قصيدة محمد زين.. شاعرٌ ساخــر يكتب نصَّ الهزيمة

تخلص من إرث الرومانسيين مستعيناً بسؤال زهير بن أبى سلمى/ الشاعر يكتب قصيدة نثر ذات فهم خاص للقضية الاجتماعية

رغم أن الكثير من الهجوم قد نال شعراء قصيدة النثر خلال العقود السابقة، ورغم خطورة الاتهامات التى وجهت إليهم، لأنهم كسروا الإيقاع الموسيقى للشعر وأنزلوا القصيدة من عليائها إلى وسخ الواقع كما قيل، إلا أن قصيدة النثر لا تزال قادرة ـ وتلك واحدة من معجزاتها ـ على اجتذاب أجيال جديدة من الشعراء، هؤلاء الذين يجدون فى اتساعها ورحابتها التعبيرية والجمالية مساحةً مناسبة للتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم تجاه عالمٍ لا يزال يتجدَّد كل يوم. ونحن إذ نحب دائماً أن نقرأ هذا الشعر الجديد فى لغته وقاموسه وتصوره للعالم وللحب، فإننا نريد منه أن يوسع فهمنا لأنفسنا، وأن يطوّر علاقتنا بالعالم وبالحب، وأن يقودنا هذا الفهم يوماً إلى المتعة، بعد أن يوقظ حواسّنا ويجعلنا نرى بقلوبنا ما لا يراه الآخرون بأعينهم.

على كثرة ما يُمكن أن نقرأ من تجارب شعرية جديدة تنتمى إلى "قصيدة النثر"، لا تمثل الأصوات المتميزة منها إلا أقل القليل، من ذلك الكثير الذى تصدره دور النشر الحكومية والخاصة كل يوم، لذا لن يكون من السهل النظر إلى المشهد الواسع لهذا النوع الشعرى الوليد الذى يُضيف إلى العالم كل يوم قصيدةً جديدة تستحق أن تُقرأ، إلا من خلال تلك الأصوات المائزة، التى تحفر لنفسها مساحةً خاصة فى سياق هذا المشهد الحافل بالكثير من الظواهر والأساليب والتبدلات.

من بين ما قرأت مؤخراً تأتى تجربة الشاعر محمد زين فى ديوان الأول "طعمٌ جديدٌ للهزيمة"، الصادر مؤخراً عن دار نشر "كتبنا"، وهى تجربة لافتة للنظر، فأنت أمام قصيدة نثر بكر، لا تتخذ لنفسها مداخل شعرية متوقعة أو مألوفة، ولا معجماً شعرياً مُستهلكاً، كما أن الشاعر فى هذا الديوان يقف من العالم موقفاً حداثياً لا يشبه فى شيء ذلك الموقف الذى اتخذه من قبل شاعر القصيدة التقليدية ذى الحس الإنشادى، وإن كانت المجموعة "طعم جديد للهزيمة" تتكون من 34 قصيدة، بينها عدةُ قصائد جاءت على إيقاع التفعيلة، ربما لأن الشاعر لم يتخلص من صوت الشاعر القديم تخلصاً كاملاً.

ظنى أن زخم الأساليب الشعرية فى القصيدة الجديدة هو السبب الرئيسى وراء نموها وتطورها وتعدد الأجيال المشاركة فى كتابتها، حتى وإن لم تجِد فى الوسط النقدى أو المجتمع الأكاديمى مَن يقوم بالدور المنوط به ـ باستثناء ناقدٍ أو اثنين ـ فى التعريف بها وتقريبها إلى الوجدان، لذا سوف نحاول نحن أن نسدّ جزءاً من هذه الفجوة النقدية الهائلة، بين تطوّر ما يُكتب من شعر اليوم وتخلّف ما نلقِنه للتلاميذ والطلاب فى المدارس والجامعات من أشعار تشكل أذواقهم على أعقد نحو ممكن، وتجعلهم من الجهل بحيث لا يستطيعون التعبير عن مشاعرهم بصدق، نظراً إلى ما تلقنوه من بلاغة تقليدية قديمة لا تعبر عن إنسان العصر الحديث، فيغرقون فى متاهة الثقافات التى توفرها السوشيال ميديا.

