أحمد الشهاوى: أنا ابن القلق.. والكتابة بنت التوتر

أنا حكاء بالفطرة.. والرواية ليست غريبة علىّ أعتبرت «الأهرام» دارًا للعمل.. وليست دارًا لشعرى «التقديرية» مسئولية كبيرة تتطلب منى سعيًا وبحثًا عن جديد فى الكتاب

لا يمكن النظر إلى تجربة أحمد الشهاوى، الروائي والصحفى والشاعر، إلا في إطار أنه صاحب مشروع شعري، وفكرى بالطبع، من أشهر أعماله ركعتان للعشق" و"الأحاديث: السفر الأول" و"كتاب العشق"، و"الأحاديث: السفر الثاني" و "أحوال العاشق"، وغيرها من الأعمال الشعرية والروائية. حصل الشهاوى على عدة جوائز محلية وعربية ودولية منها جائزة كاثاك الأدبية لعام 2024 تقديرا لمساهمته البارزة في الأدب العالمي. ولد الشهاوى بمدينة دمياط في 12 نوفمبر 1960م، والتحق بقسم الصحافة بكلية الآداب بسوهاج - جامعة أسيوط، وتخرج فيها في مايو 1983، وانضم إلى جريدة الأهرام فى يناير 1985م ليعمل في قسم الأخبار، وفى 18 من فبراير 1995 صدرت مجلة نصف الدنيا" الأسبوعية ليتولى مهام سكرتير تحرير المجلة ثم نائبا لرئيس التحرير فى مايو 2000. كل هذا لم يمنعه من إنجاز مشروعه الشعرى والأدبى الذي حاز به أخيرا جائزة الدولة التقديرية، وكان لنا معه هذا الحوار حول الجائزة والمشروع الأدبى.

أكد الشاعر الفائز بجائزة الدولة التقديرية في الآداب هذا العام أن هذه المرة الأولى التي يرشح فيها لنيل الجائزة، مشيرًا إلى أنه تم ترشيحه من خلال الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية، والأهم من ذلك أنه نال الجائزة من أول ترشيح، ويقول: "الجميع يعرف أنني حصلت على جوائز دولية عديدة، لكنها - رغم أهميتها - لا تقارن بهذه الجائزة المصرية التقديرية، فهى الأكبر والأقرب إلى قلبي، لأنها اعتراف من بلدى. مع أنني أؤمن أن الشاعر لا يحتاج إلى اعتراف من أحد، فالكتابة وحدها هي الاعتراف، وهي التي تقدم شاعرًا على آخر، وهي التي تصمد أمام مصفاة الزمن".

الجائزة تعد فرصة لإعادة قراءة أعماله الأدبية من القراء والنقاد والزملاء في الحركة الأدبية المصرية والعربية وعن ذلك يقول: هذه الجائزة ستعيد تسليط الضوء على مشروعي الشعرى وخاصة في ما يتعلق بأدب العشق والكتابة الصوفية، بالإضافة إلى المشروع الذي بدأته من خلال سلسلة ديوان الشعر المصرى)، التي تهدف إلى تقديم كبار شعراء مصر على مدى ألف عام الجائزة بالنسبة لي ليست مالا، ولا ميدالية ذهبية، لكنها تكرس اسم الفائز، وتضعه في المكانة التي كان ينبغى أن يوضع فيها منذ سنوات فأغلب أصدقائي الشعراء في العالم يحصلون على الجوائز الكبرى في الثلاثين أو الأربعين من أعمارهم، أما نحن فننتظر حتى يبلغ الشاعر الستين حتى يطرح اسمه للتصويت.

وحول خصوصية التقديرية يضيف: أهمية جائزة الدولة التقديرية أنها تلفت الانتباه إلى كتبى، وتتيح فرصا لمن لم يقرأ نتاجى أن يعود إليه، بمعنى أنها إعادة الاكتشاف لما قدمت من كتب في الشعر والرواية، وأدب العشق والأدب الصوفي، والفكر الإسلامي.

وهذه جائزة مختلفة عن كل الجوائز التي حصلت عليها في العالم، لأنها من الوطن حيث أنتمى وأكون، ولذا لها وقع مختلف وخاص، وأتصور أنها مسئولية كبيرة تتطلب منى سعيا واجتهادا وبحثا عن جديد في الكتابة.

وعن الذين يمكن أن يهديهم الجائزة يقول: لكل كتاب مهم قرأته أثر في تكويني، وكل بلد زرته أضاف لي الكثير، وكل تجربة مررت بها منحتني شيئا كان ينقصنى. لكن هناك بلدانا وكتبا وتجارب وأشخاصا لهم مكانات وأمكنة خاصة في مسيرتي.

