لا يُقاس ثقل الفيلم في سينما " يواكيم تربير" بما يرويه من أحداث، بل بما يتركه من أثر بعد انتهائه. فهو مخرج يتعامل مع السينما بوصفها مساحة إنصات وليس خطابا،
وتأمل وليس استعراضا، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى مفاتيح لفهم الإنسان وتصبح الذاكرة عبنا وجوديا، لا مجرد حنين من خلال تتبع خيوط الفيلم وتفكيك الداخل الإنساني، والعلاقة المعقدة بين الماضي والحاضر، وصولا إلى فيلمه قيمة عاطفية» بوصفه ذروة هذا المسار، والعمل الذي يلخص أسئلته الأكثر إلحاحا حول العائلة. والإرث، وما نتركه خلفنا.
لا يصنع يواكيم تريير أفلامه من ضجيج الأحداث، بل من همس ما يتركه الحدث بعد أن يمر منذ بداياته، بدا واضحًا أن هذا المخرج الترويجي لا ينتمى إلى سينما الحبكات المحكمة، أو الذروات الدرامية الصاخبة، بل إلى سينما تنقب بهدوء في الداخل الإنساني، حيث تتراكم الشكوك، وتتشكل الهويات، وتترسخ الندوب غير المرئية أفلامه تبدو للوهلة الأولى بسيطة يومية، لكنها سرعان ما تكشف عن ثقل نفسي عميق وكأنها تضع المتفرج أمام مرآة لا تعكس الوجه فقط بل ما خلفه.
شخصیات تريير تعيش في مدن مألوفة، غالبا أوسلو لكنها تتحرك داخل عزلة داخلية واضحة هي محاطة بالناس بالعمل بالعلاقات، ومع ذلك تبدو منفصلة عن كل شيء. هذا الانفصال ليس اجتماعيًا بقدر ما هو وجودي. أبطاله مثقفون في الغالب، واعون بذواتهم وقدراتهم إلى حد الإرهاق، يحملون أسئلة أكبر من قدرتهم على الاحتمال... ماذا يعنى أن تكون مخلصين لأنفسنا ؟! متى يصبح الاختيار عبئا وأى نسخة منا هي الأكثر صدقا تريير لا يدفع ابطاله نحو الإجابة بل يتركهم معلقين في منطقة رمادية، حيث لا خلاص ولا سقوط كاملا.
العائلة، حين تظهر في أفلامه، لا تقدم كملاذ بل كارشيف صامت للمشاعر المؤجلة في أكثر من عمل يتحول الماضى العائلي إلى عبء غير معلن ينتقل بين الأجيال دون نقاش أو مواجهة. لا توجد انفجارات عاطفية كبيرة، بل نظرات مترددة صمت طويل ومسافات صغيرة تكبر مع الوقت ما يهم تريير ليس ما حدث في الماضي، بل كيف يستمر تأثيره فى الحاضر، وكيف يمكن لذكرى واحدة أن تعيش داخل أكثر من شخص بأشكال متناقضة تماما.
في تعامله مع جيل معاصر، كما في The Worst يلتقط تريير قلقا يبدو »Person in the World شخصيا، لكنه في الحقيقة جماعي بطلاته وأبطاله لا يعانون من مأس تقليدية، بل من وفرة الخيارات ومن الخوف من الزمن، ومن الإحساس الدائم بأن قرارا خاطئا واحدا قد يفسد كل شيء. الحب ليس خلاصا، والعمل ليس تعريفا نهائيا للذات والزمن يتحول إلى قوة ضغط خفية.
يعتمد تريير على اقتصاد شديد في الأدوات الكاميرا هادئة المونتاج غير استعراضي والموسيقى تستخدم بحذر الصمت عنصر أساسي، ليس كفراغ بل كمساحة يتردد فيها الشعور دون توجيه الحوار يبدو عفويا، لكنه محمل بطبقات من المعنى، وغالبا ما يقول أقل مما يخفى هذا الأسلوب يمنح أفلامه طابقا شبه وثائقى من حيث الإحساس، دون أن يفقدها شاعريتها.
ما يميز يواكيم تريير - في النهاية - هو تلك المسافة الدقيقة التي يحافظ عليها بين التعاطف والقسوة. هو قريب من شخصياته يفهم هشاشتها، لكنه لا يبررها ولا يجفل تناقضاتها. يتركها تخطئ تتردد. وتفشل أحيانا، دون أن يحول ذلك إلى درس أخلاقي أو خطاب مباشر أفلامه لا تمنح إجابات مطمئنة ولا تنتهى بإغلاق واضح، بل تترك أثرًا يشبه الذاكرة نفسها غير مكتمل قابل للعودة، ومزعج بقدر ما هو صادق.
