كواليس حفلات كوكب الشرق

فى طرابلس: بكت على الشهيد عبدالمنعم رياض فى موسكو: لماذا بكت «الست» فى رحلتها الحزينة؟

أم كلثوم عندما تغنى لمصر كأنها تملك كل شبر فيها، وأحب الأغنيات إلى قلبها "مصر التى فى خاطرى وفى فمى، سلو قلبى، النيل، نهج البردة، الأطلال، لأن هذه الأغنيات تعطيها دورا أكبر من مطربة، فهى قدمت إلى مصر فى جميع المناسبات القومية صورة من تفاعل الفن وتجاربه مع الأحداث الكبرى..

فمع هزيمة 1967 تجمعت الكلمات على شفاه أم كلثوم، وصمتت مع  الصامتين وبكت مع الباكيين، ثم انتفضت وانتفض كبرياؤها فأخذت تجمع المال بيدها وبصوتها للمجهود الحربى.. فى بلادها وفى بلاد الآخرين حتى فرنسا، واستطاعت أن تجوب البلاد، فسافرت إلى باريس فى نوفمبر 1967 لتغنى على مسرح أوليمبيا معلنة بصوتها رفض الهزيمة.

وسهرت باريس كلها مع أم كلثوم، وسهرت محطة الإذاعة إلى الساعة الرابعة صباحا، وقبل أن ترحل من فرنسا لم تنسى إرسال برقية إلى الرئيس الفرنسى "ديجول" قالت فيها: (قبل أن أغادر فرنسا العظيمة أحيى فيك وقوفك مع العدالة وفى جانب السلام).

ويرد عليها "ديجول" لقد لمستِ بصوتك أحاسيس قلبى وقلوب الفرنسيين جميعا..

فى الكثير من رحلات أم كلثوم الداخلية والخارجية لم تتخل مجلة الإذاعة والتليفزيون عن واجبها الوطنى أيضا، وأخذت تشاركها كل كواليس رحلاتها،

فقبل حفلتها فى فرنسا عندما سألها الصحفيون ماذا ستفعل اليوم ؟فأجابت: "لن أتكلم اليوم.. سأغنى.. وأغنى" فوقوف أم كلثوم على أكبر مسرح بباريس.. انتصار جديد للعرب فى قلب الغرب.

وقالت الإذاعة الفرنسية: لأول مرة تسهر إذاعة باريس حتى الرابعة صباحا كى تنقل حفلا كاملا على الهواء، ولأول مرة تنظم موجات إذاعة باريس كلها.. عندما استضافت البرنامج العام أم كلثوم فى برنامج "نادى بوب"، ولأول مرة تضطر إدارة مسرح فى باريس.. إلى وضع كردون  من  البوليس أمام الباب الرئيسى، لمنع كل  من لا يحمل تذكرة .

ففى باريس قادت مظاهرة سياسية وفنية، واستقبل الجماهير على مسرح أولمبياد أم كلثوم استقبالا لم تشهده  مغنية عالمية من قبل، كما لم يشهد المسرح مغنية تقف على قدمها خمس ساعات متواصلة  تغنى بكل ما أوتيت من قوة وإحساس.

فلأول مرة يصل ثمن تذكرة مسرح فى باريس إلى 100 جنيه استرلينى، ولأول مرة يسمح للكثيرين بالوقوف داخل القاعة طول الحفل.

وانبهرت العاصمة الفرنسية بالضوء الذى حول ليلها إلى نهار.. وتلاقت الأيدى على الفور.. فى تصفيق حاد لمدة عشر دقائق، وقطفت الأيدى ما تحمله من زهور لتمطر به المسرح تحت قدمى سيدة الغناء العربى.

كان الجمهور مفتونا مسحورا متحمسا، يهتز من  الإعجاب، ورفض الناس أن تسكت أم كلثوم حتى وهى تشدو "أعطنى حريتى أطلق يديا"، وكتبت صحيفة فرنسية تقول: "السلطان المدهش لفنانة عظيمة على الجماهير".

