تفاصيل الخريطة الأممية لتوحيد المؤسسات الليبية

«النواب الليبى» يعلن دعمه لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال 18 شهراً

بعد سنوات من الفشل في إجراء الإنتخابات بسبب الخلافات السياسية والأمنية وفي خطوة جديدة نحو إنهاء الأزمة السياسية المستمرة في ليبيا منذ عام 2011 أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا (UNSMIL) مؤخرا من خلال المبعوثة الأممية (هانا تيتيه) أمام مجلس الأمن الدولي عن الخريطة السياسية التي تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية و كسر الجمود السياسي القائم منذ سنوات وفتح المجال أمام انتخابات وطنية رئاسية وتشريعية مؤجلة وقد رحبت مصر وجامعة الدول العربية والمجتمع الدولي بهذه الخريطه وأكدوا أنها تمثل حل ناجح لإجتياز الأزمة الخطيرة التي تعيشها ليبيا، ومع ذلك هناك من يعارض الخارطة.

توحيد المؤسسات

على مدار الأربع عشر عاما الماضية القذافي شهدت ليبيا انقساما سياسيا حادا بين حكومتين متنافستين في الشرق والغرب مدعومتين من قبل ميليشيات مسلحة. فشلت محاولات متعددة لإجراء انتخابات وطنية كان آخرها في ديسمبر ۲۰۲۱ بسبب الخلافات حول قوانين الانتخابات وأهلية المرشحين. وتستند الخريطة الأممية إلى توصيات لجنة إستشارية مكونة من ٢٠ خبيرا ليبيا تم تشكيلها في فبراير ۲۰۲٥. وتهدف إلى ضمان إجراء انتخابات عامة وتوحيد المؤسسات الليبية من خلال نهج متسلسل متضمنة ثلاثة محاور رئيسية هي وضع إطار قانونى وتقنى لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية مع معالجة القضايا العالقة مثل أهلية المرشحين مع تشكيل حكومة موحدة قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية والتركيز على توحيد المؤسسات التنفيذية بالإضافة الى إطلاق حوار وطنى يشمل جميع الأطراف السياسية والمجتمعية بما في ذلك الشباب والنساء والمكونات الثقافية لضمان مشاركة الجميع في العملية السياسية.

وبالرغم من الدعم الدولى الواسع تواجه الخريطة الأممية عدة تحديات ابرزها الانقسام السياسي في ظل استمرار الخلافات بين الأطراف السياسية في الشرق والغرب مما يعوق تشكيل حكومة موحدة والوجود المسلح من خلال میلیشیات مسلحة خارج سيطرة الدولة مما يشكل تهديدا للأمن والإستقرار وأيضا إلى التدخلات الإقليمية حيث تتدخل بعض الدول الإقليمية في الشؤون الليبية مما يزيد من تعقيد الوضع بالإضافة إلى فقدان الثقة بين المواطنين والمؤسسات السياسية.

مما يقلل من مصداقية العملية السياسية.

تفاؤل حذر

وبالنسبة لردود الفعل المؤيدة على المستوى الليبي فهناك المجلس الأعلى للدولة برئاسة محمد تكالة الذي أعلن عن تشكيل لجنة لدراسة الخريطة الأممية مؤكدا التزامه بالعملية السياسية وتوحيد المؤسسات.

أما حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة ) فقد رحبت بالخريطة الأممية أيضا وأعتبرت أنها خطوة نحو إنهاء الإنقسام السياسي وإجراء انتخابات شاملة من خلال العمل مع مؤسسات الدولة وكذلك حكومة بنغازي برئاسة أسامة حماد أبدت دعمها لمضمون الخطة بخصوص تشكيل سلطة تنفيذية موحدة معتبرة أن تشكيل حكومة جديدة يعكس إرادة الشعب في بناء دولة مستقرة تعتمد التداول السلمي للسلطة.

أما مجلس النواب برئاسة عقيلة صالح) فقد أكد ترحيبية الخريطة وعن دعمة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال مدى زمني أقصاه ۱۸ شهرا بإعتبارها خطوة أساسية لتوحيد السلطة التنفيذية، وشدد على أن الحكومة الحالية أسامة حماد شرعية وتحظى بثقة البرلمان.

كما طالبت بعض منظمات المجتمع المدنى بضرورة ضمان تمثيل المكونات الثقافية والجهوية في العملية السياسية مشيرة إلى أهمية الشفافية والمشاركة الفعالة.