لكنني عولت - وما زلت على التراث العربي شعرا ونثرا، ومتون التصوف والموسيقى والفلسفة، وكتب الحضارات الكبرى الأساسية في العالم وتراث مصر القديمة. فأنا ابن المكون الإنساني الذي يتجاوز المنظور الضيق للثقافة. وهناك أسماء كبيرة ساندت تجربتي أفدت منها ومن تجاربها كما أنني ابن قريب لأقطاب التصوف الأساسيين الذين عشت وما زلت مع تجاربهم ومنجزهم.

ويضيف الشهاوى فرحى بالجائزة أنها جاءت من أول ترشيح الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية التي يرأسها الدكتور أحمد بهى الدين ومن أول جولة في التصويت بأعلى الأصوات (ثمانية وعشرون صوتا. وكانت المنافسة شديدة هذا العام وأنا فرح أن فاز شاعران أحدهما في التفوق مسعود شومان وأنا في التقديرية، وإن كنت أود أن يفوز أيضا شاعر كبير ومهم، هو ماجد يوسف.

وعن روافد تجربته الشعرية يقول: تجربتي من روافد كثيرة قروية وصعيدية وقاهرية وكونية، كنت طوال رحلتي مع الحرف مشغولا بما هو روحي وإنساني في المقام الأول، وإذا فصلت في مفردات التشكل أو التكوين ساجد أن قريتي "كفر المياسرة". التي تقع على شمال السماء، معزولة وساطعة، تأتي في المقدمة بنيلها وتصوفها وأرضها وطرقها وأساطيرها وخرافاتها، ثم سوهاج التي لها مكانة رفيعة في حياتي، ليس لأنها كانت مكانا لدراستي الجامعية، ولكن سيرة حياتي الثقافية فيها، فيكفي أنني اكتشفت فيها ذا النون المصرى. وذهبت نحو التصوف الفلسفي، ولم أعد ذلك الصبي المتعلق فقط بالطريقة الشاذلية. كما أن صداقتي المبكرة بكبار كتاب وشعراء مصر والوطن العربي زادتني خبرة ومعرفة بأسرار الكتابة، كما كنت محظوظا بمن حملوا تجربتي ووقفوا إلى جوارها مثل الكبار صلاح فضل، محمد عبد المطلب أحمد كمال زكي، عز الدين إسماعيل جمال الغيطاني، خیری شلبی، محمد سلماوي، أمجد ناصر، إدوار الخراط. مصطفى عبادة، ومحمد سليمان وحكمت الشربيني، وأسماء أخرى كثيرة تحتاج كتابا وحدها، لأفضل فضل كل واحد، وهؤلاء وغيرهم أهدى إليهم الجائزة، كما أخص الشاعرة والمترجمة والأكاديمية دسارة حامد حواس التي نقلت شعري إلى اللغة الإنجليزية، وصرت موجودا بفضل ترجماتها الكثيرة.

وعن دخوله باب الرواية، يجيب قائلا: من اقترب مني يدرك أنني حكاء بالفطرة، ولذلك الرواية ليست غريبة علي، فأنا ابن شرعي لها، ولما وجدت أن عندي الكثير الذي يحتاج إلى مساحات سردية كبيرة ذهبت نحو السرد. وبالمناسبة عدد كبير من شعراء العالم يجمعون بين الشعر والسرد. كما أنني من أوائل الشعراء الذين استخدموا السرد في شعرهم. ومثلي قال الكثير شعرا، وفي السرد أقول الكثير أيضا.

وحول إفادة عمله الصحفي في تجربته الشعرية، يقول: رغم أنني مارست كل فنون الصحافة لما يزيد على أربعة عقود، فأعتبر نفسي من الناجين من مقتلتها أو مذبحتها، فقد كنت على علم مبكرا بما فعلت في سوای ممن كانوا قبلي في المهنة من أهل الأدب، ولذا كنت حريصا على النجاة. وطوعت الصحافة لخدمة الشعر، حيث الاقتصاد والاختزال والحذف والإيجاز، والتحدى والتعدد. والدقة والمراجعة والمساءلة، ومن ثم حرصت أن يخلو نصى من الزوائد حيث أتمتع بفضيلة استئصال الزوائد.

وبمناسبة عملي في الأهرام من الأول من يناير سنة ١٩٨٥ وحتى الآن لم أنشر نصا شعريا واحدا لي، واعتمدت في وجودي منذ البدايات على نفسي واعتبرت الأهرام دارا للعمل، وليست دارا الشعري.