وقالت صحيفة "لوموند"إن هذه  النجمة المقدسة تعطى انطباعا بقوة الإرادة.. ويتركز سحرها فى صوتها المرن المتموج.. إنها لا تفتن فقط  المستمعين.. إنها تغنى لكل واحد منهم على حدة كما لو كان يدور بينها وبينهم  حديث عاطفى خاص.

وتحدثت أم كلثوم بنفسها فى حوارها مع  الكاتب محمد سعد  أثناء مصاحبته لها فى رحلاتها إلى فرنسا فى عدد المجلة رقم (1689) الصادر بتاريخ 29 يوليو 1967 قالت: عندما سألها عن رحلتها إلى فرنسا..

والحديث عن رحلة السيدة أم كلثوم إلى فرنسا لإحياء حفلات فنية فى الثانى والرابع من أكتوبر 1976، سألها ماذا ستفعل السيدة أم كلثوم فى الرحلة؟ ودورها الوطنى لتحديد الحقائق فى بلدنا كفرنسا..  وما  الذى ستفعله؟

وبمجرد أن سألت السؤال فوجئت بالصمت، ولم أتلق أية إجابة وإن كان  الردود كثيرة ومتلاحقة  بعد ذلك.. فقالت:

إن علينا واجبا ضخما أن نلغى من قاموسنا كلمات "ح نعمل" "ح نسوى"، ونضع بدلا منها "عملنا "  ولا  داعى للتهويش.

فلا بد أن ندخل فى المرحلة العملية من حياتنا وتاريخنا وأن يكون لكل شىء أساس.. وكل شىء له قاعدة.. ومن كل القواعد والأسس الثابتة يجب أن يكون انطلاقنا.. ومن هنا تتحدد الخريطة التى يمشى بمقتضاها العمل والإنتاج والإبداع فى كل مجالات حياتنا، ولا داعى  أن أقول لك هاعمل كذا وكيت فى فرنسا، لا بد من أن نرتبط  بالواقع.. وأن نقول بعد العمل لا قبله.. وصمتت قليلا واستطردت: أعتقد أننى أجبت على السؤال بمقتضى  الظروف الراهنة التى نحياها، ولهدف قومى.. أما أن أسافر اليوم  للترفيه فهذا لا مجال له، وهذا ما أرفضه تماما.

وبالطبع فإننا نتوقع من أم كلثوم  الكثير جدا.. فبعد امتداد النشاط خارج القاهرة قالت: إن النشاط لن يتوقف فى القاهرة وإنما سننتقل فى جولة طويلة تجوب فيها كل المدن  بالقاهرة.

وعن امتداد النشاط إلى البلاد العربية قالت: إن القاهرة لا  زالت مليئة بالخير، وإن رجالها وسيداتها يكنون للوطن كل الحب والإغراءات،  وأعتقد أننا فى حاجة إلى عشرات الأضعاف من  الجهد  الحالى لكن نغطى مطالب الجماهير المتاحة لإظهار مدى حبها لوطنها.

 فى حفلة طرابلس بكت أم كلثوم على الشهيد "عبدالمنعم رياض"

أما حفلتها فى طرابلس تحت شعار "الفن الهادف سلاح من أسلحة الثورة غنت الست "، وكانت المجلة معها أيضا ففى عددها رقم 1775 بتاريخ 22 مارس 1969 كانت معها فى طرابلس، كتب محمود سالم من  طرابلس".

صحف ليبيا تصف استقبال أم كلثوم بأنه لم يسبق له نظير،  و مليون مستمع فى الحفل طرابلس يسمعون إلى أم كلثوم. ، وقبل رفع الستار بدقيقة كانت أم  كلثوم تسأل عن أخبار معارك المدافع..

أمام فندق ليببا بالاس.. حلقات من الناس يتحدثون.

أم كلثوم هنا؟

لا.. فى الودان

و«الودان» هو أشهر فنادق مدينة طرابلس حيث تنزل أم كلثوم.

