موسيقى الأحلام التى كانت الغناء فى ظلال يوليو

فى كتاب نادر اسمه صفحات مجهولة، كتبه الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكتب مقدمته الرئيس جمال عبدالناصر..

 يكشف السادات أن الثورة لم تبدأ ليل 23 يوليو.. وأن التفكير فيها بدأ فى إحدى ليالى عام 1938، وهم يجتمعون حول نار شتوية أوقدوها للتدفئة فى جبل منقباد.

ويحكى السادات بطريقته العفوية المعتادة كيف بدأ الحلم يتشكل ضد ظلم الإنجليز وخيانة بعض المصريين من التابعين.. ويسرد كيف أنهم فكروا فى الوفد وفى الإخوان المسلمين ليكونوا شركاء فى الثورة المحتملة.

فى ذلك الوقت - وهذا لم يكتبه السادات - كانت مصر تغنى "يا عطارين دلونى الصبر فين أراضيه"، ذلك اللحن الذى وضعه محمود الشريف وغنته "أحلام" اعتبره الشريف عنوانا لتلك المرحلة العاصفة.. بدأت الحرب وانتهت والحال على ما هو عليه، ولم تحصل مصر على استقلالها كما وعدوا.. ونفد صبر أهل مصر ومن بينهم الضباط الصغار الذين أخبرهم رئيس أركان جيشها "عزيز المصرى" أنه لا فائدة فى الكبار، وأن عليهم أن يكونوا نفسهم، وأن الثورة لن تحدث إلا بهم.

حرقوا القاهرة.. وذهب من ذهب ضحية الحرب.. وضاعت فلسطين.. ومات من مات بالأسلحة الفاسدة أو بغيرها.. والعاديون يعيشون أيامهم.. بالطول والعرض.

وفى حفل أقامه الجيش كان من المقرر أن تنقله الإذاعة المصرية وتحييه أم كلثوم، قرر حيدر باشا بعد أن اعتذرت أم كلثوم أن يفسد الحفل بعدما شعر بـ"مؤامرة الضباط الصغار".. ومنع وصول الميكروفون إلى شهرزاد التى حلت بديلة لكوكب الشرق.. ولأنها لم تكن تعرف ما يجرى فى الكواليس غضبت وقررت الرحيل دون الغناء للضباط الذين جاءوا لحضور الحفل تعبيرا عن قوتهم "الجديدة".. فاضطر اللواء محمد نجيب لأن يخبرها بأنها ليست المقصودة.. وأن أم كلثوم ليست السبب فى منع إذاعة الحفل.. وأن شيئا ما سيحدث فى مصر وهناك من يحاول إفساده.

عرفت "شهرزاد" إذن أن شيئا ما سيحدث.. مثلما عرفت أم كلثوم التى غادرت إلى الإسكندرية بحجة المرض.. لكن محمد رشدى لم يكن يعرف سوى أن ذلك الصباح هو موعده الشهرى للحصول على فرصة غناء أغنيته الوحيدة "قولوا لمأذون البلد" وأنها فرصته ليحصل على خمسة جنيهات يعيش بها الشهر كله.. لكنه عندما ذهب إلى مبنى الإذاعة وجد "هيصة" وضباطا وعساكر يمنعونه من دخول المبنى.. أخبره الصاغ جمال حماد بأن هناك ثورة.

يحكى رشدى "ما كنتش سمعت كلمة ثورة قبل كده ولا أعرف معناها.. الثورة الوحيدة التى شعرت بها هى ثورة أمعائى التى اضطربت لتبشرنى بضياع الخمسة جنيه المنتظرة.. أروح فين وآجى منين وأعيش إزاى؟.. لم يخبرنى الضابط المسئول، لكنه عندما وجدنى أبكى رق حاله لى، وفجأة ظهر السادات الذى كان قد جاء لقراءة بيان الثورة الذى لم أسمعه.. سألنى: (مالك؟).. حكيت له. فسألنى: (انت بتغنى إيه؟) قلت له (قولوا لمأذون البلد) قال: (وماله ما هو فرح برضه.. سيبوه يغنى).. وقد كان".

وسمع العالم كله "مأذون البلد" كما لم يسمعها من قبل، فقد اتجهت أسماع الدنيا إلى راديو القاهرة لتعرف ماذا يجرى، فكان أن غنى لهم رشدى "ييجى يتمم فرحتى.. ويهنى قلبى اللى اتسعد".

إذن كانت شهرزاد أول مطربة تعرف بالثورة قبل 23 يوليو.. وكان رشدى أول من عرف بقيامها من أهل الطرب.. لكن الأغنيات الأولى التى ظهرت تتغنى بحركة الجيش لم تكن إلا موجات عشوائية لم تتبين الفكرة بعد.. مثلها مثل حال "الوفد" و"الإخوان" اللذين أعتقد كل منهما أن لحظته قد حانت للانقضاض على الحكم.. وأشاعا بالفعل أنهما من فجرها.. وهذا ما يكشف السادات سره فى كتابه المهم "صفحات مجهولة".