لذا يفتتح الشاعر محمد زين ديوانه الأول بمقولة للشاعر العربى القديم "زهير ابن أبى سلمى" المتوفى فى صحراء نجد (609) ميلادية:

ما أرانا نقولُ إلا معاراً  أو معاداً من لفظنا مكرورا

هذا البيت "الأيقونى" فى الشعر العربى رافق كل نقاشات التجديد فى تاريخنا الثقافى، بوصفه أقدم محاولة للكشف عن هلاك جزء كبير من تراثنا الشعرى فى غياب القدرة على الابتكار اعتماداً على تكرار المعانى وترديد الكلمات نفسها والأشعار ذاتها والمشى خلف أغراض الأقدمين ووفق تصوراتهم الشعرية والأسلوبية والموسيقية، وكان بيت زهير دليلاً على الصوت الناشز فى الإرث الثقافى العربى الذى يحتفى بالموروث، وانقلاباً على التكرار السائد فى منظومة العقل العربى "الخلف الطالح ينقل دائماً عن السلف الصالح" وتطبيق مفاهيم الطاعة الفقهية على الذائقة الإبداعية، لذا نحن نعتبر الشاعر الشاب محمد زين وغيره من الأجيال الشابة التى تكتب قصيدة النثر امتداداً للشاعر العربى الباحث بدأب عن آفاق جديدة للشعر.

 السخرية من الذات

ليس من الغريب إذن ـ والحال هكذا ـ أن نجد رد فعل الشاعر هو السخرية من كل ذلك، حيث لم نجد فى التراث النقدى لقصيدة النثر العربية "ابنة القرن العشرين" أفضل من السمات التى حددها أواخر عقد التسعينات كاتبُنا الكبير الراحل الروائى إدوارد الخراط  (1926 ـ 2015) فى كتابه "شعراء الحداثة فى مصر دراسات وتأويلات"، وقد استقرت عنده على الآتى: (المفارقة، الكوميديا السوداء، الهذيان المحكوم، الإيقاع المتقطع)، لنكتشف أن المفارقة والسخرية من الذات والكوميديا السوداء من بين أكثر الأدوات الأسلوبية التى استخدمتها قصيدة النثر عموماً، وقصيدة محمد زين على وجه الخصوص، السخرية هنا من وجهة نظرى نوعٌ من المقاومة، ومنذ العنوان يبحث الشاعر عن طعم جديد لهزيمته، التى تبدو هزيمةً مألوفةً ومسببةً للسأم، يسخر الشاعر من ذاته لكى يورط العالم المحيط به، ذلك العالم المتناقض بقدرته على إفراز الهزيمة فى وجدان مواطنيه، والذى يعانى الشعراء عادةً من صعوبات العيش فيه.

فى هذا الديوان وانطلاقاً من السخرية والمفارقة والكوميديا السوداء تتجلى أهم سمات الشعر الجديد، من حيث القدرة على امتصاص رحيقِ الجمال من أشكال كتابية عدة، فبالإضافة إلى زخم الأساليب الشعرية المعروفة استفادت القصيدة الجديدة من تقنيات "المشهد السينمائى" والمونتاج والكولاج، كما استعانت بإمكانات السرد القصصى، وفى القصيدة التى يحمل الديوان اسمها يمكننا أن نستدل على مفاتيح الشاعر فى كتابة قصيدته على بطريقة البوح الاعترافى، ساخراً من نفسه أولاً:

"هزائمى لا يراها أحد غيري

لذلك لا يصدقنى الناس عندما أبكى

هذا زمنٌ ماديٌّ بامتياز

لكى تتألم لا بد من جرحٍ ودماء

لا بد من خسارةٍ

يستطيع القوم رؤيتها بأعينهم المطفأة

وجسَّها بأياديهم الباردة".