وكانت مشكلة التذاكر هى المشكلة الكبرى.. فى صالة الطعام..وفى الكافيتريا.. وفى المحلات.. تذاكر،ولا يستطيعون الحصول عليها، فالتذاكر بيعت بألف جنيه، وأقل تذكرة كان ثمنها عشرون جنيها..

حالة الفندق.. البعثة المصرية المصاحبة لأم كلثوم.. منهم المصورون.. كل منهم يريد الانفراد بصورة، وكل مصور يحمل ثلاث كاميرات، وفاروق إبراهيم أبرز مصورى الست فى السنوات الأخيرة، كان صامتا تماما، ومحمد لطفى واثق  من نفسه لا يفعل شيئا..

و السيد عبد الله السنوسى.. الداعى.. يمر.. ومعه معاونوه.. السيارات جاهزة.. كل شىء معد.. ولكن لا بد من مشاكل.. ميكروفون الاستعلامات ينادى السيد جلال معوض.. جلال معوض..

قبل الحفل بيوم كانت البعثة تجلس فى صالة فندق "الودان" حول أم كلثوم، و كانت تجلس وحدها على كنبة فى صدر الصالة.. فلاحة مصر.. كوكب الشرق.. سيدة بفستان فزدوقى بسيط وإيشارب فى لون   الشمس..

السياح الأجانب عرفوا أنها أم كلثوم، كانوا يسيرون هنا وهناك و واحدة منهم جاءت مسرعة وبيدها أتوجراف طلبت إمضاء أم كلثوم..

ويدخل "حسن عباس زكى" يجلس بجوار الست، فينسحب  "وجدى قنديل" وتسأله عن مصر ما هى الأخبار؟

الاشتباكات .. الشهيد عبد المنعم رياض، فبكت أم كلثوم على المسرح عندما قال خطيب الحفل.. غنى للعروبة.. غنى للفدائيين.. غنى للشهيد عبد المنعم رياض.. فبكت الست.

وقبل رفع الستار بساعة "أكوام من علب الأفلام الفارغة ألوف السيارات صوان ضخم".

فقال له "عرابى" المسئول عن إقامة هذه الحفلة.. إنه تكلف 17 ألف جنيه، وهناك 1000 لمبة مضاءة 1000 عرق خشب، 1000 قطعة من القماش8000 كرسى، والمساحة نحو ١0000 متر مربع.

وتقول فريال صالح: أريد وجوها للمقابلة.. أريد أن أسجل معهم، فقال لها المحرر اختارى.

التليفزيون الليبى ينشر كاميراته فى الصالة، ويغنى المصورون.. واللمبات الحمراء تضىء وأحمد فريد مراقب الأخبار فى التليفزيون الليبى.. يمر عصبى جدا، لأنها أطول حفلة يذيعها التليفزيون الليبى ثم يقول، وأطول سهرة فى تاريخ طرابلس فى عيد ميلاد الملك ومع أم كلثوم.

وكانت بعثة الإذاعة المصرية.. ثريا عبدالمجيد وجلال معوض والمهندسان محمد همام وعبد المنعم الشافعى.. وأجهزتهم والعمل يسير كل شىء على ما يرام ووصلوا إلى لنك خاص لمحطة إرسال الإسكندرية، ومن هناك تتم عملية الصوت إلى القاهرة.

ثم يصل ونيس القذافى رئيس وزراء ليبيا ويصل الدكتور حسن صبرى الخولى.. ومعه العقيد عبد العزيز الشيخلى، ويصل حسن عباس زكى والسيد عبد الله عابد السنوسى الراعى.. ترحب بهم.

وأحباب الست الشعب الليبى يملأون الصوان وترتفع الستار وعواصف من التصفيق، وتظهر الست وصفق  الجمهور مرة واثنتين وثلاثة.. وردت أم كلثوم على تحية جمهورها  بانحناءة وابتسامة، وظلت تغنى وتغنى وتتجاوب مع مطالب  الجمهور.. الأمر الذى جعل أغنية "هذه ليلتى" تستمر أكثر من ساعة ونصف الساعة.

وكان ذلك كله من أجل المعركة.. من أجل المجهود الحربى والعمل الفدائى ودفع جمهور طرابلس ربع مليون جنيه.

