اللواء محمد نجيب: هكذا تم إعفائى من رئاسة الجمهورية وتحديد إقامتى

عبد الحكيم عامر أبلغنى قرار إعفائى.. وأقسم بشرفه العسكرى كاذبًا عالجت نفسى بعسل النحل لأنهم منعونى من الذهاب إلى المستشفى كل واحد من أبنائى الثلاثة أصيب بمأساة.. الأول قتل فى ظروف غامضة.. ومنعنى الحاكم من استقبال المعزين.. الثانى فشل بسبب جو الإرهاب الذى يعيش فيه.. والثالث أصيب بانهيار عصبى وأمضى أربعة أشهر فى مصحة عقلية

اللواء محمد نجيب يوسف قطب القشلان ولد في 19 فبراير ۱۹۰۱ وهو أول رئيس الجمهورية مصر بعد إنهاء الملكية، تولى حكم مصر في ١٨ يونيو ١٩٥٣، والقائد العام للقوات المسلحة المصرية وقبلها وزير الحربية عام ١٩٥٢، شارك في حرب فلسطين عام ١٩٤٨ ومنحنجمة فؤاد العسكرية الأولى تقديرا لشجاعته أجبره مجلس قيادة الثورة على الاستقالة في ١٤ نوفمبر ١٩٥٤، ووضعه تحت الإقامة الجبرية بصحبة أسرته في قصر زينب الوكيل حتى عام ۱۹۷۱ حينما قرر الرئيس السادات إنهاء الإقامة الجبرية المعروضة عليه، ورحل عن عالمنا في ٢٨ أغسطس ١٩٨٤...

وسبق لمجلة الإذاعة والتليفزيون العريقة أن نشرت حوارا نادرا للرئيس "محمد نجیب" كشف فيه الغطاء

عن حياة أول رئيس لمصر، وعن كم المعاناة التي وجدها بعد إجباره على الاستقالة وتحديد إقامته الجبرية. وذلك في العدد رقم (٢١٣٥) بتاريخ ١٤ فبراير ١٩٧٦ أجرى الحوار صلاحشاهبور نعيد نشره بمناسبة مرور ٤١ عاما على رحيل الرئيس السابق... أزاح اللواء محمد نجيب الستار عن أخطر الأحداث التي صاحبت إعفاءه من رئاسة الجمهورية.. كيف فوجئ بالصحف تعهد الإعفائه من منصبه. وتحديد مصيره.. ماذا دار بينه وبين المشير عامر لحظة إبلاغه بنبأ الإعفاء وماذا جرى بعد ذلك من تحديد إقامته، وإبعاد الأضواء عنه.. ثم المعاملة اللا إنسانية التي لاقاها من حرسه، وكان من عواقبها أن أصيب أبناؤه الثلاثة بما يقشعر منه البدن ولم يتح للرجل أن يتكلم إلا بعد أن عادت إلى الشعب سكينته وأمنه وقد التقى صلاح شاهبور بأول رئيس للجمهورية، وأجرى معه هذا الحديث.

فإلى نص الحوار:

عندما وصلت إلى فيللا اللواء محمد نجيب بضاحية المرج خيل إلى أنني أخطأت العنوان فالفيلا تبدو وكأنما هجرها أهلها منذ سنوات... الأبواب موصدة والنوافذ مغلقة، أما الحديقة التي تحيط بها فهي مثال نادر للفوضى والإهمال، وبعد تردد حسمت أمري وطرقت الباب فانفرج عن خادمة في الأربعين من عمرها قادتني دون كلمة إلى غرفة اللواء.

الغرفة متوسطة الحجم ليس بها إلا دولاب متواضع لا يزيد ثمنه على بضعة جنيهات تعد على أصابع اليدين وسرير عتيق ينام عليه أول رئيس جمهورية لمصر!

وفى بساطة رحب الرجل بي وهو يقدم لى المقعد الوحيد الموجود في غرفته الأجلس عليه.. ثم قال لي:

- أنا أحب الصحفيين الصادقين، وأكره الكذابين

وضحك وهو يقول لي: احذر أن تكون من الكذابين !

قلت له: أحب أن تحدثني من ذكرياتك.. من الأيام الأولى للثورة؟

قال:

سأخبرك بكل شيء.. ولكن دعنى أحدثك أولا عن حكايتي مع هذه الفيللا التي أقيم بها منذ يوم ١٤ نوفمبر ١٩٥٤.. لأن الكثيرين لا يعرفون شيئا عنها.

