المشير الجمسى يكشف سر كشكول معركة العبور

مؤرخ عسكرى أمريكى أكد أن عملية العبور تمت على أفضل مايكون من الكفاءة والاحتراف والتخطيط/ جولدا مائيراستدعت السفير الأمريكى بتل أبيب وأبلغته انزعاجها الشديد بعد بدء الهجوم المصرى

الكتابة عن حرب أكتوبر كما رآها وعايشها أبطالها شهادة للتاريخ عن واحدة من أعظم الحروب التى شهدها العالم، وكانت ولاتزال درسا فى التخطيط،  وفى هذه السطور نستعرض أهم ما كتب عن حرب ٦ أكتوبر ١٩٧٣م بقلم واحد من أهم القادة العسكريين، ليس فى مصر فحسب بل على مستوى العالم، وهو المشير محمد عبد الغنى الجمسى الذى تم تصنيفه ضمن أبرع خمسين قائدا عسكريا فى التاريخ، وكان يشغل منصب رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة أثناء حرب أكتوبر، ورئيسا لأركان حرب القوات المسلحة ووزيرا للحربية.

صدر الكتاب عن دار الحرية للنشر التى كان يرأس مجلس إدارتها المشير الجمسي، فى طبعته الأولى عام ١٩٩٢م.

روى  المشير محمد عبد الغنى الجمسى ذكرياته عن حرب أكتوبر ١٩٧٣م ، والتى حملت اسم «يوميات حرب أكتوبر «، وتقع فى ٢٤٥ صفحة وتنقسم إلى أربعة عشر فصلا، تحدث المشير الجمسى فى الفصل  الثالث عن حرب أكتوبر ١٩٧٣م وموقف الولايات المتحدة الأمريكية، وخطط إسرائيل الدفاعية والتعاون العسكرى المصرى السوري، وسر الكشكول الذى حدد كل ما يتعلق بالحرب وموعدها وسبب اختيار يوم ٦ أكتوبر.

بدأ الجمسى مذكراته بالحديث عن الظروف التى أدت إلى اتخاذ قرار الحرب وحتميتها؛ مشيرا إلى أن حرب يونيو ١٩٦٧ خسرناها لأخطاء سياسية وعسكرية ارتكبناها - على حد قوله -انتهت باستيلاء إسرائيل على سيناء فى مصر، والضفة الغربية وقطاع غزة فى فلسطين، والجولان فى سوريا.

ومن بعدها كانت حرب الاستنزاف التى دخلنا بعدها مرحلة اللاسلم واللاحرب، وكان هدف إسرائيل الاستراتيجى بعد حرب يونيو منع الدول العربية من تحرير أراضيها بالقوة حتى ترضخ الإرادة العربية للإرادة الإسرائيلية، فيتحقق السلام بشروط إسرائيل وهو ما يعنى أن يكون لها التفوق العسكرى على الدول العربية، الأمر الذى يمنع الدول العربية من التفكير فى شن حرب شاملة ضدها، وخلق الإحساس لدى العرب بالعجز واليأس من جدوى الصراع المسلح، وقد تحقق هذا التفوق لإسرائيل بمعاونة الولايات المتحدة الأمريكية.. كانت الولايات المتحدة تفرق على إسرائيل الأسلحة بالأنواع والكميات وفى التوقيتات التى تضمن لها التفوق العسكرى الدائم على الدول العربية مجتمعة لو كان الاتحاد السوفيتى يقدم الدعم العسكرى لمصر وسوريا فى الأنواع والكميات وفى التوقيتات التى لا تسمح بالتفوق على إسرائيل ولا تسمح بسباق التسلح فى المنطقة تلك كانت معايير القوتين العظميين فى ظل سياسة الوفاق بينهما تحقيقا لمصالح كل منهما .