 حفلة موسكو الرحلة الحزينة

كل الرحلات والجولات التى قامت بها أم كلثوم شىء، وهذه الرحلة الحزينة كانت شيئا آخر.. ففيها فقدت المعلم والأب والقائد.. خلالها شعرت بالحزن يسيطر عليها، وشعرت بالضيق.. فرحلتها إلى موسكو كانت عصية على النسيان، وهذا ما نقلته الكاتبة الكبيرة سكينة فؤاد.. فى رسالتها من موسكو بعدد المجلة رقم (1855) بتاريخ 13 أكتوبر 1970..

بعد منتصف ليل السبت كانت الطائرة الأقيوشين الضخمة تقترب من القاهرة.. المدينة الحزينة تحتنا مرسومة بالضوء، والذى بدا كأنه يبكى أغلى من أنجبتهم مصر..!!

القاهرة.. لم يعد ولن يعود إليها "جمال".. وقبل أيام كانت الطائرة نفسها تحملنا من القاهرة إلى موسكو.. الفرق بين الذهاب والعودة مجرد كلمات وأيام وبينهما ملايين الأميال من الفروق فى المشاعر والأحداث والآلام..

كانت البداية 26 سبتمبر.. الرحلة التى تحدثت عنها كل الصحف ووصفتها بأنها حدث لأول مرة فى تاريخ الفن العربى.. أن تغنى فنانة كبيرة فى موسكو.

رحلة فنية تقدم قبل معناها الفنى معنى سياسيا وثقافيا.. خمس ساعات ونصف وتصل موسكو..على سلم الطاهر باقة ورد ووفد من وزارة الثقافة السوفييتية ينتظر أم كلثوم.. والوردة الواحدة فى موسكو تعبير عن أرق وأغنى رموز الصداقة والتقدير التى يمكن أن تقدم.. وعشرات الورود تقدم للفنانة المصرية.

الطريق بين المطار والمدينة طويل.. تقطعه السيارة فى أكثر من ساعة ونصف.. برنامج الرحلة ملىء بالزيارات واللقاءات.. الليلة الأولى.. وبعد وصولنا العاصمة السوفييتية بدقائق.. لقاء مع الدكتور مراد غالب السفير المصرى وأعضاء السفارة المصرية.

  • اليوم الأول: السبت

زيارة لمتحف "تريتاكوف" وهو من أكبر متاحف التصوير والرسم فى الاتحاد السوفييتى.. المساء مع الباليه على مسرح البولشوى.

  • اليوم الثانى: الأحد

زيارة لمتحف الكرملين.. فى الليل سهرة مع سيرك موسكو.

 اليوم الثالث: الإثنين

الصباح فى مكتب "بابوف" نائب وزيرة الثقافة السوفييتية وحديث ملىء بالود والتقدير يتبادله نائب الوزيرة مع أم كلثوم.. وما زلنا فى يوم "الإثنين" والساعة تقترب من العاشرة.. اللقاء فى بيت وفاء حجازى الوزير المصرى المفوض هناك.. السفير المصرى وزوجته.. الوفد الإعلامى كاملا.. لا ندرى أن القاهرة بدأت تنعى قلبها وأعظم فتى أنجبته أرضها.

تليفون يدق.. كل شىء ممكن إلا هذا الخبر الأسود.. عيون شاخصة.. أنفاس تكاد تنقطع.. أصابع تلهث وراء صوت من القاهرة عبر الأثير.. الراديو لا ينطق كأنه شل مع أعصابنا المشلولة.. ولكن ما زال هناك أمل.. أن يكون خبرا كاذبا.. أن تكو أذنا صماء سمعت خطأ.. وهما.. أى شىء إلا أن يرحل الزعيم " جمال عبد الناصر" .. إلا أن يترك "مصره" وهى فى أشد أيامها حاجة إليه.

 أخيرا.. صوت من القاهرة..