وحول رؤيته لمشروعه الشعري، يقول: دائما أنظر إلى تجربتي بعين القلق. أريد أن أكون أفضل، ولذا دائما ما أقدم على الحذف في عملية الكتابة، أنا شخص يقرأ كثيرا ويعرف آداب العالم جيدا، ولذا أرى أننا لسنا أقل مما ينجزه غيرنا، لكن البعض منا ينسحق أمام الوافد والآخر لدى إيمان بأن لدينا شعراء مهمين لكن لم تتح الفرصة لهم لأن يكونوا في الواجهة، مصريا وعربيا وعالميا، ولذا أراني ابنا لهذا القلق. الذي يجعلني أسعى نحو الكمال، أذهب نحو المتن لا الهامش، فقد أنفقنا أعمارا في النوم في أسرة الهامش.

ويكمل: ومنذ البدايات لدي وعى بخصوصية المكان والنشأة والتكوين ومن ثم التجربة، فأسوأ ما في الأمر أن يكون الشاعر مقلدا أو منسحقا تحت آخر، والمصرية هنا تعنى أنني این قریتی ولفتی و روحی و حیواتی الكثيرة في تعددها وتنوعها، أحب أن أشبهني شعرا وسلوكا، لأن كل إنسان له بصمة مختلفة عن سواه، وأنا من الذين استفادوا من التراث الشعبي المصري بقدر استفادتي من تراث العرب شعرا ونترا. فالمصرية هنا تعنى الفرادة والخصوصية، والطريق المختلف الذي يسعى الشاعر أن يسير فيه من دون أن يزاحمه أو يشاركه أحد.

وعن مدى رضاله عن منجزه الشعري يجيب: لا أحد يرضى عن منجزه. ومن يستكين أو يطمئن سينجو من القلق الذي هو الدافع الأول الكتابة. فالاطمئنان ذهاب مبكر نحو الجمود والتكرار واستعادة ما أنجز سابقا. الكتابة بنت التوتر والحد المشحود السكين الروح، والكتابة تحتاج إلى تفرغ وتفان وإخلاص، وعدم ارتكاب خيانات لها، بالذهاب نحو ما يسد مسام الروح، ولذلك أعطيها الأولوية قبل كل شيء، ومثلى يسائل نفسه كل يوم، وكذا بعد كل كتاب جديد لمحاسبة النفس عمل مهم، إذ لا بد من القسوة على النفس خصوصا في التعامل مع الكتابة.

شكل السفر جزءا هاما من حياة الشهاوي، وعن ذلك يقول: السياحة في الأرض أمدتنى بما لم أكن أعرفه لو لم أسافر، كنت محظوظا بأن سافرت شرقا وغربا، وتعرفت ثقافات وعادات وتقاليد وشعوبا وكتابا من مختلف أنحاء العالم. السفر ملا روحي بمياه لا تنفد، وفي كل مرة أعود من سفر أراني إنسانا مختلفا وجديدا، ولقد كتبت أغلب شعري وأنا على سفر، إذ أكون أكثر شفافية وحرية. ففي السفر لا يتوقف طائر الشعر عن الطيران والتحليق.

الشهاوي بمثابة سفير للشعر المصري في العديد من الفعاليات الثقافية والمؤتمرات الشعرية بالخارج، وعن ذلك يقول: أنا سفير نفسي، ولا أمثل سوای فقط توضع كلمة مصر إلى جوار اسمى، وفخور بذلك بالطبع، وكل الأسفار التي أقوم بها ليست رسمية بل شخصية، لأن الدعوات موجهة إلى.

وحول تعرضه للهجوم من الإخوان حينما كتب عن قضايا العشق لدى النساء وتطرق البحار الحب عند الصوفية، يقول: عشت حياتي لا أرد على أحد، فلا أحب أن أهدر الوقت أو أسيل دم الحبر للرد على من لا يستحق ولذا أكرس حياتي للقراءة والكتابة. ولا أهتم بالمتجرئين والمتربصين وكلهم لا يعرفون تجربتي، ولم يقرءوا لى كتابا واحدا، حتى الذين تهجموا على بعض كتبى ليسوا من أهل الفكر ولا من أهل الدين أو الاختصاص. لكنهم مارسوا تشويشا وتهييجا ضدى على مدار سنوات طويلة.

هناك العديد من النصوص الشعرية تعيش مع الزمن وأخرى تموت، وعن ذلك يقول كل كتابة تحمل عمرها فيها، والكتابة تبقى لأنها تحمل صوتا مختلفا وتجربة أخرى، والذي يبقى يؤسس ويستمر ويستعاد، وكل شاعر يدرك حجمه وحجم تجربته، ولذا احرص طوال الوقت على غربلة الشعر. بل نخله بمدخل إعادة النظر والقراءة المتبصرة. وكل شاعر أو كاتب يحلم أن تبقى نصوصه طويلا، تطوى الزمن ولا يطوبها هو.

 	هان الشربيني

هان الشربيني

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

خيرى دومة: فرحتى لا توصف بـ«التقديرية» لأنها جائزة باسم بلدى

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م