وخبرة الحروب السابقة بين إسرائيل والعرب علمتهم وعلمتنا أنه لا يحدث تعاون عسكرى بين الدول العربية، وعلى ذلك يمكن لإسرائيل الإنفراد بكل جبهة على حدة. ولما كانت القوات المصرية هى العدو الرئيسى لإسرائيل، فقد ركزت جهودها ضدنا فى سيناء وأقامت التحصينات على الضفة الشرقية لقناة السويس وفى العمق فى خط دفاعى أطلقت عليه خط بارليف وأنشأت المطارات ومدت الطرق ووضعت القوات الكافية المدربة فى سيناء لمواجهة أى هجوم مصرى محتمل مع اعتمادها بصفة رئيسية على المدرعات، وقدرت إسرائيل أن عبور قواتنا بتشكيلات كبيرة قناة السويس هى مانع فريد فى مواصفاته فى مواجهة مقاومة شديدة من جانب القوات الإسرائيلية يعتبر مشكلة ضخمة أمامنا يصعب علينا من وجهة نظرهم حلها إن لم تكن مستحيلة، فإذا خاطرنا بالإقدام على هذا العمل فستكون القناة كما قال الجنرال اليعازار رئيس الأركان الإسرائيلى مقبرة لنا، وطالما أن مصر غير قادرة على القيام بهجوم شامل فلا مجال لباقى الدول العربية أن تحارب، وقدرت إسرائيل نتيجة لكل ما سبق أنها تفرض الأمر الواقع بالقوة حتى يستسلم العرب، وهذا أيضا يحقق أهداف الولايات المتحدة الأمريكية فى صراعها السياسى ضد الاتحاد السوفيتى فى المنطقة، وبرغم الجهود السياسية والدبلوماسية التى بذلتها مصر والدول العربية منذ عام 1967 لإيجاد حل سياسى لأزمة الشرق الأوسط إلا أن الجهود المبذولة لتحقيق الحل السلمى قد توقفت نهائيا، والأمر الأكثر خطورة من ذلك هو أن الولايات المتحدة تعهدت فى مذكرة قدمتها لإسرائيل عام 1972 أنها لن تتقدم بأية مبادرة سياسية جديدة فى الشرق الأوسط قبل مناقشتها مع إسرائيل، ونتيجة لهذا التعهد أصبح الموقف الأمريكى رهينة للسياسة الإسرائيلية، وكان أمام مصر فى ذلك الوقت عام ١٩٧٢م ، إما قبول الأمر الواقع بمساوئه السياسية والاقتصادية والمعنوية أو خوض حرب جديدة ضد إسرائيل فى ظل ظروف سياسية وعسكرية صعبة، فكان قرار الحرب هو النتيجة الطبيعية للطريق المسدود الذى وصلت إليه الجهود السياسية وبالتالى أصبحت الحرب حتمية.

وأشار المشير الجمسى فى مذكراته إلى أن عدم إمكان إيجاد تخطيط عسكرى عربى مشترك جعل  مصر ليس أمامها سوى التخطيط للقيام بعمل عسكرى وحدها لتحرير سيناء، وكان على سوريا أن تقوم بنفس العمل لتحرير المرتفعات السورية (الجولان) ونفس الشيء بالنسبة للأردن وحدها لاسترداد الضفة الغربية، وأنه لم يكن أمام مصر سوى التخطيط لتحرير سيناء على مراحل طبقا لنمو وتطور القدرة القتالية للقوات المسلحة، فكان لا بد من شن الهجوم بالأسلحة والمعدات المتيسرة لدينا فقط  فى ظل التفوق العسكرى الإسرائيلي، ومما زاد العملية الهجومية صعوبة وجود قناة السويس كمانع مائى فريد فى مواصفاته الفنية والطبيعية، وعلينا اقتحامه بقوات كبيرة فى وجه مقاومة شديدة من العدو الذى استند إلى خط دفاعى محصن هو خط بارليف، وإذا كانت العملية الهجومية مع اقتحام مانع مائى هى عملية معقدة فى حد ذاتها، فإن تنفيذها تحت ظروف التفوق العسكرى للعدو الإسرائيلى يعتبر مخاطرة كبيرة، وكان على قواتنا المسلحة أن تقبل هذه المخاطرة على أن يكون التخطيط العسكرى محسوبا بدقة تامة يضمن لها مقومات النجاح.