آيات من القرآن الكريم.. شبح الحقيقة يقترب.. محاولة للهروب.. لا تصدقوا نحن فى ذكرى "الإسراء والمعراج".. اختتمت الآيات الكريمة.. الصمت تقطعه دقات القلوب.. وكانت لحظة من اللحظات التى يفقد فيها الإنسان توازنه.. مشاعره.. عقله.. قدرته على أن يقتنع.. وانفجر الحب والتقدير والإعزاز للقائد العظيم والإنسان العظيم.. فى لحظة ألم عنيفة..

وجرينا بما تبقى من أعصاب ووحدة وغربة بعده.. وخرجنا من مبنى السفارة المصرية فى طريق السيارة.. أقدام تلهث فى الليل.. يد تمتد تقبض على السيارة.. وجوه لشباب مصرى وعربى.. كلهم لا يطيقون نطق السؤال.. فقط نظرة حزينة تستجدى أن تسمع كلمة "لا".. ويقطع سكون الليل اثنان من الرجال.. ومن الثالثة صباحا بدأ يتجمع الشباب العربى والمصرى فى موسكو.. جيل تجرع مبادئ عبد الناصر وحب عبد الناصر فى دمائه.. جيل بدأ الرحلة معه ولم يخطر بباله أن الرحلة ستمضى بدون المعلم والأب والقائد..

 الثلاثاء..

السفارة المصرية تتلقى عزاء كبار المسئولين.. رئيس الوزراء السوفييتى كاسيجين يمسح دموعه.. أسمع تعليقا يترجم ما كان لأغلى الرجال من محبة وتقدير... كانت الصداقة والعظمة والتقدير لعبد الناصر أقوى من كل تماسك وبكى كاسيجين.

الخواطر تتوارد.. ترجع إلى الوراء.. تستعيد صورا عن عظمة الرجل.. أسمع قصة ثانية.. فى آخر زيارة لأغلى أحباء مصر.. فى آخر زيارة له لموسكو فى يوليو الماضى عندما نزل مع الطائرة كان الإعياء يبدو عليه.. امتدت له الأيدى بكل الحب والترحيب.. سألوه عن صحته .. تكلم عن مصر والوضع فى مصر.. قالوا له.. صحتك أولا نريدك أن تستعيدها كاملة.. بعد ذلك كل شىء سيكون سليما تماما..

الأطباء فى موسكو أكدت تقاريرهم أن صحته فى تقدم.. علاجه فى منتهى البساطة ويبدأ بالراحة والهدوء.. قرر أن يقطع فترة العلاج ويعود إلى القاهرة..

ما زلنا فى السفارة المصرية.. خرج كاسيجين ليطير إلى القاهرة ويكون فى آخر وداع للراحل العظيم.. حول السفارة مئات من أبناء موسكو.. كلهم عرفوا ناصر.. تابعوا مبادئه ومعاركه.. شاهدوه فى سيارته فى شوارع عاصمتهم.

أم كلثوم لأول مرة بعد الخبر الأسود..

كيف وصلها..؟

أحست بنظرة زائغة فى العيون حولها.. سألت: ماذا فى القاهرة..؟

"رفعت" ابن شقيقتها يقول "عبد الناصر".

صرخت: ماذا عنده بالضبط..؟

"محمد الدسوقى" شقيقها الأكبر لا يجد مفرا من أن يحمل إليها الحقيقة المرة.. لم يعد مريضا.. استسلم للراحة الأبدية.. بعد أن رفض الراحة ثمانية عشر عاما.

أم كلثوم لأول مرة بعد أن سمعت الخبر ملفوفة فى رداء أسود.. تساندها أياد من الجانبين.. رأسها المرفوع دائما يكاد ينحنى على صدرها.. قدمت عزاءها للسفير المصرى.. سؤالها الدائم كان: كيف تعود للقاهرة.. تريد أن تكون فى وداع الزعيم والإنسان.. الحصول على طائرة خاصة مستحيل.. الطائرات بين القاهرة وموسكو غير مباشر ومحجوزة.. طائرة الطيران العربية موعدها مرة واحدة كل أسبوع.