أما تلك الأغنيات العشوائية فقد مات أغلبها فى ظل مئات الأغنيات التى ظهرت فيما بعد.. وأعتبر المحللون أن حليم هو مطرب يوليو بالمغالطة.. واعتبر البعض جاهين شاعرها والطويل ملحنها.. مع أن الدارس الحقيقى لأغنيات يوليو سيكتشف أن ذلك ليس صحيحا على الإطلاق.. وأن أغنيات يوليو أكبر من أن نختزلها فى ذلك التوصيف المخل.

سنوات تخطت السبعين مضت وما زالت بعض أغنيات يوليو حاضرة.. والكثيرون يحنون إليها.. لكن "ركام السنوات" وتوالى الأحداث "داس" على وقائع وأسماء وأغنيات كثيرة كانت عطر تلك الأيام التى يحن إليها بعضنا.. لكننا لا نعرف كواليس ما جرى، ونحتاج إلى عشرات الكتب مثل كتاب السادات لنعرف حقيقة صناع موسيقى تلك الأيام.. فهل نحاول أن نفعل ذلك بعيدا عن الكتابة الاحتفالية المعتادة؟

عنى سأحاول أن أفعل ذلك.. ربما بدءا من هذه السطور التى أعتبرها مجرد شارة بدء.

 الجيش والأحرار والعهد الجديد

ربما لأول مرة منذ عرف المصريون الغناء فى العصر الحديث يجد الناس ثلاث مفردات جديدة فى أغنياتهم الجديدة.. التحرير، الأحرار، العهد الجديد..

هذه المفردات هى التى حلت فى الأيام الأولى بديلة عن "مليك البلاد يا زين".. لم يكن الغناء فى تلك اللحظة المرتبكة لشخص بعينه.. ولم تكن أهداف الثورة قد اتضحت بعد.. لكن وبعد ثلاثة أسابيع فقط من إعلان "الحركة" غنت شهرزاد مطربة الثورة التى كانت تعرف مسبقا أن شيئا ما سيحدث من كلمات محمد على أحمد، وألحان حسين جنيد "الله أكبر.. الوادى سبح".. وغنى كارم محمود من كلمات حسين طنطاوى "موكب الأحرار".. وغنى عدد كبير فى أغسطس من مطربى تلك الفترة الذين لم نعد نسمع عنهم مثل لوردا كاش، شافية أحمد، فايدة كامل، جلال حرب، محمد صادق، محمد عزمى، إبراهيم الحجار.. ثم كان أن غنت ليلى مراد شعار الثورة "الاتحاد والنظام والعمل".. وغنت برلنتى "وثبة الجيش".. وغنت حفصة حلمى "يا جيش وادينا" وغنت نادرة "يا جيش  بلادنا".. فى هذه الفترة غنى حليم بمشاركة حفصة أغنية لم تعد موجودة أو بالأحرى تم حذف مقاطع كاملة منها تذكر اسم اللواء محمد نجيب، وبقيت أجزاء لا تذاع على الإطلاق فى أى مناسبة..

أغنية حليم لحنها حسين جنيد.. وتقول:

"الجيش كتب صفحة مجيدة

خلى الحياة تصبح سعيدة

قومى يا مصر

يا شباب

يا عماد الوطن

حيوا الجنود

فخر الزمن

كان الأمل وهم وخيال

صبح الأمل أحسن منال"..

هذه ليست الأغنية الوحيدة التى تغنى بها المصريون لمحمد نجيب، فقد تصدر الواجهة كأول رئيس مصري، وليس هنا مجال سرد لرحلة الرئيس.. لكننا نتوقف عند أغنياته التى بلغت 17 أغنية اختفت تماما بعد إبعاده.. ولم يبق منها إلا بضع أغنيات عند هواة التسجيلات النادرة على منصة يوتيوب، ومنها أغنيتان لفريد الأطرش كتبهما عبدالعزيز سلام.. ولا تزال إحداهما بجودة صوتية رائعة..

"عجبى على ثورتك

يا هادم الطغيان

الزيف بلاد القلم

كاتب لها عنوان

ثورة أسد يا نجيب

فرح لها الكون

حتى الحجاز والعراق

وسوريا ولبنان"..

اختفت أغنيات نجيب وقصته ربما لأعوام.. وصلت مشروعات الثورة التى بدأت مبكرا.. وفى مقدمتها الإصلاح الزراعى.. وعرف الغناء المصرى مفردات جديدة تتحدث عن "الفلاح" وعن "القيراط" والفدادين الخمسة.. ولم يكن أمر تطبيق قرار الإصلاح الزراعى بالهين.