وتطرق المشير الجمسى أيضا للتقارب الذى حدث فى العلاقات المصرية السورية مع تولى الرئيس حافظ الأسد الحكم فى سوريا عام ١٩٧٠م، هذا التقارب الذى تطور إلى تعاون عسكرى مشترك لتحرير سيناء والجولان بعمل عسكرى مشترك، وبناء على ذلك  كان على القيادة العامة المصرية التخطيط للقيام بعملية هجومية استراتيجية تنفذ بالتعاون مع القوات السورية، وتقوم فيها مصر بالاقتحام المدبر لقناة السويس وهزيمة التجمع الرئيسى لقوات العدو فى سيناء، والوصول إلى خط المضايق وتأمينه استعدادا لتنفيذ أى مهام قتالية أخرى، وفى نفس الوقت تقوم القوات السورية بالهجوم لاختراق دفاعات العدو فى الجولان وتدمير قواته، والوصول إلى خط نهر الأردن والشاطئ الشرقى لبحيرة طبرية وتأمينه، وعلى ضوء الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية والاستراتيجية العسكرية المصرية وضعت مصر خطتها للهجوم فى حرب أكتوبر، كما وضعت سوريا خطتها الهجومية أيضا وعندما تم الاتفاق على تعاون القوات فى الجبهتين المصرية والسورية بعد إجراء التنسيق، وتنظيم التعاون بين الجبهتين باسم بدر، وكانت فكرة الخطة تقضى بأن تقوم القوات الجوية فى الدولتين بتوجيه ضربة جوية فى وقت واحد ضد الأهداف العسكرية المعادية فى سيناء والجولان، وتحت ستر تمهيد نيرانى بالمدفعية فى كل من الجبهتين تقوم القوات المصرية بالهجوم مع اقتحام قناة السويس، وتقوم القوات السورية بالهجوم فى الجولان، وكان مقدرا أن القوات السورية يمكنها تحرير الجولان خلال أربعة أو خمسة أيام، وتستمر فى تأمينها حتى تصل القوات المصرية إلى الأهداف الاستراتيجية المحددة لها فى سيناء، وكانت فكرة الخطة المصرية هى اقتحام قناة السويس بالجيش الثانى والثالث على طول مواجهة القناة حوالى 175 كم، وإنشاء رؤوس كبارى جيوش مؤمنة بواسطة قوات الدفاع الجوى ويتم تطوير الهجوم شرقا حتى خط المضايق الجبلية لاحتلاله، والتشبث به وتأمينه وبذلك تصبح القوات الإسرائيلية فى أرض مكشوفة فى وسط سيناء لا تتمكن من إنشاء خطوط دفاعية بها للعوامل الطبوغرافية من جهة، وعدم قدرتها على توفير القوات اللازمة لذلك من جهة أخرى، وتعرضها للهجمات المصرية التالية - شرق المضايق - حسب تطور الموقف وطبقا لفكرة الخطة تقوم القوات البحرية بتأمين سواحلنا البحرية والتعرض لخطوط المواصلات البحرية الإسرائيلية فى مضيق باب المندب، لإيقاف الملاحة من وإلى إيلات بما يؤثر على اقتصاد إسرائيل وحرمانها من الإمداد بالبترول من إيران، وتنفيذا لهذه الفكرة كان علينا التغلب على كل المشاكل التى تواجه القوات المسلحة تخطيطا وتنفيذا .

 كشكول الجمسى

حمل الفصل الثانى من يوميات الجمسى عن حرب أكتوبر عنوان «متى نحارب»؟ (الكشكول).

