من أجل إرساء قواعد نظام مالي جديد يسعى للتوصل لإجماع دولي يؤدي إلى الوفاء بالأهداف العالمية للحد من الفقر ومواجهة تغيرِ المناخ .. وفي وقت يواجه العالم فيه أصعب الظروف منذ عقود .. انطلقت في العاصمة الفرنسية باريس قمة دولية بعنوان "من أجل ميثاق مالي عالمي جديد"، بمشاركة عدد من رؤساء الدول والحكومات وعلى رأسهم الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى جانب مسئولي كبرى المنظمات الدولية وممثلي المؤسسات المالية العالمية وممثلي القطاع الخاص والمجتمع المدني.
تأتي مشاركة الرئيس السيسي في هذا الحدث الهام تلبية لدعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فى ضوء العلاقات الاستراتيجية الوثيقة والمتنامية التي تربط بين مصر وفرنسا، فضلا عن دور مصر الفاعل على مستوى الاقتصادات الناشئة بشكل عام، بما يساهم في تعزيز المبادرات الدولية الهادفة لدعم الدول النامية والأقل نموا، وتيسير نفاذها للسيولة اللازمة لمواجهة التداعيات الاقتصادية للعديد من التحديات العالمية المتلاحقة، خاصة تغير المناخ وجائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية، وما لحقها من أزمات للطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، حيث تسعى القمة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل صياغة الآليات المناسبة لتوفير التمويل اللازم لتحقيق التنمية المستدامة المنشودة في تلك الدول.
تأتي القمة التي تعقد في قصر برونيار بباريس وتستمر لمدة يومين، في إطار عدد من الاستحقاقات الدولية التي تستمر حتى نهاية العام الجاري، ومن بينها قمة مجموعة العشرين تحت رئاسة الهند، والاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين في مراكش وقمة سكرتير عام الأمم المتحدة بنيويورك حول أهداف التنمية المستدامة وكذلك قمة "cop 28" حول المناخ بدبي، وستتيح القمة فرصة لصياغة مبادئ الإصلاحات المستقبلية وتحديد مسار نحو شراكة مالية أكثر توازنا بين الجنوب والشمال، كما تمهد القمة الطريق لعقد اتفاقيات جديدة للحد من مشكلة تفاقم الديون، وتتيح لعدد أكبر من الدول الحصول على التمويل الذي تحتاجه من أجل الاستثمار في التنمية المستدامة، والحفاظ على الطبيعة بشكل أفضل وخفض الانبعاثات الحرارية وحماية السكان من الأزمات البيئية خاصة في المناطق الأكثر عرضة للأزمات.
القمة التي دعا إليها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال قمة المناخ "cop 27" التي عقدت نوفمبر الماضي في مدينة شرم الشيخ، تهدف إلى إرساء قواعد نظام مالي جديد يكون أكثر عدالة وتضامن، لمواجهة التحديات العالمية المشتركة، ومن بينها الحد من الفقر ومواجهة التغيرات المناخية وحماية التنوع البيئي، كما تهدف أيضا إلى تعزيز صمود الدول الأكثر هشاشة في مواجهة الصدمات الاقتصادية وتداعيات التغيرات المناخية.
- جدول أعمال القمة
تجمع القمة 100 من رؤساء الدول والحكومات، ورؤساء بنوك التنمية المتعددة الأطراف، و120منظمة غير حكومية، و70 شريك من القطاع الخاص، و40 منظمة دولية، وتسعى بشكل أساسي إلى إرساء أرضية لنظام مالي جديد، يكون أكثر عدلا وأكثر تضامنا لمواجهة التحديات العالمية المشتركة، وستتناول القمة في جدول أعمالها 5 ملفات رئيسة هي:
1- إصلاح بنوك التنمية متعددة الأطراف.2- حل أزمة الديون في الدول النامية.3- تمويل التكنولوجيات الخضراء والتنمية المستدامة.4- إنشاء ضرائب دولية جديدة وأدوات تمويل مبتكر.5- دعم القطاع الخاص للمشاركة في التنمية في البلدانِ المنخفضة الدخل.
- صدمة مالية عامة
دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ما وصفه بـ"صدمة مالية عامة" وإلى زيادة "التمويل الخاص" من أجل مساعدة البلدان الأضعف في مواجهة التحدي المزدوج المتمثل في الفقر واحترار المناخ.
وقال ماكرون خلال افتتاح قمة "ميثاق مالي عالمي جديد" في باريس إن الدول "لا ينبغي أن توضع أمام خيار محاربة الفقر أو مكافحة تغير المناخ"، مضيفا "علينا أن نحدث صدمة مالية عامة ونحتاج إلى المزيد من التمويل الخاص".