كان القضاء على الإقطاع أحد مبادئ يوليو التى كانت تحتاج إلى من يمهد لها ويقنع عموم الناس بها.. ففى الوقت الذى خرج فيه لملوم باشا فى المنيا مهددا بضرب وقطع رأس من يقترب من أرضه، وهاجم قوات الشرطة والسكة الحديد لأيام انتهت باعتقاله، لم يكن قد استقر الأمر بعد.. ولم يكن الغناء لأول مرة ترفا.. بل أصبح ذا وظيفة اسمها إقناع الرأى العام.. فخرجت أغنيات الإصلاح الزراعى وهى كثيرة ولا يزال بعضها باقيا.. مثل استعراض الثلاثى المرح "فدادين خمسة.. خمس فدادين" الذى تم تقديمه فيما بعد بمشاركة فرقة رضا وصوت محمد العزبى.. ومن أشهرها ما غناه عبدالغنى السيد.. "اديتنى الثورة خمس فدادين".

والطريف أن حليم غنى فى هذه الفترة من كلمات أحمد شفيق كامل "م النهاردة وكل فلاح له قيراطه"، لكنها لم تستمر طويلا، فيما استمرت أغنية "عبدالغنى السيد" وأغنية محمد قنديل من ألحان أحمد صدقى "ع الدوار".

وفى تلك الفترة، ظهرت أغنيات كثيرة تحاول شرح مبادئ الثورة.. فكتب مأمون الشناوى "ثورتنا المصرية.. أهدافها الحرية.. وعدالة اجتماعية" ذلك الشعار الذى لا يزال موجودا حتى اليوم فى أى مطالب شعبية.. وغنت فايدة كامل "دقت أجراس الحرية".. وغنى محمد قنديل "قمنا بثورة على الرجعية اللى زمان عملتها وسية.. تلعب فيها وتنصب فيها.. وافتكرتها لقمة طرية".

ولم يكن الإقطاع وحده الذى يواجه "الثورة الجديدة".. كان هناك "الإخوان المسلمون" أيضا الذين لم تنطل خطتهم على الضباط.. فكان حادث المنشية.. وقد أرّخ له الغناء بعدد كبير من الأغانى شارك فى تقديمها مطربون مخضرمون مثل أم كلثوم التى غنت "يا جمال يا مثال الوطنية".. وعبدالوهاب وفريد الأطرش.. وعبدالعزيز محمود.. وغنى المطربون الشعبيون كذلك.. فقد غنى عمر الجيزاوى "سالمة يا سلامة.. ربنا نجانا بالسلامة".. وغنى كارم محمود من كلمات عبدالفتاح مصطفى "حمد الله ع السلامة".. وغنت نجاة الصغيرة من كلمات محمود حسن إسماعيل وألحان حسين جنيد "وحفظتك عيون الرحمن".. ولأول مرة يذكر الإخوان ومرشدهم صراحة، وكان ذلك فى مونولوج محمود شكوكو الذى لحنه محمود الشريف وكتبه فتحى قورة والذى وصف فيه المرشد بأنه "حمار".

نجا عبدالناصر من طلقة الإخوان وظهر اسمه فى أغنيات المصريين.. مثلما ظهر فى مقدمة المشهد المصرى فى ذلك العام الحافل الذى شهد الصراع الأول المعروف بـ"أزمة مارس".. وما بين عامى 54 و56 لحظة انتخابه كرئيس للجمهورية، خرجت أغنيات أخرى معظمها يعلى قيمة الجهاد ضد الاحتلال ويطالب بالجلاء.. ومنذ إعلان الجمهورية وبدء حفلات الإذاعة فى موعد إعلانها كل عام.. أصبح هناك ما يسمى بالأغنية الوطنية. وهذه قصة أخرى طويلة سنفصلها لاحقا.

 	محمد العسيري

محمد العسيري

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من فن

فى ذكرى ميلاده- 2 «بلوتولاند».. ثورة لويس عوض الأولى على عمود الشعر

يُعد ديوان بلوتولاند نموذجاً لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه...

عبدالحليم حافظ.. العندليب يحارب أنصاف الموهوبين رغم الرحيل

المعنى الوحيد الذي أفهمه في قضية الإبداع هو قدرة المبدع على التعبير عن الوطن والناس والتاريخ والأحلام التي تخص الشعب...

عبدالوهاب يتغزل فى وردة بأوراقه الخاصة

أوراق الوردة (15) أنوثة الحنجرة وملكة الحضور وصوت متوحش يغنى على مزاجه هل تستحق 3 أغانٍ وهابية أن تبيع وردة...

دراما رمضان تنتصر لقضايا المرأة

تركز على الطلاق والعقم والصراعات النسائية على الأموال