تكلم المشير الجمسى عن قصة «الكشكول» وهو عبارة عن وثيقة أو دراسة بناء عليها تم تحديد اليوم والشهر والساعة المناسبين للقيام بالهجوم على العدو بعد دراسة دقيقة ومستفيضة، فى أوائل عام ١٩٧٣ وحتى يتفق الرئيسان السادات والأسد على بدء الحرب بتعاون مصر وسوريا، كان على القوات المسلحة تحديد أنسب توقيتات القيام بالعملية الهجومية خلال عام ١٩٧٣ حتى توضع أمام الرئيس السادات ليكون أمامه حرية الاختيار على ضوء الموقف السياسى المناسب، والاتفاق مع الرئيس الأسد عليه، وبذلك يكون العمل العسكرى متماشيا مع العمل السياسي، ويكون العمل السياسى متسقا مع العمل العسكرى .

يشير الجمسى إلى أن هذه الدراسة وضعت على ضوء الموقف العسكرى للعدو وقواتنا، وأن فكرة العملية الهجومية المخططة والمواصفات الفنية لقناة السويس من حيث المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه وساعات الإظلام وساعات ضوء القمر، والأحوال الجوية وحالة البحرين المتوسط والأحمر، التى تحقق أفضل استخدام لقواتنا للقيام بالعملية الهجومية بنجاح، وتحقق أسوأ الظروف لإسرائيل، كما كان ضروريا لاختيار أفضل التوقيتات التى تناسب تنفيذ الهجوم على الجبهتين المصرية والسورية فى وقت واحد، لذلك: درسنا كل شهور السنة لاختيار أفضل الشهور لاقتحام القناة على ضوء حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه، ووجدنا أن فرق المنسوب بين أعلى مد وأدنى جزر هو80 سنتيمتر فى القطاع الشمالى للقناة (الإسماعيلية وبورسعيد) بينما فرق المنسوب فى القطاع الجنوبى (الإسماعيلية والسويس) هو متران. كما أن سرعة التيار فى القطاع الشمالى هى 18 مترا فى الدقيقة، بينما سرعته فى القطاع الجنوبى هو90 مترا فى الدقيقة. أما اتجاه التيار فإنه يتغير دوريا كل 6 ساعات من الشمال والجنوب، وبالعكس كانت كل هذه الظواهر الطبيعية مطلوبا معرفتها لتحديد تأثيرها على وسائل العبور بالقوارب، وإنشاء المعديات والكباري، وتم أيضا دراسة طول الليل يوميا لاختيار ليل طويل، بحيث يكون النصف الأول منه فى ضوء القمر والنصف الثانى فى حالة إظلام حتى يسهل تركيب وإنشاء الكبارى فى ضوء القمر، ويكون عبور القوات والأسلحة والمعدات فى الظلام، وكان من الضرورى دراسة حالة الأرصاد الجوية المناسبة لعمل للقوات الجوية، وحالة البحرين المتوسط والأحمر لمعرفة أنسبها لعمل القوات البحرية، كما اشتملت الدراسة أيضا على جميع أيام العطلات الرسمية فى إسرائيل بخلاف يوم السبت، ويوم إجازتنا الأسبوعية، حيث تكون القوات المعادية عادة أقل استعدادا للحرب، ويستطرد الجمسى: وجدنا لديهم ثمانية أعياد فى شهر أكتوبر 1973 هى عيد الغفران (يوم كيبور) وعيد المظلات وعيد التوراة، ولكل عيد من هذه الأعياد تقاليد وإجراءات يقومون بها تختلف من عيد لآخر. وكان يهمنا فى هذا الموضوع معرفة تأثير كل عطلة على إجراءات التعبئة فى إسرائيل التى تعتمد اعتمادا رئيسيا فى الحرب على قوات الاحتياطي، وكما يقولون فإن جيش إسرائيل يشبه جبل الجليد قمته ظاهرة هى الجيش العامل أما قاعدته العريضة فى القاع هى القوات الاحتياطية، ولإسرائيل وسائل مختلفة لاستدعاء الاحتياطى بوسائل غير علنية وأخرى علنية تقوم بإذاعة كلمات أو جمل رمزية عن طريق الإذاعة والتليفزيون، ووجدنا أن يوم عيد الغفران أو يوم كيبور هو يوم سبت، والأهم من ذلك هو اليوم الوحيد خلال العام الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث كجزء من تقاليد هذا العيد الذى يعتبر يوم سكون كامل، أى أن استدعاء قوات الاحتياطى بالطريقة العلنية السريعة غير مستخدمة، وبالتالى يستخدمون وسائل أخرى تتطلب وقتا أطول لتنفيذ تعبئة الاحتياطي.

