انتهاء أزمة الدولار والقضاء على السوق السوداء إلى غير رجعة
تتابعت التساؤلات على ذهني وأنا أتابع مخرجات القمة الـ15 لمجموعة دول الـ"بريكس"، التي استضافتها دولة جنوب أفريقيا خلال الفترة من 22 ـ 24 أغسطس 2023، ووجدتني أعود بالذاكرة إلى الوراء لأتوقف عند تصريحات الرئيس "السيسي" خلال تفقده جنودنا البواسل بمنطقة شرق القناة بمناسبة ذكرى العاشر من رمضان (الأول من أبريل الماضي).. وقتها تحدث الرئيس "السيسي" عن الوضع الاقتصادي للدولة المصرية، قائلاً: "هناك أزمة عالمية، ولها تأثيرات علينا، وسنتجاوزها بأمان كما تجاوزنا الإرهاب من قبل". وبكل ثقة أضاف:" حتى الدولار بفضل الله وفضلكم سيكون تاريخًا؛ لكن لابد أن نعرق ونشقى".
"بريكس" وأزمة الدولار
البعض اعتبر أن الحديث عن انتهاء أزمة الدولار لتصبح تاريخًا هو نوع من التفاؤل لطمأنة المواطنين بشأن مستقبل أسعار السلع التي تأثرت كثيرًا بسبب ارتفاع العملة الأمريكية مقابل الجنيه، إلا أن إعلان قمة الـ"بريكس"، عن انضمام مصر للتجمع وحصولها على العضوية الكاملة؛ جاء ليؤكد أن الرئيس "السيسي" لا يتكلم من فراغ، وأن هناك الكثير من التحركات والإجراءات التي لا يتم الإعلان عنها إلا بعد إتمامها بالشكل الذي يخدم الدولة المصرية وشعبها.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما علاقة تجمع "بريكس" بحل أزمة الدولار، وما الفائدة التي ستعود على الشعب المصري بعد الانضمام لهذا التجمع؟. حتى نصل للإجابة عن هذه التساؤلات وغيرها، علينا أن نتوقف قليلاً عند مجموعة من المؤشرات التي لها دلالاتها الاقتصادية والمالية.
أنظمة دفع بديلة للعملة الأمريكية
وفي ضوء هذا فإن مصر يمكنها سداد ديونها لدول الـ"بريكس" بالعملة المحلية( الجنيه)، وبذلك نتخلص نهائيًا من أزمة الدولار، لتصبح في حكم التاريخ كما قال الرئيس "السيسي".
وداعًا لتجار السوق السوداء
في ضوء هذه المؤشرات، وإذا سارت الأمور وفق ما هو مخطط له؛ سوف يتراجع سعر الدولار في السوق المصرية ليصل إلى قيمته الحقيقية والتي يقدرها البنك الدولي بـ5 جنيهات، وسنودع تجار السوق السوداء غير مأسوف عليهم، لأن تراجع الطلب على العملة الأمريكية وتوافرها في البنوك الرسمية، سوف يؤدي إلى انخفاض قيمتها وعودة الأمور إلى نصابها الصحيح.
إذا كانت الدول المؤسِسة لتجمع "بريكس" تستحوذ على 25% من الناتج الإجمالي العالمي، فإنها ستزداد قوة وضخامة اقتصادية بانضمام الأعضاء الجدد إليها، حيث تُمثل كل من السعودية والإمارات وإيران قوة البترول العالمية، ومن خلالها ستؤمّن الهند والصين احتياجاتهما من الطاقة، في المقابل ستضمن الدول المنضمة حديثًا حصولها على السلع الغذائية والمنتجات الصناعية بأسعار تفضيلية دون الحاجة إلى الدولار الذي يمثل عبئًا على الجميع.
تُقدّر مساحة الدول المؤسِسة لتجمع "بريكس" بنحو 26% من مساحة العالم، كما أن عدد سكانها يصل إلى نحو 41% من سكان الكوكب بـ3.25 مليار نسمة؛ الأمر الذي يجعلها سوقا عملاقا من حيث الإنتاج والاستهلاك والموارد والإمكانيات. وفي ضوء هذا فإن مصر تطمح للوصول بصادراتها السلعية إلى 100 مليار دولار خلال العامين المقبلين، عبر استغلال الاتفاقيات التجارية التي تربطها بالدول والتجمعات الاقتصادية المختلفة حول العالم.
مزيد من الفرص التمويلية بأقل تكلفة
إن انضمام مصر لهذا التجمع، سوف يساعدها في دعم التعاون الاقتصادي وتعميق التبادل التجاري مع الدول الأعضاء، كما أن تنوع الهيكل الإنتاجي والسلعي للصادرات يحقق التكامل لسلاسل الإمداد والتوريد بين أعضاء "بريكس"، كما أن انضمام مصر للتجمع يفتح أمامها آفاقًا واعدة لتوطين التكنولوجيا المتقدمة في شتى القطاعات الاقتصادية وزيادة معدلات الإنتاج المحلي من خلال توسيع نطاق التعاون مع الدول الأعضاء.