تبدأ قصيدة "طعم جديد للهزيمة" من إعلان الشاعر رغبته الصادمة فى الدخول فى حرب حقيقية والاشتباك بأسلحة قاتلة لكى يبحث عن معنى عميق لحياته، والمدهش أنه يبحث عن هذا المغزى العميق لحياته فى النقيض المباشر لها وهو الموت، حيث إنه عاجز عن الحلم بطعم الانتصار الذى هو أمل البشر وسؤال الشعراء فى كل العصور، فكان أن اكتفى شاعرنا وخفّض سقف طموحاته إلى مجرد تجربة "طعم جديد للهزيمة":

"أريد المشاركة فى حرب بالأسلحة الثقيلة

أو الأسلحة الخفيفة

 أو الأسلحة البيضاء

حربٍ يزكمها الغبار

وتتكسر فيها العظام

وتنفجر فيها نوافير الدم

 أريد تجربة طعم جديد للهزيمة".

إن قارئ قصيدة النثر يعرف منذ كتب الشاعر الفرنسى الرائد شارل بودلير (1821 ـ 1867) ديوانه "سأم باريس" هذا النوع من الغضب الفردى الذى يختزن غضباً جماعياً هائلاً، حيث لم تعد صورة الشاعر هى صورة الرومانسى الغافل، بل اختلفت إلى حد بعيد، بسبب ضجر الحياة وضيقها فى المدن الكبيرة، فأخذت ذات الشاعر فى الميل نحو نوع من تمثل العنف المادى فى النص، مثلما فعل بودلير حين عاقب "بائع الزجاج السيء" بإلقاء حجر على كل ممتلكاته، ليحقق لنفسه تلك المتعة التى يشتاق إليها المواطن الضجِر والمتبطل والمفلس فى مدينةٍ تحكمها المظالم.

 القضية الاجتماعية

فى كتاب "آفاق الشعرية العربية الجديدة فى قصيدة النثر" الصادر عن كركز الحضارة العربية 2012 صنَّف الراحل شريف رزق خمسة أساليب أو شعريات فى النص الجديد هى: "شعرية السرد السيرذاتى، شعرية المخيال السيرياميتا حداثى، شعرية الكولاجات البصرية والمونتاج السردى، شعرية الأشياء المنسية، شعرية البداهات الأولى والفطرة"، أعتقد أن قصيدة محمد زين تنتمى إلى شعرية السرد السيرذاتى حيث يتشكل الخطاب الشعرى بطرائق عدة منها المذكرات أو اليوميات أو الاعترافات التى تتدفقُ فيها تفاصيل التجارب المعيشة عبر آليات السرد الشعرى. 

من عناوين القصائد يمكنك أن تلمح فى هذا الديوان الشاب كثيراً من الهزائم، وانتشار روح الاستسلام للأحزان والموت: "مهزومون مهزومون" و"أشياء كثيرة ستموت" و"قرابين" و"أشلاء"، لكن أمام كل هذا الحزن والاستسلام تبدو القضية الاجتماعية واضحة جداً فى متون القصائد، ويبدو الشاعر من ذلك الجيل الذى عاش تجربة يناير 2011 بكل أحلامها وآمالها وآلامها، بما يعنى أن قصيدته تأتى محملة بمحمول سياسى واضح وجلى فى كثيرٍ من النصوص ضمن سياقها الشعرى، ولنتوقف هنا أمام قصيدة "لمن يهمه البوح" لأنها تعكس كثيراً من أدوات الشاعر وطموحاته، بعد ثورة يناير 2011:

"أعملُ فى مهنة التفكيك

استعانت بى حكوماتٌ لتفكيك معارضيها

وثوارٌ لتفكيك طغاة

جثموا على قلوبِ شعوبهم

ثلاثين عاماً

وقصدنى عاشقون كُثر

للشفاء من قصص حبٍ معقدة

وفى المآتم

أعمل على تفكيك الحزن بطريقة ما

إلى ذرات صغيرة غير قابلة للاشتعال"