 ثم انتقلنا فى الدراسة إلى عامل آخر هو الموقف الداخلى فى إسرائيل، فقد كانت تجرى انتخابات اتحاد العمال (سندروت) فى سبتمبر، وتجرى انتخابات البرلمان الإسرائيلى الكنيست يوم 28أكتوبر١٩٧٣، والمعروف أن الحملة الانتخابية تجذب أفراد الشعب لهم، علما بأن أغلب الشعب يشكل الجيش الاحتياطى مع تعبئة الدولة أثناء الحرب، ومن هنا كان من المفيد أن يوضع شهر أكتوبر ١٩٧٣ فى الاعتبار كشهر مناسب لشن الحرب، وكانت العوامل السابقة مناسبة للعملية الهجومية. وعن الوقت المناسب للهجوم فى الجبهة السورية فقد كان لا يجب أن يتأخر بعد شهر أكتوبر 1973، حيث إن حالة الطقس والجو تصبح غير مناسبة، نظرا لبدء تساقط الجليد. ووصلنا لهذه الدراسة المستفيضة لتحديد أنسب الشهور خلال عام 1970 للقيام بالعملية الهجومية، وكان أنسب توقيتات هى مايو أغسطس أو سبتمبر أكتوبر، وكان أفضله أكتوبر 1973 حيث إن ظروف الطقس والأحوال الجوية مناسبة للعبور، وأن فترة الليل طويلة يصل الإظلام فى بعض أيامه إلى ساعات طويلة، فضلا عن أن حالة البحر مناسبة للعمليات البحرية، والشهر يزدحم بثلاثة أعياد وتستعد إسرائيل لانتخابات البرلمان أو الكنيست بعد شهر رمضان المبارك، وخلال هذا الشهر بما له من  تأثير معنوى على قواتنا ولا يتوقع العدو الإسرائيلى قيامنا بالهجوم فى شهر الصيام. وبناء على هذه الدراسة الطويلة والعميقة تم  اختيار اليوم المناسب فى الشهر، وقع عليه الاختيار بحيث يكون عطلة رسمية، وأن يكون فرق المنسوب بين المد والجور فى القناة أقل ما يمكن، لتوفير ظروف أفضل لعبور القوارب وتشغيل المعديات وإنشاء الكباري،  وأن يتميز بضوء القمر الساطع فى النصف الأول من الليل حتى تقام الكبارى ليلا فى ضوء القمر، ثم يبدأ عبور القوات فى الظلام خلال النصف الثانى من الليل، ونتيجة لهذه الدراسة كان يوم السبت أو عيد الغفران ٦أكتوبر سنة ١٩٧٣م (١٠رمضان ١٣٩٣هجرية) هو أحد الأيام المناسبة وهو الذى وقع عليه الاختيار فى مجموعة سبتمبر/ أكتوبر فقد توفرت فيه الشروط الملائمة لاقتحام القناة والهجوم، وقد اعتقد الكثيرون أن هذا اليوم تحدد للهجوم المصرى السورى لأنه فقط يوم كيبور فى إسرائيل وهو اعتقاد خاطئ لأن هناك عوامل أخرى كثيرة تحكمت فى تحديد هذا اليوم .