- نظام مالي عالمي غير عادل
من جانبه، أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش أن النظام المالي العالمي الحالي، الذي يدير أصولًا مالية بنحوِ 300 تريليون دولار، غير مناسب وأن الأزمات المتعددة الحالية تفاقم الصدمات التي تعانيها البلدان النامية ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى نظام مالي عالمي غيرِ عادل.
وأضاف جوتيريش خلال كلمته أمام القمة أن الدول النامية لم تملك الموارد الكافية للتعامل مع التطورات الناجمة عن أزمة أوكرانيا.
- السيسي: على الجميع التكاتف لتعزيز النظام متعدد الأطراف
وفي كلمته خلال فاعليات القمة الدولية لميثاق التمويل العالمي الجديد، قال الرئيس عبدالفتاح السيسي إن الواقع الجديد يفرض على الجميع التكاتف لتعزيز النظام متعدد الأطراف ليصبح أكثر استجابة لاحتياجات الدول النامية وأكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، مما يمكننا من مجابهة تحديات تغير المناخ التي لم نكن المتسبب الرئيسي فيها ولكن الأكثر تضررا منها.
وأضاف الرئيس السيسي أنه في مثل هذه الظروف استضافت مصر مؤتمر القمة العالمية للمناخ في شرم الشيخ في نوفمبر الماضي، وكانت تستهدف ترجمة الطموح والتعهدات لواقع ملموس بما يدعم التحول العادل لتحقيق النمو الأخضر وبلوغ أهداف التنمية المستدامة وفقًا للأولويات الوطنية لكل دولة.
قال الرئيس عبد الفتاح السيسي، إن النظام المالي العالمي شهد تطورات كبيرة خلال الـ70 عاما الماضية، وهو ما يحتاج للتحرك من أجل تطويره لمجابهة التحديات، قائلا: "نقدر أن هناك حاجة لتبني منظور شامل يضع تمويل التنمية في قلب أجندة العمل متعدد الأطراف، ويضمن عدالته واستدامته.. إضافة إلى معالجة التحديات ذات الصلة".
وأشار السيسي إلى إطلاق الحكومة المصرية برنامج الإصلاح الاقتصادي في 2016، والذي حقق مع صندوق النقد الدولي كل الأهداف المطلوبة، حيث وصلنا إلى معدل نمو 6%، مضيفا: "كل الأمور كانت مبشرة جدا، لو استمررنا بهذا الشكل فسوف نحقق الهدف الذي عملنا من أجله برنامج الإصلاح".
وأضاف السيسي إن برنامج "نوفي" لاقى زخما دوليا كبيرا لاستهداف تعزيز الشراكات وتوفير التمويل العادل والمستدام لدفع العمل المناخي بالتركيز على قطاعات المياه والغذاء والطاقة في إطار متكامل.
وأشار الرئيس "يتضمن البرنامج منصة وطنية للمشروعات القابلة للاستثمار التي تم إطلاقها بمشاركة مؤسسات التمويل الدولية وشركاء التنمية والقطاع الخاص لدعم البرنامج من خلال التمويل الإنمائي الميسر والمختلط".
وأوضح: "أنه في ضوء ما تقدم تبرز محورية التمويل باعتباره العامل المحوري في تحقيق التنمية المستدامة بما فيها مواجهة تغير المناخ وتحقيق أهداف اتفاقية باريس، فضلا عن معالجة الاختلالات الهيكلية للنظام المالي العالمي التي تحد من قدرته على الاستجابة السريعة والفعالة للأزمات".
- شراكات النمو الأخضر
شارك الرئيس عبد الفتاح السيسى فى فعاليات المائدة المستديرة "طريقة جديدة .. شراكات النمو الأخضر" ضمن فعاليات القمة الدولية "ميثاق التمويل العالمى الجديد ".
ويعتزم الرئيس السيسي التركيز خلال أعمال قمة باريس على مختلف الموضوعات التي تهم الدول النامية، فيما يتعلق بأهمية تعزيز الجهود الدولية لتيسير نفاذها إلى التدفقات المالية المطلوبة في ظل ما تعانيه هذه الدول من تحديات، نتيجة الأزمات العالمية المتصاعدة، بالإضافة إلى تأكيد ضرورة تقديم المساندة الفعالة لها في سعيها لتحقيق أهداف التنمية المستدامة 2030، بما في ذلك التزام الدول المتقدمة بتعهداتها في إطار اتفاقية باريس لتغير المناخ، مع إلقاء الضوء في هذا الصدد على محاور الرئاسة المصرية للقمة العالمية للمناخ بشرم الشيخ "COP27"، وأهم الإنجازات التي تحققت في هذا الخصوص، فضلا عن استعراض التجربة المصرية الوطنية في التعامل مع قضية تغير المناخ والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة.