فى حين كان الشاعر القديم يفخر بأنه يفوقُ جميعَ أبناء قبيلته فى الحروب وإشعال الثورات والانتفاض ضد الظلم والعبودية والقهر، يعمل الشاعر الحديث فى مهنة نقيضة تماماً أقصد "مهنة التفكيك"، الذى هو نقيض البناء ومعكوسه، ومن خلالها يعمل مع "الأنظمة" والحكومات مثلما يعمل مع المعارضين أيضاً وبنفس الكفاءة، وكأن التفكيك هو ذلك الهدم المنظم للمثل والتقاليد والأعراف التى أدت بنا إلى الهزيمة والتراجع، كأنه يريد أن يتخلص من كل المفاهيم التى سدت قنوات المعرفة وعطلت حواسنا، محاولاً الشفاء حتى من الحزن  الذى يقوم بتفكيكه "إلى ذرات صغيرة غير قابلة للاشتعال".

الشاعر أيضاً يحتفى بالحب لكن على طريقته الساخرة، ففى نص "حمية غذائية" تروى القصيدة كيف فعل الشاعر كل شيء كى يخسر ثلاثين كيلو جراماً من وزنه، اتبع حمية قاسية وعاش على العصائر والخضراوات خاصم الشاى والقهوة ركض ساعة يومياً لمدة ثلاثة شهور صلى وصام وأخرج الزكاة وأخيراً:

"لا فائدة

هكذا قال الطبيب يائساً

طالما لم أمتنع عن تقيبل يديك

سبعين مرة فى اليوم والليلة"

ظنى هو أن قصيدة النثر التى باتت ذروة التجريب فى الشعر العربى تطورت تطوراً واضحاً جعلها قادرة على سد جزء من الفجوة الثقافية الهائلة التى تعيشها منطقتها العربية، بين ثقافة عربية تقليدية قديمة، وعصر حديث محكوم بأدوات الميتافريس "Metaverse" وتقنيات الواقع الافتراضى والذكاء الاصطناعى، ومحاولة العيش بين هذين العالمين المتناقضين هى محاولة محفوفة بالمخاطر ما لم تكن الأجيال الجديدة قادرة على التعبير عن مشاعرها وهمومها وقادرة على تقديم نفسها للعالم كما تفعل "قصيدة النثر"، من دون التخلى عن لغتها وثقافتها لصالح لغة العصر وثقافته، ومن دون الانزلاق ـ فى الوقت نفسه ـ إلى حضيض التقليد وعبادة الماضى.

 

 	 محمود خيرالله

محمود خيرالله

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ثقافة

طريقة لفتح المجاري المسدودة في المنزل بخطوات سهلة وآمنة

انسداد المجاري من أكثر المشكلات المنزلية إزعاجا، لأنه يسبب بطء تصريف المياه، وروائح كريهة، وقد يتطور إلى تسربات وتلف في...

قصة مصورة - لابس فانوس

ستندهش في البداية، وربما تفرك عينيك أكثر من مرة كي تتأكد أن ما تراه حقيقى عندما ترى ما يشبه فانوسا...

الإرادة.. معجزة الإنسان

يختبرها المسلم فى صوم شهر رمضان من رحمته تعالى بخلقه هو معرفته بعلمه الواسع بأن إرادة الناس مختلفة فهناك أصحاب...

حكايات الشيخ محمد عمران مع عبد الوهاب والنقشبندى والحاجة أم على

ابنه محمود يتحدث عن سيرته ومواقفه وأبرز محطات حياته ترك مكتبة موسيقية تضم أكثر من 15 ألف شريط.. وكان يسمع...


مقالات

إدارة المفاجأة… حين يصبح الزمن سلاحا
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 02:21 م
منزل زينب خاتون
  • الجمعة، 27 فبراير 2026 09:00 ص
القراصيا في طبق من ذهب
  • الخميس، 26 فبراير 2026 06:00 م
رمضانيات مصرِية .. السر في التفاصيل ..!
  • الخميس، 26 فبراير 2026 03:12 م
"أول مهنة عرفها الإنسان ! "
  • الخميس، 26 فبراير 2026 01:00 م