وعن رأى الرئيس السادات فى الدراسة التى كتبها الجمسى بخط يده يروى الجمسى تفاصيل ذلك وسبب اختيار اسم الكشكول:

«سلمت هذه الدراسة بنفسى مكتوبة بخط اليد لضمان سريتها للفريق أول أحمد إسماعيل، الذى قال لى إنه عرضها وناقشها مع الرئيس السادات فى برج العرب بالإسكندرية فى أوائل أبريل 1973، وبعد عودته أعادها لى باليد، ونقل لى انبهار وإعجاب الرئيس السادات بها، وعبر الفريق أحمد إسماعيل عن شكره لهيئة عمليات القوات المسلحة لمجهودها فى إعداد هذه الوثيقة الهامة، وكان تعليقه عليها مسجلا فيما بعد بقوله: لقد كان تحديد يوم الهجوم عملا على مستوى رفيع .إن هذا العمل سوف يأخذ حقه من التقدير وسوف يدخل التاريخ العلمى للحروب كنموذج من نماذج الدقة المتناهية والبحث الأمين، كانت هذه الوثيقة هى التى أشار إليها الرئيس السادات فى أحاديثه بعد الحرب كلمة الكشكول أو كشكول الجمسي.

حمل الفصل الثالث عنوان «قرار الحرب» وروى فيه المشير الجمسى تفاصيل اليوم الذى اجتمع فيه المجلس الأعلى للقوات المسلحة برئاسة الرئيس السادات فى وزارة الحربية، مساء الأول من أكتوبر ١٩٧٣م الموافق ٥ رمضان ١٣٩٣ هجرية، حيث أصدر فيه السادات قراره بالحرب، وحدد فيه تقديره للموقف السياسى والهدف الاستراتيجى للقوات المسلحة.

وتناول الفصل الرابع يوم العبور (٦ أكتوبر) وأبرز المناقشات التى دارت بين القادة الإسرائيليين الذين اتفقوا على استحالة عبور المصريين قناة السويس، وأن أى تحرك عسكرى مصرى لن يخرج عن نطاق ضربة جوية لمطاراتهم فى الجبهة، إضافة إلى استحالة قيام المصريين والسوريين بالقتال فى شهر رمضان وهم صائمون.

وجاءت اللحظة الحاسمة فى الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرا، ونشبت الحرب فجأة بمبادأة من مصر وسوريا فى وقت واحد ضد العدو الإسرائيلي، ويوضح المشير الجمسى أن الرئيس السادات قد أشار للعملية الهجومية «بدر» إلى أنها الشرارة التى اشتعلت فى المنطقة، واعتقد الكثيرون أن كلمة الشرارة هى الاسم الرمزى لهذه العملية وأصبحت تكتب فى بعض الكتب المصرية والأجنبية بهذا الاسم، وهو غير صحيح، وسوف يسجل التاريخ أن خطة الحرب المصرية السورية هى «بدر» أما الخطة المصرية للهجوم فى سيناء والخطة السورية للهجوم فى الجولان فلكل منهما اسم رمزى منفصل، وهذا الوضع طبيعى لاختلاف طبيعة الحرب فى كل جبهة عن الأخرى، وإن كان التعاون والتنسيق بينهما كاملا.

وتحدث الجمسى فى هذا الفصل عن الدور الذى قام به كل سلاح فى القوات المسلحة، بدءا من سلاح الطيران حيث تكلم عن الضربة الجوية الأولى التى نفذت فى الساعة الثانية وخمس دقائق ظهرا، وبدأت البلاغات تصل إلى القيادة العسكرية الإسرائيلية فى تل أبيب من قواتها فى سيناء والجولان، وتفيد بأن تشكيلات جوية مصرية يقدر عددها بأكثر من مائتى طائرة قد هاجمت مواقع فى سيناء، وأن الطائرات السورية ويقدر عددها بحوالى 100 طائرة قد هاجمت فى الوقت نفسه مواقعهم فى الجولان وجبل الشيخ، وأصبح واضحا أمام القيادة الإسرائيلية أن هذا الحشد الكبير من الطائرات لم يسبق له مثيل فى أى حرب سابقة فى الجبهتين المصرية والسورية، وهذه الهجمات الجوية تمت فى وقت واحد.

