بعد قمة ألاسكا واجتماعات واشنطن.. السلام في أوكرانيا لا يزال بعيد المنال

من أجل إنهاء حرب طاحنة مستمرة في عامها الرابع بين روسيا وأوكرانيا.. شهد الملف الأوكراني زخما دبلوماسيا استثنائيا بعد قمة ألاسكا وبعدها اجتماعات واشنطن.. فالأوروبيون حققوا بعض المكاسب.. لكن اتفاق سلام شامل لا يزال بعيد المنال ورهينة لتفاعل حسابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين.

تحركات دبلوماسية وجولات مكثفة للمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف.. ومكالمات هاتفية طويلة بين مسؤولين أمريكيين وروس.. توجت بعقد قمة في ألاسكا بين الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين، في مسعى حثيث من واشنطن لإنهاء الحرب في أوكرانيا.. ولكن.. طرحت قمة ألاسكا، أسئلة أكثر مما قدمته من إجابات بشأن حرب أوكرانيا.

وبعد خيبة الأمل من قمة ألاسكا .. جاءت اجتماعات واشنطن "القمة الأمريكية الأوروبية" لتحيي أمل الأوكرانيين في عملية السلام التي تتوسط فيها الولايات المتحدة وإمكانية انتهاء الحرب دون خسائر كبيرة مذلة لطالما تخوفوا منها..

قمة واشنطن حاولت وضع نقاط على بعض حروف الأزمة الأوكرانية.. وعلى عكس التوقعات جاءت اجتماعات واشنطن -والتي التقى خلالها زيلينسكي بترامب- ثم انضم إليهما قادة أوروبيون وأمين عام حلف الناتو مارك روته ، في أجواء ونتائج إيجابية دفعت الرئيس الأوكراني إلى القول إنها "الأفضل على الإطلاق".

فرص السلام تتراجع

ترامب: بوتين وزيلينسكي ك"الزيت والماء"

في ظل تعثر جهود وساطة بلاده بشأن عقد قمة سلام بين روسيا وأوكرانيا،أوضح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمعة أن الزعيمين "لا يتفقان كثيرا لأسباب جلية"، لتتضاءل الآمال في عقد قمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وكان ترامب أعلن مطلع الأسبوع أن بوتين وزيلينسكي، اللذين التقى كلا منهما على حدة في الآونة الأخيرة، موافقين على مقترح عقد قمة بينهما،
لكنه عاد وشبههما الجمعة بـ"الزيت والماء"، مؤكدا أن جمعهما في لقاء مشترك بالغ الصعوبة.

كما أعلن أنه سيتخذ قرارا "مهما" خلال أسبوعين قد يشمل فرض عقوبات على موسكو.

الضمانات الأمنية

تتصدر مسألة الضمانات الأمنية المحتملة لكييف الجهود الدبلوماسية التي تقودها واشنطن للتوسط في التوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب.

من جانبه، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف إن "لا خطة لعقد لقاء" بين الرئيسين، فيما زار الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته كييف لمناقشة ملفات أبرزها الضمانات الأمنية المحتملة لأوكرانيا.

وقال روته إن هناك حاجة إلى ضمانات أمنية لضمان "التزام روسيا بأي اتفاق وعدم محاولتها بعد الآن الاستيلاء على كيلومتر مربع واحد من أراضي أوكرانيا".

وقال زيلينسكي متحدثا إلى جانب "روته" إن أوكرانيا "ليس لديها اتفاقيات مع الروس"، مشيرا إلى أن بلاده اتفقت فقط مع ترامب بشأن كيفية المضي قدما في المساعي الدبلوماسية.

وكان الرئيس الأوكراني اتهم روسيا الخميس "بمحاولة التنصل من عقد اجتماع"، مضيفا أن موسكو تريد مواصلة الهجوم.

وقال ترامب في وقت سابق إن روسيا وافقت على بعض الضمانات الأمنية الغربية لكييف.

لكن موسكو أبدت في وقت لاحق شكوكها بشأن أي ترتيب من هذا القبيل، وقال لافروف الأربعاء إن مناقشة هذه الترتيبات بدون روسيا "أمر خيالي، وطريق إلى المجهول".

