نواصل فى هذه الحلقات الحديث حول تجربة مراد منير المسرحية كواحد من أهم جيل المخرجين التالى لجيل الستينات،
وهذا الجيل من المسرحيين وخاصة من الكتاب والمخرجين أسميه جيل النهضة والسقوط، فهو الجيل الذى عاش لحظات مضيئة من عمر المسرح المصرى حين كانت له الكلمة العليا وحين كانت أقدام الجمهور تحفظ طريقها جيداً إلى المسارح التى كانت مرآة صادقة لواقعهم، حين كان المشاهد يجد قضاياه وأسئلة اللحظة الراهنة فى هذا المسرح، وأيضاً عاش هذا الجيل الذى ينتمى إليه مراد منير لحظات التراجع التى وصلت إلى مرحلة السقوط فى سبعينات وثمانينات القرن الماضى، حين ابتعد المسرح عن قضايا الواقع فابتعد عنه جمهوره.
كان الجمهور القضية الكبرى فى مشوار مراد منير كما ذكرت فى الحلقة الأولى وظل يبحث عن صيغ وأساليب مسرحية يصل بها إلى وجدان الجماعة الشعبية وجاءت مسرحية «لولى» فى هذا السياق، بل وكانت نموذجاً رائعاً للمسرح الغنائى الاستعراضى، ولن أبالغ أن مسرح الدولة لم يقدم مسرحية متكاملة العناصر لهذا النوع من المسرح منذ عام 1994 بعد هذا العرض، وفى أحيان كثيرة كان الاهتمام بعناصر الفرجة المسرحية يأتى على حساب البناء الدرامى، على حساب الحبكة وخط سير الأحداث، وكان مراد منير يغضب حين كنت أكتب هذه الملاحظة والتى كنت أقصد بها رغبته فى تقديم هذه العناصر التى تساهم فى التواصل بين حيز اللعب وحيز المشاهدة حيث يستمتع الجمهور بهذه الفنون، بل ويتعرف من خلالها على صفات وطبائع شخصيات العرض.
وفى عرض «لولى» واستكمالاً لما بدأته فى الحلقة السابقة وبعد أن يقدم المخرج مجموعة من اللوحات الاستعراضية الغنائية يتعرف الجمهور من خلالها على الشخصيات ومنها «الخال» كبير الغجر شخصية عدمية، سكير، يعيش بين النوم واليقظة ويشكّل مع زوجته شهربان ثنائى الزوج والزوجة فى الأعمال الكوميدية، حيث التناقض بين الشخصيتين الذى تتولد عنه مجموعة من المفارقات المضحكة، ولولى «فايزة كمال» التى تهرب من حياتها وتضحى بكل شىء، ويضحى الضابط بكل ما يملك، وينتهى الفصل الأول بمقتل «عليوة» وهو منافس الصغير جان الغجر فى حب لولى برصاص الضابط، أو رصاص السلطة الذى أصاب صدر الغجر العارى بلا حماية، وإمعاناً فى فكرة القهر يتم اتهام أحد أبناء الغجر، فكان لا بد من فعل يبرر التحولات والهروب، فيتم اتهام الصغير، وتهرب لولى ويهرب الضابط. وهنا يمكن أن نعود إلى «كارمن» مع بروسبير مريميه وجورج بيزيه حيث تحولت إلى أوبرا كوميك، أوبرا مضحكة وإن كان يغلب عليها فى بعض الأحيان الطابع المأساوى ممثلاً فى مصير خوسية، ومقتل كارمن، ولم يخرج عرض لولى بكل مفرداته عن هذه الصيغة والتى هى أقرب فى بنائها إلى الأوبريت، فثمة مقاطع حوارية غير ملحنة، وألحان سهلة سريعة الحفظ بالإضافة إلى حوار كلامى يطرح موقفاً درامياً، لكن البنية العميقة للعرض تعتمد على الغناء والموسيقى والاستعراض وفنون الفرجة، لقد استفاد مراد منير من كل مفردات فنون الفرجة، والكوميديا الموسيقية وعروض المنوعات ووضعها فى هذا العرض.