وتحدث الجمسى عن استشهاد الشهيد أحمد حمدى أحد أبرز قادة المهندسين الذى أطلق اسمه على نفق فى قناة السويس بعد الحرب.

فى الفصل الخامس من اليوميات تطرق المشير الجمسى إلى موقف الولايات المتحدة بعد بدء الهجوم المصرى السوري، الذى لم يتوقعه الجانبان الإسرائيلى والأمريكي، ودور هنرى كيسنجر مستشار الرئيس نيكسون لوقف الهجوم بأى شكل، كما أشار الجمسى إلى موقف الملك فيصل من ذلك، فذكر أنه عندما وصلت أنباء الهجوم المؤكد للقوات المصرية والسورية إلى تل أبيب.. استدعت جولدا مائير رئيسة وزراء إسرائيل السفير الأمريكى فى تل أبيب إلى مكتبها يوم السبت، يوم عيد كيبور-الغفران-لإبلاغه بالموقف وأن ما تقوم به القوات المصرية والسورية مقلق، وعلى الفور أرسل السفير الأمريكى فى تل أبيب «كنيت كيتنج» برقية عاجلة يخطر فيها الولايات المتحدة بما حدث، وبدأ كيسنجر مستشار الرئيس الأمريكى نيكسون اتصالاته بالدكتور محمد حسن الزيات وزير الخارجية، الذى كان موجودا فى نيويورك، لإخطاره بموقف إسرائيل الذى وصل من تل أبيب، وعاد كيسنجر بعد نصف ساعة (الثانية إلا ربع بتوقيت القاهرة) للدكتور الزيات ليبلغه التزام إسرائيل بعدم الهجوم وضمان الولايات المتحدة لذلك. وعندما وصلت هذه المعلومات من الدكتور الزيات إلى القاهرة، كانت الحرب قد بدأت.

فطلب كيسنجر من الدكتور الزيات وقف العمليات الحربية وعودة قوات الطرفين إلى خطوطها الأولي، إلا أن الدكتور الزيات رفض المنطق الأمريكى إلا إذا كان يعنى العودة إلى خطوط ٥ يونيو ١٩٦٧.

ومع فشل كيسنجر فى محاولته منع الحرب أولا، ثم وقفها بعد أن بدأت ثانيا -حسب قول حافظ إسماعيل- مستشار الأمن القومى فى مصر- فقد توجه كيسنجر إلى السعودية والأردن فى محاولة لمنع توسيع قاعدة العمليات العسكرية. كما طلب من الملك فيصل التدخل لدى مصر وسوريا بغرض وقف العمليات، استنادا إلى أن إسرائيل يمكنها خلال أيام -عندما تستكمل تعبئة الاحتياطي- دحر الهجوم العربي. إلا أن الملك فيصل رفض المبادرة الأمريكية، ما لم يتقرر الانسحاب الإسرائيلى والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، بينما بعث للرئيس السادات رسالة يؤكد فيها «إننا بجانبكم بكل إمكانياتنا داعين للجيش المصري».

كانت مفاجأة الهجوم المصرى السورى كبيرة، فقد ذكرها كيسنجر فى مذكراته بقوله «إن كل تحليل إسرائيلى أو أمريكى قبل أكتوبر ١٩٧٣ كان يؤيد ما كنا نفكر فيه، وهو أن مصر وسوريا لا تملكان الإمكانيات العسكرية اللازمة لاستعادة أراضيهما بقوة السلاح، وإن الجيوش العربية كان مصيرها إلى الفشل، وهذا ما يحملنا على الاعتماد بأنها لن تهاجم، وإن الحدس كان صحيحا لكن الاستنتاج كان خاطئا».