وقال زيلينسكي الذي يريد وجود قوات أجنبية في أوكرانيا لردع الهجمات الروسية في المستقبل، "عندما تثير روسيا قضية الضمانات الأمنية، فأنا بصراحة لا أعرف بعد من يهددها".

وقد أكد الكرملين منذ أمد أنه لن يقبل ذلك أبدا، مشيرا إلى طموحات أوكرانيا في الانضمام إلى الناتو كأحد ذرائع الهجوم عليها.

يشار الى ان موسكو وقعت مذكرة بودابست في عام 1994، وهي تهدف إلى ضمان أمن أوكرانيا وبيلاروسيا وكازاخستان مقابل تخلي الدول الثلاث عن العديد من الأسلحة النووية العائدة إلى الحقبة السوفياتية.

لكن روسيا انتهكت هذه المذكرة أولا عندما ضمت شبه جزيرة القرم في عام 2014، ثم عندما بدأت هجوما واسع النطاق على أوكرانيا في عام 2022 والذي أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الناس وإجبار الملايين على الفرار من ديارهم.

اجتماعات واشنطن..

في 18 أغسطس.. التقى الرئيس الأمريكي بنظيره الأوكراني، قبل عقد الاثنين اجتماعا في البيت الأبيض مع قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا وفنلندا ورئيسةِ المفوضية الأوربية والأمين العام لحلف الناتو، الذين قدموا لتقديم الدعم لكييف.

ووافقت واشنطن على المساهمة في توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا ألح عليها الأوروبيون عقب الاجتماع .

ورغم أن ترامب استبعد نشر قوات أمريكية على الأرض، إلا أن القادة الأوروبيين تنفسوا الصعداء ورحبوا بتطور الموقف الأمريكي.

من جهته صرح الأمين العام لحلف الناتو مارك روته أن المناقشات جارية بشأن توفير ضمانات أمنية لأوكرانيا تماثل تلك المقدمة للدول أعضاء الحلف.

ووصف روته اجتماعات واشنطن بأنها "ناجحة للغاية"، موضحا أنها تناولت الضمانات الأمنية دون التطرق إلى نشر قوات على الأرض.

وأكد روته أن عضوية أوكرانيا في الحلف ليست قيد البحث حاليا، مشيرا إلى أن النقاش يتركز على تقديم ضمانات أمنية لكييف على غرار المادة الخامسة من معاهدة تأسيس الحلف.

وأوضح أن الموقف الرسمي للحلف هو أن هناك مسارا لا رجعة فيه لانضمام أوكرانيا إليه، لكن ما تتم مناقشته الآن هو ضمانات محددة على غرار المادة الخامسة وما قد يترتب عليها من التزامات.

وتكرس المادة الخامسة مبدأ الدفاع الجماعي، إذ يعتبر الهجوم على أي عضو من أعضاء الحلف هجوما على الجميع، ما يعني أن كييف قد تحصل على ضمانة بحجم العضوية نفسها من دون الانضمام رسميا.

الدور الأوروبي

يظل موقف أوروبا من جهود السلام في الحرب الأوكرانية مشوبا بالتحفظ والحذر، وبقلق دائم من أن يتم تهميش مصالح القارة العجوز أو يتم تجاهل موقفها الموحد تجاه أوكرانيا.

الاتحاد الأوروبي ركز على ضرورة أن تكون أي تسوية سلمية شاملة وعادلة مطابقة للقانون الدولي، ما يضمن سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها.

رغم ذلك، دعمت أوروبا كل الجهود الدبلوماسية التي تخفف من حدة التصعيد، لكنها أصرت في الوقت ذاته على إبقاء العقوبات المفروضة على موسكو وربطت رفعها بإحراز خطوات حقيقية نحو السلام، بمعنى انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية.

ويخشى الأوروبيون بشكل خاص من أن تؤدي مقاربات ترامب إلى تقديم تنازلات استراتيجية لروسيا من شأنها زعزعة أمن واستقرار أوروبا الشرقية.

ماكرون: بناء "جيش أوكراني قوي"

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أكد أن موضوع الأراضي لم يُطرح على طاولة البيت الأبيض، مشددا على أن الأولوية للضمانات الأمنية وأن أي نقاش حول الحدود يجب أن يتم ثنائيا بين زيلينسكي وبوتين، ثم في القمة الثلاثية مع ترامب.