سينما يواكيم تربير ليست سينما الصدمة، بل سينما التراكم لا تصرخ في وجه المتفرج، فتبدو افلامه سردا طويلا دون عقده قصصية، لكنها تلاحق المتفرج طويلا بعد انتهاء العرض. هي سينما تسأل عما ورثناه دون أن نقصد عما نحمله معنا من صمت الآخرين، وعن ذلك الداخل الإنساني الذي يتشكل ببطء، من التفاصيل الصغيرة التي لا يراها أحد، لكنها تصنع كل شيء.
)Sentimental Value( »يأتي فيلم قيمة عاطفية بوصفه امتدادًا طبيعيا لمشروع يواكيم السينمائي لا كعمل منفصل، بل كحلقة أكثر نضجا وصرامة في سلسلة تأملاته حول الذاكرة، والعائلة، وما يتركه البشر لبعضهم حين يغيبون الفيلم لا يسعى إلى إثبات شيء جديد بقدر ما يعيد طرح الأسئلة القديمة نفسها، ولكن من زاوية أشد قسوة: ماذا نفعل بالإرث العاطفي حين يصبح عبئا ؟ وهل يكفى الاعتراف المتأخر لترميم ما تصدع طويلا؟
تدور الحكاية في إطار عائلي يبدو بسيطا في ظاهره، لكنه مثقل بتاريخ من الصمت وسوء الفهم. وفاة الأم لا تشكل ذروة درامية بقدر ما تعمل كمحرك خفى يكشف هشاشة العلاقات بين الأب وابنتيه. لا شيء ينفجر فجأة، ولا مواجهات مباشرة على الطريقة التقليدية، بل تتراكم التوترات عبر حوارات مقتضبة نظرات مترددة ومحاولات فاشلة لقول ما لم يقل في الوقت المناسب. كعادته يهتم تريير بما بعد الحدث، أكثر مما يهتم بالحدث ذاته.
الأب، وهو فنان مخرج سينمائي يسعى إلى تحويل الماضي العائلي إلى عمل سينمائي، يصبح محورا السؤال أخلاقي شانك رغبته في استخدام ذاكرة زوجته الراحلة كمادة فنية تبدو في آن واحد، فعل صدق، ومحاولة تعويض متأخرة، فيطلب من ابنته الممثلة المسرحية ان تؤدى دور الأم في فيلمه الجديد، لكنه لا يحكى قصة الأم بقدر ما يحكى ما تحملته الأم من معاناة في طفولتها، عندما واجه الاجداد الاحتلال النازي الفيلم لا يدينه صراحة لكنه يضعه تحت مجهر قاس متى يصبح الفن فعلا أنانيا؟ ومتى يتحول الاعتراف إلى شكل من أشكال استغلال الألم؟ في هذا السياق، لا تبدو السينما خلاصا، بل ساحة جديدة للصراع بين الذنب والرغبة في الغفران الفيلم الذي يرغب الاب في صنعه يعبر عن لحظة إدراك بأن جدته حين كان طفلا كانت تحاول الانتحار بعد ان حضرته ليذهب لقضاء يوم دراسی عادی. وهنا يبدو الصراع الذي ظل يحمله الطفل: هل كان بامكانه إنقاذ جدته.. هل هو سبب في انتحارها ؟
في المقابل تمثل الابنتان جيلا ورث الجرح دون أن يعيش سببه الكامل علاقتهما بالأم الراحلة وبالأب الحاضر الغائب - نفسيا - تكشف كيف تنتقل الصدمات داخل العائلة، لا عبر القصص الواضحة، بل عبر الصمت والتجنب كل واحدة منهما تتعامل مع هذا الإرث بطريقتها: إحداهما تحاول الفهم والتقرب والأخرى تبنى مسافة دفاعية، لكن كليهما عالقة داخل ذاكرة لم تخترها هنا تصبح القيمة العاطفية» عبنا أكثر منها امتيارًا.