في ذلك اليوم.. غادرت منزلي بضاحية الزيتون قاصدا مكتبي بقصر عابدين وما أن وصلت إلى بوابة القصر حتى فوجئت بالضابط حسين عرفة ومعه عشرة من رجال الشرطة العسكرية يشهرون المدافع الرشاشة

في وجهي.. فنهرتهم قائلا:

نزل السلاح أنت وهو أحسن أخلى الحرس الجمهوري يضربكم بالنار.

أحدث تهديدي أثره المطلوب فنكسوا أسلحتهم، وعادوا إلى أماكنهم فاتجهت وحدى إلى مكتبي، ومنه اتصلت بعبد الناصر مستفسرا.. فقال لي.. لقد حدث سوء تفاهم.. ولكن لا يهمك.. سأرسل لك عبد الحكيم عامر فورا ووضعت السماعة.. وجلست انتظر عبد الحكيم عامر وأثناء ذلك رحت أقرأ صحف الصباح، وإذا بها ممثلثة بروايات مختلفة عن اتصالي بالإخوان المسلمين، واتفاقي معهم على اغتيال عبد الناصر، وعندما قرأت هذا الهراء أيقنت أن مصيري .

قد تحدد.

رحت أفكر فيما يجب عمله... وفجأة وصل عبد الحكيم عامر وبرفقته حسن

إبراهيم.. وقالا لي في أسف

- إن مجلس الثورة قرر إعفاءكم من منصبكم.

نظرت إلى عامر.. وركزت عيني في عيده لطى استشف منهما سر هذا

القرار.

فهمني عامر في الحال.. فاندفع يقاسم لي يشرفه العسكرى وبابنته «نجيبة» التي أسماها على اسمى بأن الأمر ليس فيه ما يستحق أن أشغل بالي من أجله.. وإنه لن يعضى أسبوع واحد حتى أعود مرة أخرى إلى رئاسة الجمهورية !!.

ستصدر بيانا باسمك تستنكر فيه محاولة الإخوان الزج باسمك في مؤامراتهم، وفي نفس الوقت سنعلن أنك قررت الاعتكاف في منزلك أسبوعا حرصا على مسار التحقيق... وحتى لا يظن الناس الظنون باعتكافك ستوصلك إلى منزلك.

ويقول اللواء محمد نجيب.. شكرتهما طبعا وتناولت مصحفا من فوق مكتبى واتجهت معهما إلى السيارة فلم توصلني إلى منزلي وإنما أوصلتني إلى هذه الفيللا التي كانت مملوكة لحرم الزعيم الجليل مصطفى النحاص... فلما سألت عامر عن السبب في عدم ذهابي إلى منزلي قال في أدب إن الأوامر أن تعتكف هنا.

وتركني عامر ومضى هو وحسن إبراهيم ولم يصدر البيان المزعوم بالطبع، كما أنني لم أرهما بعد ذلك.

وبعد انصرافهما بدقائق.. فوجئت بوصول قوة عسكرية مكونة من مائتي ضابط و عسكري قامت بمحاصرة الفيللا فأدركت أن الأمر جد لا لهو فيه، وأن الحاكم الفرد قرر الخلاص منى نهائيا.. وبعد ساعتين تقريبا وصلت زوجتي وأبنائي وليس معهم إلا حقيبة واحدة بها ملابس قليلة. فلما استقرت من زوجتي عن باقي الملابس والأشياء الأخرى قالت لي: لقد رفضوا السماح لي بغير هذه الحقيبة وفجأة شعرنا بالجوع، فطلبت من قائد الحرس يسمح لنا بشراء طعام من الخارج فرفض بحجة أن ليس لديه أوامر بذلك وبتنا ليلتنا على الطوى

وفي ظهر اليوم التالي أحضر بعض الجنود «عمود» فيه ثلاث أوان صغيرة بها قليل من السبانخ وقطعتان من اللحم وشيء من الأرز وخبز تعافه النفس، أما مكتبتي التي تحوى أكثر من 10 آلاف كتاب فقد اختفت تماما ولا أعرف عنها شيئا حتى الآن.. ثم بدأت متاعبي

قلت للواء نجيب: ماذا بعد ذلك

قال:

كانت خطة الحاكم هي تحطيم أعصابي ودفعي إلى الانهيار، ومن هنا كان حرصه على انتقاء حراسی ممن لا أخلاق لهم ولا ضمير يؤرقهم. حتى لا يتوانوا في تنفيذ أوامره، فمثلا كان لدى في بادئ الأمر ٧ سيارات مخصصة لخدمتي أو بمعنى أصحالخدمة أسرتي، فقد كنت ممنوعا من مغادرة هذه الفيللا - فكان قائد الحرس يأمر السائقين بإدارة موتورات هذه السيارات كلها في أن واحد في الخامسة صباحا فنستيقظ من نومنا منزعجين، حتى أصيب ابنى بانهيار عصبي من جراء ذلك، وذات يوم فتحت نافذتي وطلبت من قائد الحرس الكف عن هذه الصغائر فقال لي في لهجة سوقية ادخل أحسن لك !!

ولما حاولت إفهامه بأنه لا يليق أبدا مخاطبتي بهذه اللهجة فقال لي في تهديد واضح قلت لك اقفل الشباك وادخل أحسن لك!

هذا ما كان يحدث لنا في الصباحالباكر، أما في المساء فقد كان هذا الضابط يأمر عشرات الجنود بالصعود إلى السطح فوق غرفتي تماما ليظلوا رائحين غادين حتى الساعات الأولى من الصباح، فإذا ما غليني التعب. والإرهاق وتمت، فإنني كنت سرعان ما استيقظ على صوت الموتورات... وهكذا دواليك !!

ويضرب اللواء كفا يكف وهو يقول: لقد كانوا يمكنون في الإساءة إلى بصورة بشعة.. فمثلا أصبت بعد سنوات من هذه الإقامة الجبرية بالتهاب في عظامي، وأجمع الأطباء على ضرورة دخولي المستشفى للعلاج، ولكن ما قيمة إجماعهم إزاء إصرار الحاكم على حجبي عن الجماهير، لقد رفض فكرة دخولى المستشفى.. ثم عاد وصرح لي بالتردد عليه مرتين في الأسبوع وفي اليوم الأول الذهابي إلى المستشفى... التقى بی جندی ممن خدموا معى في فلسطین فاحتضنني وراح يبكي بشدة

وهو يقول:

أين أيامك أين أيامك فلما عدت إلى منزلي وجدت في انتظاري أمرا بعدم مغادرتي أيا كانت الأسباب فهل تدرى ما الذي فعلته لأتم علاجی عالجت نفسي بنفسي، وكان الدواء هو عسل النحل، وقد شفاني الله من هذا المرض ويضيف اللواء نجيب

أن المعاملة السيئة لم تكن مقصورة على وحدى.. بل تعدتني إلى أبنائي على وفاروق ويوسف فتأثرت أعصابهم بدرجات متفاوتة، وتسبب الجو الإرهابي الذي كان يحيط بنا في عدم حصول الأول والثاني على مجموع

يؤهلهما لدخول الجامعة، السافرا إلى ألمانيا " على " الدراسة الهندسة. و "فاروق" الدراسة الفنادق وبالنسبة اعلي أحب أن أقول لك: أن هذا الولد كان أحب أبنائي إلى، وقد استطاع في فترة بسيطة السبيا أن يتزعم الطلبة العرب في المانيا، وكنت أتتبع خطواته بحب وتقدير شديدين.. وفجأة قبل لى إن ابنك قتل في المانيا في ظروف غامضة، ودهشت للنبأ لأنني أعلم أنه لم يكن له أعداء بل كان محبوبا من الجميع، يومها طلبت السماحلي باستقبال الجثمان في المطار فرفض طلبي.. فعدت وطلبت السماحلى بالصلاة على جثمانه في جامع السلطان حسن فرفضوا أيضا... وبعد رجاء و توسلات سمحوا لي باستقبال الجثمان والصلاة عليه في المقابر على أن يكون ذلك في الثانية صباحا فوافقت وكان لا بد أن أوافق.

وفي اليوم التالي أقمنا ليلة المأتم في منزل أخي اللواء على نجيب بمنيل الروضة، وكما منعني الحاكم من استقبال جثمان ابني في المطار أصدر أمره بعدم جلوسي في السرادق وامتثلت للأمر فبقيت في شقة أخي وحرمت من استقبال المعزين

أما ابنى الثاني - فاروق، فقد لاقي في ألمانيا الأمرين من بعضهم. وأثر العودة إلى مصر - قبل أن يلقى مصيره حيث عين بوظيفة صغيرة جدا لم يلبث أن تركها وهو الآن يعيش في منزلي بلا عمل

أما يوسف، فهو حساس للغاية. وقد سببت له حساسيته هذه كثيرا من المتاعب.. فحاول الانتحار أكثر من مرة هربا مما يلقاه من صنوف العذاب

ففي مساء أحد الأيام، جرى ناحية الشباك، وهم بإلقاء نفسه فامسكت به محاولا منعه، وتصادف أن رأنا أحد الحراس فهرع إلى الضابط يخبره ويطلب منه السماح بالتدخل فقال له في استخفاف:

وما شأنك أنت ... فلينتحر كما يشاء.