 الخطتان.. برج الحمام والطباشير

أما خطة إسرائيل كما ذكر الجمسى فكانت ترتكز على الدفاع عن القناة، وأن عبوره مستحيل والمحافظة على خط القناة - خط بارليف - واستمرار احتلال سيناء، واعتمدت فى خطتها الدفاعية على ثلاثة عناصر رئيسية، وهي: حصون خط بارليف الذى يرتكز على مانع مائى فريد فى مواصفاته الفنية، وقواتها المتمركزة فى سيناء على أنساق تبدأ من خط القناة حتى عمق سيناء، وسلاحها الجوى المتفوق عددا ونوعا وتسليحا، والذى يعمل من خمسة مطارات وقواعد جوية فى سيناء (المليز -تمادة- رأس النقب- رأس نصراني- العريش) ومن ست قواعد ومهارات رئيسية داخل إسرائيل (رامات دافيد- عكير- حاتسور- حاتسريم- اللد- تل أبيب).

وأشار الجمسى فى يومياته عن الحرب إلى خطتين دفاعيتين ضمن خطط إسرائيل الدفاعية لاستمرار احتلال سيناء والجولان، فيقول: وضعت إسرائيل  منذ مايو ١٩٧٣ أوامر تفصيلية للقيادة العسكرية الجنوبية (سيناء) والقيادة العسكرية الشمالية (الجولان) للتصرف فى المواقف المحتملة، ومنها تعزيز القوات التى تدافع عن خط قناة السويسى بوحدات عاملة، وأطلق عليها اسم «عملية برج الحمام». أما تعزيز خط الجولان فكان يتم بوحدات من الاحتياطى سميت «عملية الطباشير» وتشمل هذه الخطط أيضا فتح واستعداد القوات الإسرائيلية استعدادا كاملا للحرب مع تعبئة الاحتياطى كله.

 خط بارليف

تحدث المشير الجمسى عن خط بارليف الذى أجمع الخبراء والعسكريون أنه خط دفاعى كامل التحصين، أصبح دليلا على قوة وكفاءة العسكرية المصرية، وأشار إلى شهادة سجلها  «ت.دييوي» المؤرخ العسكرى الأمريكي، وقال فيها: إن كفاءة الاحتراف فى التخطيط، والأداء الذى تمت به عملية العبور، لم يكن ممكنا لأى جيش آخر فى العالم أن يفعل ما هو أفضل منه. ولقد كانت نتيجة هذا العمل الدقيق من جانب أركان الحرب، وعلى الأخص عنصر المفاجأة التى تم تحقيقها، وهو ذلك النجاح الملحوظ فى عبور قناة السويس على جبهة عريضة. ولقد كان العبور المصرى هو أعظم منجزات الحرب.

 	ايناس مرشد

ايناس مرشد

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

وقائع الاستيلاء على موقع تبــة الشجرة

المزيد من سياسة

مصر تعيد لم شمل أهالى غزة بعد فتح الجانب الفلسطينى من معبر رفح

تسهيلات لعودة من خرجوا من القطاع للعلاج

7 محاور أساسية لتحسين أوضاع المواطنين.. ضمن أهداف الحكومة الجديدة

3 لقاءات للرئيس مع «مدبولى» قببل التعديل الوزارى وبعده لتحديد أولويات المرحلة الجديدة زيارة مسئول الاستخبارات الروسية للقاهرة خلال التعديل...

مصر وتركيا..شراكة استراتيجية لتوحيد جهود حماية الاستقرار ودعم القضيةالفلسطينية

خطوة استراتيجية لتعزيز استقرار المنطقة.. وتهدئة التصعيدات تعاون مشترك فى مواجهة المشروع الإسرائيلى التوسعى

إنذارات الرئيس «السيسى» للمتلاعبين فى القرن الأفريقى.. والطامعين فى دول الجوار

لن نسمح لأحد بالاقتراب من حدود أمننا القومى.. وقواتنا فى طريقها للانتشار بالصومال تأمين البحر الأحمر وخليج عدن.. مسئولية مصر...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م