وأضاف أن أحد الشروط الجوهرية لأي اتفاق سلام يتمثل في بناء "جيش أوكراني قوي قادر على ردع أي محاولة غزو جديدة"، داعيا إلى تشديد العقوبات على روسيا في حال فشل المسار التفاوضي.

المانيا: نرفض المقترح الروسي بالتنازل عن دونباس

بدوره، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد من ذلك، حين رفض بشكل قاطع أي مقترحات روسية بخصوص التنازل عن دونباس، معتبرا أن الأمر يعادل "التخلي عن فلوريدا" بالنسبة للولايات المتحدة.

أما الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب فشكك في نوايا بوتين قائلا إنه "نادرا ما يكون أهلا للثقة"، محذرا من احتمال أن يحاول استغلال المحادثات لكسب الوقت.

أما رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين فأكدت أن الاتحاد الأوروبي يقف "كحليف وصديق من أجل السلام في أوكرانيا وأوروبا"، مشيرة إلى استمرار العمل على ضمانات أمنية قوية لكييف.

وفي خلفية هذه التطورات، كان زيلينسكي قد وصل إلى واشنطن مؤكدا أن هدفه التوصل إلى "سلام دائم" يحمي بلاده من أي غزو جديد، محذرا في وقت سابق من "مكافأة روسيا على حربها".

أما ترامب فاستبعد بشكل واضح استعادة أوكرانيا لشبه جزيرة القرم أو انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، لكنه شدد على أن زيلينسكي قادر على إنهاء الحرب "على الفور".

قمة الاسكا

كانت اجتماعات واشنطن قد جاءت بعد أيام من قمة ألاسكا التي جمعت ترامب بالرئيس الروسي فلوديمير بوتين، في 15 أغسطس، في ولاية ألاسكا في الولايات المتحدة، لمناقشة سبل إنهاء حرب أوكرانيا.

واتفق الرئيس الأمريكي مع نظيره الروسى على ترتيب قمة ثلاثية يكون الرئيس الأوكراني جزءا منها في مكان يحدد لاحقا، و المرجح عقدها في آخر أغسطس 2025.

وسرعان ما أنهى الزعيمان لقاءهما مبكرا، وخرجا بكلمات موجزة، دون أن يجيبا على أي أسئلة من الصحفيين، قبل أن يغادر بوتين الأراضي الأمريكية، مختتما زيارة هي الأولى له إلى الولايات المتحدة منذ 10 سنوات.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أوضح مطالبه بـ"مبادلة أراضٍ" مع أوكرانيا خلال قمته التي استمرت قرابة ثلاث ساعات مع الرئيس ترامب، بما في ذلك إصراره على تخلي أوكرانيا عن منطقة دونباس شرقي أوكرانيا.

في المقابل، قال بوتين إنه مستعد لتجميد خطوط المواجهة الحالية في بقية أوكرانيا - في منطقتي خيرسون وزاباروجيا - والموافقة على وعد بعدم مهاجمة أوكرانيا أو أي دول أوروبية أخرى مرة أخرى.

لكنه لم يتراجع عن مطلبه بالقضاء على ما تسميه روسيا "الأسباب الجذرية" للحرب في أوكرانيا، وهو ما يعني تقليص حجم جيش كييف، والتخلي عن طموحاتها بالانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتحول إلى دولة محايدة.

 

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

تقرير
روسيا واوكرانيا
قمة باريس
العقوبات على روسيا

المزيد من تقارير عرب وعالم

مصر وتركيا.. ركيزة الأمن بالشرق الأوسط وشراكة استراتيجية واقتصادية شاملة

في زيارة هي الثالثة خلال العامين الأخيرين.. ومن أجل تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات ولا سيما في مجالي التجارة...

"ستارت الجديدة" إلى الهاوية.. والأمن النووي العالمي في مهب الريح

خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.

نقلة نوعية في خدمة ضيوف الرحمن.. استقبال 19.5 مليون حاج ومعتمر خلال 2025

في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...

بين تقديس الرفات و تدنيس القبور ..إسرائيل دولة "أبارتهايد" حتى للموتى

في الوقت الذي حبست فيه إسرائيل أنفاسها احتفاء باستعادة جثة آخر أسير لها في قطاع غزة، سخرت لهذه العملية جيشًا...