وكان لابد أن تعود إلى الفندق.. واضح أن جسدها يرتعد ودموعها الغزيرة غسلت صدر الرداء الأسود.. والقدرة على السيطرة على أعصابها تنسحب منها بالتدريج.

وتتوالى الوجوه الحزينة تحمل الوداع لرجل مصر.. يظهر وجه فالنتينا تريشكوفا رائدة الفضاء ورئيسة الاتحاد النسائى فى موسكو.. جميع وزراء حكومة الاتحاد السوفييتى ونوابهم.. قادة أسلحة الجيش البرية والبحرية والجوية.. عمال الأنفاق فى مدينة موسكو.. مجموعة من المواطنين السوفييت فى ليننجراد.. الأساتذة والطلبة السوفييت من معهد العلوم الزراعية فى جورجيا.. اللجنة المركزية للكمسمول.. الطلبة السوفييت لمدرسة قرية موكروتوفا.. مملثو الأكراد فى القوقاز.. الطلبة العرب فى ليننجراد.. طلبة وأساتذة معهد العلوم الشرقية فى موسكو- أدباء وكتاب سوفييت منهم الكاتب المعروف فابرنتيف.. البرقيات ترثى الرجل العظيم.. مجموعة من المواطنين السوفييت فى طشقند.. مواطنو مدينة برم.. مواطنى مدينة مورمنسك.. مواطنو مدينة تشاردجو.. وقرية "داليان".. جمعية الصداقة الكازاخستانية.. مسلمو القوقاز.. وتوالت وفود الطليعة العرب.. المئات من الاتحادات الطلابية العربية من مختلف أنحاء الاتحاد السوفييتى.

 الأربعاء.. يوم الحزم العميق.

خطوات حزينة ثقيلة تحت الأمطار الغزيرة.. الجو الرمادى يزيد ما فى القلب من وحشة وغربة.. باقة ورد تضعها أم كلثوم على قبر لينين..  وتقول: أبدأ لا يموت إلا الذين يعيشون على الهامش.. والذين يكتبون سطور الحياة يبقون دائما ذكرى حية مهما انتهت حياتهم.. وقليل جدا هؤلاء الذين يضعون العناوين فوق السطور والصفحات

منهم لينين.. وانضم إليهم جمال عبدالناصر.. هؤلاء لا يحولهم التاريخ ولا الشعوب إلى ذكرى.. يبقون دائما فى نبض شعوبهم.. مسيرة طويلة من الشباب العربى والسوفييتى. فى صمت ومن على بعد آلاف الأميال تودع الرجل العظيم.. تملأ شارع "جوركى" تمر بالميدان الأحمر.. أكبر ميادين موسكو وحيث يقع مبنى الكرملين.. العلم الأحمر فوق المبنى تنكس لأول مرة فى تاريخ الاتحاد السوفييتى لأجل زعيم خارجى.

فشلت آخر محاولة لنرى "جمال" لآخر مرة.. واعتذرت شركة الطيران.. خبر يقول: "أم كلثوم فى جناحها مصابة بإجهاد عنيف.. فى ركن الحجرة انكمشت فى مقعد عميق.. رفضت أن تغادره لسبع ساعات متواصلة.. الراديو ينقل من القاهرة آيات القرآن الكريم.. ولا صوت آخر يقطع الهدوء والخشوع إلا صوت الدموع المكتومة.

موسكو تشاهد وداعا آخر وصورة أخرى من صورة عظمة الرجل.. الجامع الصغير الأنيق حيث كان يصلى عبدالناصر كلما زار موسكو.. من الصباح مئات من الطلبة العرب ينتظرون وداعه الأخير..

صلاة الغائب تؤديها القلوب وهى تبحث فى الكلمات الكريمة عن مهرب من اللوعة.. كلمة من خطيب المسجد.. لم يكن جمال عبد الناصر مجرد زعيم.. كان قائدا أعاد للأمة الإسلامية الكثير من عظمتها ومجدها وكرامتها..