الشارع الليبي

وبالنسبة للشارع الليبي فقد أعرب العديد من المواطنين عن تفاؤلهم الحذر حيال الخريطة الأممية مؤكدين على ضرورة تحقيق نتائج ملموسة تحسن من أوضاعهم المعيشية والأمنية وذلك من خلال الإستطلاع الإلكتروني الذي أجرتة بعثة الأمم المتحدة بمشاركة أكثر من ١٠,٠٠٠ ليبى حول أربعة خيارات مقدمة من اللجنة الاستشارية حيث أظهرت النتائج أولويات واضحة وهي توحيد المؤسسات، إنهاء الانقسام، إصلاحالقطاع الأمني، استعادة سيادة القانون، والمساءلة عن الانتهاكات. كما عبر كثير من المجيبين عن رغبتهم في قيادة حكومة انتقالية تهيئ البلاد للإنتخابات ضمن جدول زمنى صارم مع تفكيك المؤسسات الفاشلة.

وقد شملت النقاشات عددا من المجالس المحلية وممثلى المجتمعات مثل طرابلس وبنغازي و مصراتة وغيرها حيث طالبوا كذلك بسحب السلاح من العاصمة وإنهاء الاحتلال غير الرسمى لمناطق الدولة الأمنية وتوحيد المجلس التنفيذي، مع إشراك فعلى للفئات المهمشة.

مخاوف ورفض

وكان في المقابل أصوات معارضه للخريطة مثل ائتلاف الأحزاب من أجل الوطن الذي أعرب عن رفضه للخريطة مؤكدا أن ما ورد فيها لا يرتقى إلى تطلعات الليبيين ولا إلى تضحياتهم من أجل الحرية والكرامة وأيضا انتقدت (مجموعة العمل الوطنى الليبي الخريطة، مشيرة إلى أن غياب التوافق بين المجلس الاستشاري والمجلس الأعلى للدولة الأمر الذي يجعل من الصعب المضى قدما في تشكيل حكومة موحدة بالإضافة إلى برلمانيون في طبرق يرون أن الخطة تتجاوز صلاحيات البرلمان المنتخب وتفرض حلولا من الخارج. وعبر مسؤول في المجلس قائلا أن أى خريطة طريق لا تعترف بمجلس النواب كسلطة شرعية ستكون مرفوضة.

كما يخشى بعض السياسيين في الغرب الليبي أن تؤدى الخطة إلى إعادة تدوير شخصيات متهمة بالفساد أو المشاركة في الصراع المسلح مما قد يشعل جولة جديدة من التوترات وبذلك فإنه يبدو أن أسباب المعارضة للخريطة الأممية هو غياب التوافق الداخلي بين الأطراف السياسية الرئيسية في ليبيا.

مع التدخلات الأجنبية في الشؤون الليبية مما يؤثر على إستقلالية القرار السياسي، بالإضافة إلى وجود ميليشيات مسلحة خارج سيطرة الدولة مما يعيق تنفيذ أي خطة سياسية. والأهم هو فقدان المواطنين للثقة في المؤسسات السياسية القائمة مما يقلل من مصداقية أي خطة سياسية جديدة.

كما أن هناك مخاوف من استنساخ تعثر سابق بمبادرات فاشلة سابقة مثل ( اتفاق الصخيرات ۲۰۱۵ ، و (ملتقى الحوار (۲۰۲۰) مما غذى تراجع الثقة الشعبية في قدرة المسارات الأممية على تحقيق اختراق حقيقي

تأييد ودعم

أما على مستوى التأييد العربي والدولي فقد رحب الأمين العام الجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط بالخارطة قائلا إنها تهدف إلى تمهيد الطريق نحو توحيد المؤسسات الليبية وإجراء الإنتخابات الرئاسية والتشريعية، ومؤكدا على دعم الجهود الأممية الرامية إلى إنهاء حالة الانقسام واستعادة الاستقرار مشيرا إلى أن خارطة الطريق المطروحة تمثل فرصة يجب على جميع الأطراف استثمارها من أجل التوصل إلى تسوية سياسية شاملة في ليبيا. كما شدد على أهمية استمرار بعثة الأمم المتحدة في التنسيق مع الأطراف الليبية والشركاء الإقليميين والدوليين لضمان توفير الدعم السياسي والفني اللازم لتنفيذ بنود خارطة الطريق مؤكدا ضرورة ضمان ملكية وقيادة الليبيين للعملية السياسية. وأوضح أن الجامعة تتحمل مسؤولياتها الأصيلة تجاه دعم الليبيين وتقريب وجهات النظر بينهم وإستئناف الحوار مجددا وحرصها على الحفاظ على وحدة ليبيا واستقلالها وسيادتها.

