يتشكل”.. وبمشاركة أكثر من 300 قائد وخبير إعلامي من أكثر من 20 دولة بينهم مصر.....

"السياحة والآثار" في أسبوع.. تنشيط السياحة الوافدة وافتتاح متحف "توت عنخ آمون"

تنشيط الحركة السياحية الوافدة لمصر والترويج للمقصد المصري، وافتتاح متحف مستنسخات كنوز الملك توت عنخ آمون، كانت من أهم أنشطة...

"فقاعة الذكاء الاصطناعي".. السيناريوهات المحتملة للتوسع التكنولوجي

طفرة غير مسبوقة يشهدها العالم في تطوير وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات، مما أدى إلى ارتفاع التوقعات بحدوث...

المتحف الكبير محايد كربونيا وويل سميث في الأهرامات.. أهم حصاد "الآثار" بأسبوع

اعلان المتحف المصري الكبير منشأة محايدة كربونيا وزيارة ويل سميث الأهرامات خلال إجازته في مصر.. كانت أهم حصاد وزارة السياحة...