وام... تطرد اللواء نجيب: هذه حكايات لا أول لها ولا آخر.. هل تصدق أن هذا الولد حصل على دبلوم الصنايع وعين في شركة النصر للتلية زيون في عام ١٩٦١ على الدرجة الثامنة، ولا يزال على هذه الدرجة حتى الآن.

وفجأة توقف اللواء من الحديث وقال: ما حضر الله يوسف يحكى لك بنفسه. ودخل يوسف شاب في الخامسة والثلاثين من عمره... شديد الشبه بأبيه قال:

هل تصدق أنني ظلمت زوجتي بسبب أحد ضباط الحرس بعد أن لاحظت أنه يتعمد إهانتي أمامها.. وشيء فشيء عرفت الهدف.. اكتشفت انه يبقى الحصول على إعجابها

وبدأت أراقيه وأتتبع تصرفاته، وذات يوم كتب هذا الضابط رسالة إلى زوجتي يحرضها فيها على الفق ولحسن الحظ وقعت هذه الرسالة في يدي.. ليلتها سهرت أفكر.. في الصباحكنت قد وفقت إلى الحل.. فاستدعيت المأذون وطلقتها وعندما عرف الضابط أنها غادرت منزلى إلى الأبد جن جنونه وحرض ضدي جنديا اسمه على بدران تفتن هو الآخر في إهانتي

ونات يوم نسيت نفسى وغفلت عما نحن فيه فضربت العسكري فقامت الدنيا ولم تقعد أخذوني إلى سجن طره، وهناك ضربت ضربا مبرحا بعد أن جردوني من ثيابي تماما... ثم راحوا يكوون جسدى بالنار وهم يأمرونني يسب أبي والإشادة بالحاكم وحده

وفي المساء عدت إلى منزلي منهك القوى محطم النفس تماما... وبعد أيام فوجئت بصدور قرار جمهوری بفصلی من عملي - ودهشت جدا ورحت أقول النفسي هل هذا معقول أن أفضل من عملي لمجرد أنتي ضربت جنديا أهانتي مرارا ... ولكن دهشتي زالت عندما علمت أن هذا العسكري ابن عم شمس بدران

ولقد كان لهذه الحادثة أثرها الرهيب على نفسي فأصبت بعدها بانهيار عصبی دخلت بسببه مستشفى بهمان حيث أمضيت فيها أكثر من أربعة أشهر وقد عدت الى عملي بعد ذلك وعلى وجه التحديد بعد سجن شمس بدران

لكني ما زلت في الدرجة الثامنة. حتى الآن.

Katen Doe

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من المجلة زمان

اللواء أحمد فتحى عبد الغنى يكشف تفاصيل استعدادات الجيش الشعبى لمعركة العبور

التنظيمات الشعبية تتكون من منظمات أو فرق يجرى اختيارها وفق اشتراطات طبيعية والسن لا يقل عن 18 سنة مدرسة الدفاع...

ملوك الجدعنة والمقاومة .. فى كل حارة مقاتل من الجيش الشعبى

الشعب رفع شعار «كلنا هنحارب» .. متعلمون وصنايعية تطوعوا لمواجهة العدو على الجبهة الداخلية فرق المتطوعين تعلمت درسًا من طائرات...

سر أول عملية عبور تمت فى يوليو 1967

الصحف العالمية وصفت خطاب السادات بأنه الأخطر كانت قواتنا المسلحة مزودة بكل التجهيزات الفنية والهندسية لعبور المانع المائى القذافى: المعركة...

فى لقاءات نادرة منذ 69 عاما فنان الشعب سيد درويش فى ذاكرة أصدقاء طفولته

محمد البحر: أبى رفض أن تكون لى أية صلة بالموسيقى والغناء الشيخ مفرح محمود: بدأ بتقليد الشيخ «حسن زهرى» على...


مقالات