أسلوبيا، يواصل تريير اعتماده على الهدوء والتقشف. البيت العائلي يصور كمكان محفل بالأثر، لا كمساحة حنين بل كخزان للذكريات غير المحلولة الكاميرا تتعامل مع الشخصيات بحذر، كأنها تختى اقتحام مساحاتهم الداخلية، فيما يظل الصمت عنصرا مركزيا يقول أكثر مما تقوله الكلمات. لا موسيقى تقود المشاعر ولا مونتاج يسعى للإثارة، بل إيقاع بطيء يفرض على المتفرج المشاركة في هذا النقل النفسي
قيمة عاطفية لا يقدم مصالحة سهلة، ولا يمنحشخصياته تطهيرا عاطفيا مريحًا، هو فيلم عن حدود الفهم المتأخر، وعن الاعتراف حين يأتي بعد قوات الأوان، وعن العائلة بوصفها مكانا ترت فيه الألم بقدر ما ترت الحب. وبهذا المعنى، يبدو الفيلم تكملة عضوية المسار يواكيم تريير كله، لا لأنه يكرر أفكاره. بل لأنه يواجهها بصدق أشد وبنيرة أقل تعاطفا وأكثر مواجهة
في النهاية يترك الفيلم سؤالا مطلقاء دون إجابة نهائية: هل يمكن تحويل الذاكرة إلى شيء قابل للحياة، أم أن بعض القيم العاطفية، مهما بدت ثمينة. لا بد من تركها خلقنا كي تستطيع المضى قدما؟ هذا السؤال، كما في بقية سينما تريين لا يطرح ليحل بل ليبقى كاثر هادئ وتقيل طويل البقاء
أداء أبطال فيلم قيمة عاطفية (Sentimental Value) مثل أحد أبرز أسباب إشادة النقاد وجماهير السينما على حد سواء بفضل تجسيدهم العميق والمعقد العلاقات عائلية مليئة بالحنق والحنان رينات رينسف تقدمت بأداء قوى كمسلة المسرح نورا منقتة نقل الصراع الداخلي بين حققها المهني والجراحالنفسية القديمة، مما يمنح الشخصية عملا إنسانيا مؤثرا متیلان سسکار سجارد»، الذي قام بدور الاب المخرج، كان بارعا في تجسيد شخصية الأب جوستاف القائد الفني المتغطرس، والذي يحاول أن يصلح ما أفسده الزمن بوجود مزيج من الكاريزما والنقص العاطفي مما يجعل حضوره على الشاشة لا ينسى اينجا ايدوتر ليلاس»، التي قامت بدور الابنة الصغرى أضافت بعدا حقيقيا في دور الحقيقة أغنس بصوت هادئ وقوة داخلية تكشف عن ألم مكبوت، في حين قدمت إيلى فانينج أداء ممتازا بصفتها الممثلة الأمريكية راحيل واستطاعت أن توفق بين البراءة المهنية والتأقلم مع بيئة عائلية معقدة كل هؤلاء الممثلين أسهموا في جعل الفيلم تجربة عاطفية غنية ومليئة بالصدق، مما أثار تجاوبا واسعا من الجمهور والنقاد على حد سواء
منح مهرجان كان السينمائي الدولي فيلم قيمة عاطفية جائزة عالمية مهمة، حيث قال الجائزة الكبرى للدورة الـ ۷۸، مما يعكس تقدير النقاد المستوى الإخراج والتمثيل والموضوعات الإنسانية العميقة التي يناقشها على صعيد الجوائز الأخرى رشحالفيلم ضمن ثماني فئات في جوائز جولدن جلوب من بينها أفضل فيلم درامي، وأفضل مخرج، وأفضل سيناريو وترشيحات تمثيلية متعددة، وهو رقم قياسي بالنسبة للسينما الترويجية في تاريخ الجوائز كذلك تم اختياره كمنافس قوى في موسم جوائز الأوسكان وقد يكون ضمن الترشيحات الكبرى خصوصا في فئات مثل أفضل فيلم وميزة دولية. بفضل قصته الإنسانية العميقة، وأدائه الاستثنائي الذي يتناول العلاقات الأسرية والصراعات الداخلية. كل هذه الإنجازات تجعل الفيلم تجربة سينمائية بارزة تجمع بين الصدق العاطفي والعمق الفني وتؤكد قدرة السينما الترويجية على الوصول إلى جمهور عالمى دون التفريط في خصوصيتها الثقافية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يُعد ديوان بلوتولاند نموذجاً لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه...
المعنى الوحيد الذي أفهمه في قضية الإبداع هو قدرة المبدع على التعبير عن الوطن والناس والتاريخ والأحلام التي تخص الشعب...
أوراق الوردة (15) أنوثة الحنجرة وملكة الحضور وصوت متوحش يغنى على مزاجه هل تستحق 3 أغانٍ وهابية أن تبيع وردة...
تركز على الطلاق والعقم والصراعات النسائية على الأموال