- نظام مالي عالمي أكثر ديمقراطية وأكثر عدالة
من جانبها، تطالب منظمات المجتمع المدني بأن يتضمن أي ميثاق دولي جديد تغيرات جذرية عميقة تهدف لأن يكون النظام المالي العالمي أكثر ديمقراطية وأكثر عدالة وأكثر استدامة.
وذكرت منظمة "أكشن ايد انترناشيونال" أن خدمة الدين في دول الجنوب بلغت أعلى معدلاتها منذ نهاية التسعينيات، كما أن 93% من الدول الأكثر هشاشة في مواجهة الكوارث المناخية تعاني من تفاقم المديونية وتضطر الدول التي تعاني الأزمات، أن تسدد ديونها للدول الدائنة والمؤسسات المالية والبنوك الخاصة، وبالتالي لا تستطيع الاستثمار في الخدمات العامة أو مواجهة آثار التغيرات المناخية.
وكذلك فإن هناك حالة من انعدام العدالة بالنسبة لحقوق السحب الخاصة التي أنشأها صندوق النقد الدولي للمساهمة في توفير السيولة في النظام الاقتصادي العالمي، حيث يتم توزيعها بين الدول وفقا لوزنها في الاقتصاد العالمي وبالتالي فإن الدول الغنية تستحوذ على معظمها، بينما لم تحصل الدول الأقل دخلا سوى على 5% فقط من حقوق السحب الخاصة الأخيرة.
كما يتعين على الدول الأكثر ثراء أن تفي بالتزاماتها خاصة مبلغ الـ 100 مليار دولار المخصصة لمشروعات المناخ، وإعادة تخصيص الـ100 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة، وتخصيص نسبة 0.7% من الناتج الإجمالي المحلي للمساعدات من أجل التنمية.
- تحديات ملحة
ويرى مراقبون أن ما تتعرض له الكرة الأرضية من تأثر كبير بسبب التغيرات المناخية مما تسبب بكوراث ومصاعب على كثير من دول العالم خاصة منها الدول الفقيرة حيث كان للتغير المناخي نتائج كارثية، فإن هذه التداعيات المقلقة تجعل من تحرك الدول الكبيرة في هذه القمة بشكل ملموس وجاد إزاء هذه الأزمة الحيوية أمرا في غاية الأهمية والدقة، لمعالجة هذه الأخطار والتخوفات التي باتت ظاهرة للعيان بشكل كبير"، مشددين على أن ملف المناخ يحمل الكثير من الأزمات حيث من الممكن أن تؤدي التغيرات المناخية لإحداث مجاعات وأيضا حروب واضطرابات سياسية.
- فرنسا ودور قيادي عالمي
أكد محللون سياسيون أن توقيت التحرك الفرنسي يأتي في سياق تعثر النظام العالمي الجديد، الذي أصبح متبلورا بشكل كبير في شقه الاقتصادي، وتفرض عليه المتغيرات السياسية والاقتصادية والبيئة الدفع باتجاه مزيد نضج هذا النظام العالمي الجديد، وهذه القمة هي خطوة من خطوات الدفع في هذا الاتجاه، مشيرين إلى أن "فرنسا تسعى من خلال هذه القمة إلى إيجاد دور قيادي عالمي"، حيث نجح الرئيس ماكرون خلال ولايته الأولى والثانية أن يمرر قانون التقاعد على المستوى الداخلي الفرنسي، وهو ما يمكن اعتباره إنجازا على مستوى برنامجه الانتخابي، وعلى المستوى الخارجي يحاول أن يثبت دور فرنسا، فهي في النهاية في إطار النظام العالمي الجديد قطب مهم، وأن تلك المساعي الفرنسية ما هي إلا ترجمة لسعيها لتكون فاعلة على طاولة النظام العالمي الجديد".
وتمهد القمة الطريق لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ "COP28" فيما يتعلق بملف التمويل.
وتأمـل فرنسا أن يتم الاتفاق خلال القمة على خريطة طريق لمدة الـ18 إلى 24 شهر القادمة، مع توحيد الجهود العالمية طوال عام 2023 بشأن التمويل وذلك في قمة قادة مجموعة العشرين في الهند.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
استعرضت وزارة الحج والعمرة حصيلة أبرز جهودها خلال عام 2025م، مؤكدةً أن ذلك جاء نتيجة عمل مؤسسي متكامل ركّز على...
في زيارة هي الثالثة خلال العامين الأخيرين.. ومن أجل تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات ولا سيما في مجالي التجارة...
خلال ساعات.. تنتهي رسميا معاهدة ستارت الجديدة ،آخر معاهدة للحد من انتشار الأسلحة النووية في العالم بين الولايات المتحدة وروسيا.
في مؤشرات قياسية تعكس التطور المتسارع لمنظومة خدمة ضيوف الرحمن ضمن مستهدفات رؤية 2030.. استقبلت المملكة العربية السعودية 19.5 مليون...