 حفلة لبنان

أما عن رحلتها إلى لبنان فكانت لا تقل عن بقية حفلاتها الأخرى 

ففى الظروف الحالية وافقت على الحفلة بشرط واحد أن توجه إلى المجهود الحربى وعندئذ تكون مسافرة لغرض وطنى

فكانت المجلة مصاحبة لها فى حفلة بيروت كان معها الكاتبة الصحفية "سكينة فؤاد" فى عدد المجلة رقم 1844  بتاريخ 18 يوليو 1970

فى  المعبد القديم صفق لأم كلثوم أكثر من خمسة آلاف مواطن هز أرجاء المعبد وتبدأ ليلتها بأغنية "هذه ليلتى".. وأعلنت أن فنها لم بعد  أغنية وملايين الآهات المعجبة، ولكن رسالة وواجب وأموال من أجل المعركة، وعاشت معها بعلبك ليلتين من أروع لياليها

وصلت أم كلثوم لتفتتح مهرجان بعلبك.. جاءت كنسة ندية خمسة آلاف رجل وامرأة داخل المعبد وعشرون ألفا حو ل المعبد.

تعتبر أم كلثوم أشهر مطربة عرفها الغناء العربى وصاحبة  أعلى أجر أخذته فنانة فى المهرجان 43.0000 دولار

وهذا العام من المهرجان شهد أكثر من ظاهرة تحدث لأول مرة فعلى باب القلعة الكبيرة وقفت مجموعة من فتيات الجامعة وعلى وجوههن ابتسامة وسؤال لكل قادم إلى الحفل.. الإحصاء الطريف لمعرفة جنسيات المستمعين وعدد الأميال  التى قطعها للسفر إلى أم كلثوم.

وفى الصفوف الأولى جلست سيدة ألمانية تتابع أم كلثوم بمنتهى الشغف وحجزت  التذاكر منذ  الساعات الأولى خوفا من أن تنفذ

الأضواء حول المعبد تعلوا والكاميرات تتحرك وترتقب ويجلجل التصفيق ويردد صداة الجبل.. وتفترش الأرض كلمات الإعجاب والتقدير كلها  تستقبل ابنة مصر السمراء.. تتقدم فى ثوب أبيض رائع كأنها ملكة أسطورية وغنت "هذه ليلتى، اسأل روحك".

سماح جاه الرسول

سماح جاه الرسول

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الشعب المصرى يودّع كوكب الشرق بالدّموع فى يوم 3 فبراير 1976
رفلة
فيلم
أم كلثوم تعود من جديد على قناة النيل للدراما.. شكراً يا أستاذة أنعام
السيدة أم كلثوم.. سيدة الغناء العربى وحاملة راية الوطنيــة المصرية
مأمون
ثومة
فيلم

المزيد من فن

«بيبو» فى الأقصر لمدة أسبوع

يوجود فريق عمل مسلسل «بيبو » للفنان الشاب أحمد بحر فى مدينة الأقصر لتصوير أحداث المسلسل المقرر عرضه فى الموسم...

وفاء عامر فى «المقابر» بسبب «السرايا الصفرا»

تواصل الفنانة وفاء عامر تصوير مشاهد مسلسلها الجديد «السرايا الصفرا »، والمقرر عرضه فى رمضان 2026.

هانى رمزى يصور «استراحة محارب» بعد رمضان

خرج مسلسل «استراحة محارب » للفنان هانى رمزى بشكل نهائى من الموسم الرمضانى بعد العودة للتصوير مرة أخرى.

العوضى مع «على كلاى» فى مدينة الإنتاج

عاد الفنان أحمد العوضى إلى مدينة الإنتاج الإعلامى لتصوير مشاهد مسلسله الجديد «على كلاى»، والمقرر أن يُعرض فى الموسم الرمضانى.


مقالات

بيت السحيمي
  • الخميس، 19 فبراير 2026 02:00 م
وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية
  • الأربعاء، 18 فبراير 2026 09:00 ص
رمضان.. مأدبة نور.. وحفل عظيم
  • الثلاثاء، 17 فبراير 2026 09:07 م
الدعاية والإعلان والإعلام وصناعة الوعي!
  • الإثنين، 16 فبراير 2026 12:47 م