ليكون الفصل الثانى فصل التحولات والمصائر وهو أكثر تماسكاً على مستوى البنية الدرامية، وإن كان الجانب المشهدى بكل مفرداته هو الأساس.. ليبدأ بالمصائر القاسية وتجسيد الجانب المأساوى حيث الصغير «محمد الحلو» أحد ضحايا لولى، الهارب من جريمة لم يرتكبها متنكراً فى حانة يغنى ويهبط الضابط ولولى فى ملابس تنكرية، فالجميع يمارس لعبة التنكر، ولا يخلو المشهد من غناء واستعراض، بل ويقتحم الحكاية عاشق جديد وهو لاعب سيرك حتى تستمر فنون الفرجة وألعاب الأكروبات، والساحر وفنون السيرك الأخرى.. وفى هذا المشهد تكشف الشخصيات عما بداخلها وتحدث المكاشفة ويتحدث شريف والضابط أعداء الأمس كصديقين، ضحايا عشق لولى التى تهرب مع الساحر بعد أن تعصف بالضابط «مقدرش أحبك غير وأنا حرة، أنا زى المهرة مقدرش أعيش مخنوقة» ولأن المصائب يجمعن المصابينا يطوف الضابط الهارب والصغير المطارد معاً، ويلتقيان لولى فى السيرك مع العاشق الأخير، فيطعنها الضابط فى مشهد مأساوى ويبكيها كما بكى خوسيه كارمن قبل أن يدفنها فى الغابة. وتغنى المجموعة فى لوحة استعراضية آه لولى، آه يا لولى كما بدأت! لينتهى العرض الذى يعد بمثابة آخر عروض المسرح الغنائى الكبرى التى قدمها قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية واجتمعت له مجموعة من العناصر الموسيقار عمار الشريعى وأيضاً ألحان الشيخ إمام، والشاعر أحمد فؤاد نجم واستعراضات عادل عبدة بالإضافة إلى فنون لاعبى السيرك المصرى، وديكور حسين العزبى الذى استطاع أن يجسد هذا العالم الذى يمزج بين حياة الغجر وعالم المدينة فى أسلوب تجريدى اعتمد على الإيحاء، والرمزية فقد اعتمد على المصاطب والدرج وقطع الديكور البسيطة، وغناء محمد الحلو هذا المطرب الكبير الذى تمنيت بعد أن شاهدته فى مسرحية لولى مع مراد منير ألا يفارق المسرح أبداً فأعماله علامات مميزة ومؤثرة فى وجدان الجمهور.. وفى هذه المسرحية أكد مراد منير المخرج الموهوب أن هذا القالب جزء من مشروعه المسرحى الذى يعتمد على فنون الفرجة والغناء والاستعراض، من خلال عرض «لولى» الذى جمع بين الموسيقى والغناء والاستعراض، وانحاز للجانب المشهدى بكل عناصره على حساب الجانب الدرامى، ربما يختلط الأمر على المشاهد ويتساءل هل هى مسرحية غنائية استعراضية أم أوبريت يغلب عليه طابع الكوميديا رغم الجانب المأساوى، أى أقرب إلى الأوبرا كوميك، أم أقرب إلى عروض المنوعات، وظنى أن عرض لولى استفاد من كل هذه الأساليب ليقدم عرضاً غنائياً استعراضياً ممتعاً يجسد مأساة الحب والحرية.. ونزعة التمرد التى تعصف بمصير الإنسان فى أحيان كثيرة حين يقف فى وجه القدر، قدم أوبرا كارمن الغجرية الإسبانية التى جسدتها رواية الفرنسى مريميه بالكلمات وخلدها مواطنه بيزيه بالموسيقى من خلال أوبرا كارمن التى تحولت إلى عرض لولى المصرية بأشعار أحمد فؤاد نجم وموسيقى عمار الشريعى ورؤية إخراجية مصرية لمراد منير.
وفى كل عروضه كان مراد منير يقدم بالإضافة إلى فنون الفرجة وعناصر المسرح الغنائى طابعاً مصرياً مرجعه ثقافة هذا المخرج ومواقفه السياسية التى قادته إلى المعتقل فى مطلع شبابه، ولا يمكن إهمال اختياره للنصوص الذى تحدثت عنه سلفاً سواء أكانت لكتاب مصريين أو عرب أو أجانب، ففى كل الأحوال سيتم تمصيرها على مستوى الشكل والمضمون وعرض الملك هو الملك للسورى سعدالله ونوس نموذجاً والذى سوف أتعرض له الأسبوع القادم بالتفصيل.. هذا العرض الذى قدمه مراد منير عدة مرات كانت المرة الأولى عام 1988 والأخيرة عام 2006 وتم تسجيله للتليفزيون المصرى من بطولة صلاح السعدنى وحسين الشربينى وعلى حسنين وفايزة كمال والفنان محمد منير وقد أثار العرض جدلاً كبيراً حال عرضه فى مصر أو فى سوريا. «وللحديث بقية»
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
يُعد ديوان بلوتولاند نموذجاً لرسالة لويس عوض الفكرية ورغبته الغريزية في التجديد والتجريب، وأنه كان يشعر في قرارة نفسه أنه...
المعنى الوحيد الذي أفهمه في قضية الإبداع هو قدرة المبدع على التعبير عن الوطن والناس والتاريخ والأحلام التي تخص الشعب...
أوراق الوردة (15) أنوثة الحنجرة وملكة الحضور وصوت متوحش يغنى على مزاجه هل تستحق 3 أغانٍ وهابية أن تبيع وردة...
تركز على الطلاق والعقم والصراعات النسائية على الأموال