في العام 2014، أسست مجموعة "بريكس" بنك التنمية الجديد، بموجب اتفاقية وُقعت خلال القمة السنوية السادسة في "فورتاليزا" بالبرازيل، بهدف دعم مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة بالدول الأعضاء.
وقد انضمت مصر لعضوية "بنك التنمية الجديد"، في العام 2021، وبعد حصولها على العضوية الكاملة في "بريكس" أصبح بإمكانها الحصول على المزيد من الفرص التمويلية الميسرة للمشروعات التنموية ومسارات التحول الأخضر، وتسريع وتيرة التعافي الاقتصادي وامتلاك القدرة بشكل أكبر على احتواء التداعيات الداخلية والخارجية، خاصة أن دول المجموعة تتمتع بإجمالي احتياطيات من النقد الأجنبي تُقدر بـ 4 تريليونات دولار.
بديل قوي لصندوق النقد والبنك الدوليين
أصبح بمقدور مصر تنويع مصادر التمويل الخارجية؛ بإجراءات وشروط ميسرة، باعتبار أن بنك "التنمية الجديد" أصبح بديلًا اقتصاديًا مهمًا في مواجهة الشروط المشددة لمؤسسات الإقراض الأخرى كالبنك وصندوق النقد الدوليين، وسيعمل البنك على دعم الدول الأعضاء من خلال ترتيب احتياطي الطوارئ، وهو إطار لتوفير سيولة إضافية، ومزايا أخرى لدول "بريكس" لمواجهة الأزمات الاقتصادية.
إن انضمام مصر إلى "بريكس" سيؤدي إلى تعزيز دورها المهم والمؤثر في أفريقيا، من خلال الاتفاقيات التجارية فيما بينها، وستتمكن من الاستفادة من الاتفاقيات التجارية مثل السوق المشتركة للجنوب "ميركوسور"، لتصبح مركزًا يربط أفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
لاشك أن انضمام مصر وحصولها على العضوية الكاملة في "بريكس" سيكون له فوائد متعددة، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن أن يواصل هذا التجمع تحقيق أهدافه، وهل ستسمح الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها أوروبا وبريطانيا أن يهتز عرش الدولار وماذا سيكون موقف دول البريكس فى حال قيام أمريكا بإجراءات مضادة؟.
هدوء أمريكي.. وتصريحات حادة
الإدارة الأمريكية علّقت على انضمام مصر والدول الخمس الأخرى إلى تجمع "بريكس" بتصريح يحمل في طياته الكثير من التكهنات حول ما يمكن أن تقوم به واشنطن في قادم الأيام، حيث أكدت الخارجية الأمريكية أن واشنطن تكرر إيمانها بأنه يمكن للدول اختيار الشركاء والتجمعات التي سترتبط بها.
وقال المتحدث باسم الخارجية الأمريكية، إن الولايات المتحدة ستواصل العمل مع شركائها وحلفائها في المنتديات الثنائية والإقليمية والمتعددة الأطراف لتعزيز الازدهار المشترك ودعم السلام والأمن العالميين.
وجاء هذا التعليق المقتضب من جانب الخارجية الأمريكية في أعقاب تصريحات حادة للقادة المؤسسين لـ"بريكس"؛ انتقدوا خلالها النظام الاقتصادي العالمي الحالي، حيث قال رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، إن شراكة "بريكس" تهدف إلى ترسيخ التنمية المستدامة ودعم الاقتصادات الناشئة كما أنها رمز لتوفير الفرص الاقتصادية المتكافئة للجميع.
وأضاف: إن الدول المتقدمة لم تنفذ تعهداتها المناخية.. والمؤسسات المالية العالمية أصبحت تستخدم كأدوات في الصراعات الجيوسياسية .. سنتعاون مع جميع الدول التي لها مصلحة في بناء نظام عالمي شمولي وعادل، وستواصل قمة "بريكس" النقاش حول استخدام العملات المحلية في التجارة البينية.
من ناحيته، قال الرئيس الصيني شي جين بينغ: إن النمو الاقتصادي ليس حكرًا على دول بعينها.. إن نمط الحرب الباردة لا يزال يؤثر على العالم.
بينما قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين: نسعى لاستبعاد الدولار من التجارة البينية لدول "بريكس، مضيفًا: مجموعة "بريكس" ستطلق مفوضية خاصة للنقل بين دولها، وستعمل على الانتقال للعملات الوطنية.
من ناحيته، قال رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي، إن العملة الافتراضية لـ"بريكس" ستشكل أساسا للتعاون والشراكة بين دول المجموعة، مؤكدًا أن "بنك التنمية" التابع لـ"بريكس" يشكل موردًا هاما لدول الجنوب.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
بدعوة من وزارة الشؤون الخارجية الهندية شارك مؤخرا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، في عدد من الفعاليات...
سالم: ارتفاع تصنيف مصر فى مؤشر الأمن يعكس جهود القيادة السياسية التى تحركت فى كل الاتجاهات داخلياً وخارجياً
تحركات مصرية لمنع انزلاق المنطقة إلى نقطة اللاعودة
لا بد من احترام ثقافة الاختلاف وتجنب الاستقطاب.. ومعظم مؤسساتنا تعانى الجمود بعض جامعاتنا لا تحقق أهداف الدولة الحديثة.. وتقدم...