كما رحب الاتحاد الأفريقي بالخارطة وعبر رئيس المفوضية محمود يوسف عن دعمه القوى للخطة ووصفها بمسار واقعي نحو حل الأزمة الليبية داعيا جميع الأطراف للانخراط بإخلاص في الحوار والمصالحة والتأكيد على التنسيق الإقليمي والدولي الكامل. ورحب الاتحاد الأوروبي أيضا بالخطة ودعا إلى تنفيذها الفوري مشددًا على ضرورة إصلاح مفوضية الانتخابات مع تعزيز المساءلة تجاه المعرقلين

وعلى مستوى الدول رحبت مصر رسميا بالخريطة ودعت في بيان إلى تشكيل حكومة انتقالية شبه موحدة تعد للانتخابات خلال ١٢ إلى ١٨ شهرا مؤكدة أن هذا التوقيت ضروري لإستعادة الاستقرار وتعزيز شرعية العملية السياسية وعلى جانب آخر الولايات المتحدة وبريطانيا دعموا مساعى البعثة الأممية وكذلك دعت فرنسا وألمانيا وإيطاليا إلى دعم الخطة وتجنب اتخاذ خطوات أحادية من أي طرف ليبي

مفترق طرق

وأخيرا فإن المشهد الليبي يقف على مفترق طرق حقيقي إما استثمار هذه اللحظة لدفع العملية السياسية إلى الأمام أو الدخول في دوامة جديدة من الانقسام

والتعطيل قد تعمل على تقييد أي أمل في بناء دولة موحدة حيث

تعد الخريطة الأممية لحل الأزمة الليبية خطوة مهمة نحو إنهاء الانقسام السياسي وإعادة بناء المؤسسات الوطنية ومع ذلك فإن نجاح هذه المبادرة يحمد

على التزام جميع الأطراف الليبية بتنفيذ التوصيات والاتفاقات المقررة وضمان مشاركة فعالة وشاملة لجميع فئات المجتمع والفشل في التنفيذ قد يؤدي إلى

استمرار الانقسام وتكرار الأزمات الأمنية والسياسية حيث إن المجتمع الليبي يعاني القساما جغرافيا وقبليا يزيد من تعقيد المشهد فهناك قبائل في الجنوب أعربت عن قلقها من أن يتم تهميشها في أي تسوية سياسية. فيما تشدد منظمات المجتمع المدني على ضرورة أن تشمل الخطة اليات واضحة للعدالة الانتقالية وجبر الضرر للمناطق المنشورة من النزاع بينها التنفيذ الناجح يمكن أن يمهد الطريق لإجراء انتخابات وطنية حقيقية وتوحيد المؤسسات الليبية لكن التحدي الأكبر

يتمثل في العدام الثقة المتبادل بين الفاعلين المحليين. فالقوى المسيطرة على الأرض سواء كانت حكومات موازية أو تشكيلات مسلحة لديها حسابات خاصة ومصالح اقتصادية وسياسية قد تتضرر من أي تسوية سريعة هناك أيضا تدخلات خارجية مستمرة تدعم

أطرافا بعينها، وهو ما يزيد المشهد تعقيدا.

ومن جهة أخرى يبدى البعض تفاؤلا حذرا معتبرين أن توقيت هذه الخطة قد يكون مناسبا إن تراجعت حدة الاشتباكات العسكرية نسبيا وهناك إرهاق شعبي واسع من استمرار الأزمة وبالتالي هذا المناخ يمكن أن يدفع القوى السياسية والعسكرية للقبول بتسوية إذا ضمنت

مصالحها ضمن العملية الانتخابية المقبلة .

 	هويدا عبد الوهاب

هويدا عبد الوهاب

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من سياسة

منتدى التعاون العربى الهندى فى دورته الثانية:إعادة تشكيل الشراكة فى عالم متغير

بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية الهندية شارك مؤخرا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في عدد من الفعاليات...

مصر تتصدر مؤشر الشعور بالأمن على مستوى العالم

سالم: ارتفاع تصنيف مصر فى مؤشر الأمن يعكس جهود القيادة السياسية التى تحركت فى كل الاتجاهات داخلياً وخارجياً

أسلحة التدمير الأمريكية فى مواجهة الحرس الثورى الإيرانى

تحركات مصرية لمنع انزلاق المنطقة إلى نقطة اللاعودة

الرئيس «السيسى » يحدد أولويات الدولة المصرية فى ظل التصعيد العسكرى بالمنطقة

لا بد من احترام ثقافة الاختلاف وتجنب الاستقطاب.. ومعظم مؤسساتنا تعانى الجمود بعض جامعاتنا لا تحقق أهداف الدولة الحديثة.. وتقدم...