مخطّط الشرق الأوسط الجديد: استهداف مستمر لهوية المنطقة وإرادتها

مصطلح الشرق الأوسط الجديد يلقى رواجا كبيرا في الأيام الماضية

سواء في سياق أخبار سياسية متلاحقة أو في محطّات تاريخيّة مفصليّة، وقفت منطقة الشرق الأوسط في قلب العالم، تربط القارات وتحتضن إرثاً حضارياً وثقافياً يمتد لآلاف السنين. هذا الامتياز الجغرافي والثقافي جعلها دائماً هدفاً لنزعات القوى الكبرى الهادفة لإعادة تشكيلها وفقاً لأجنداتها الخاصة، فيما عُرف بمخطّط "الشرق الأوسط الجديد". ورغم البريق الذي تحاول أطراف خارجية إضفاءه على هذا التصوّر، فإن الحقيقة هي أنه يؤسّس لإقصاء إرادة شعوب المنطقة، ويسعى لفرض ترتيبات لا تأخذ بعين الاعتبار مصالحها أو هويتها المتجذّرة.

هندسة اجتماعية مفروضة من الخارج

يعتمد مخطّط الشرق الأوسط الجديد على إحداث تغييرات بنيوية في النسيج المجتمعي للمنطقة عبر إذكاء الاختلافات الطائفية والإثنية والقبلية، واستخدامها كأدوات تفكيك وتجزئة. هذه الهندسة الاجتماعية المصطنعة لا تعكس رغبات الشعوب، بل تخدم مصالح خارجية تبحث عن ضمان مصالح اقتصادية وسياسية، وتحاول إضعاف القلاع الحضارية التي تمتد من وادي النيل وصولاً إلى أعالي دجلة والفرات. إن تحويل التنوّع البشري الذي لطالما ميّز الشرق الأوسط إلى ساحة تناحر داخلي، ليس سوى اعتداء صارخ على حق شعوبه في صياغة مستقبلهم المشترك.

إجهاض محاولات الاستقلال الاقتصادي

لا يكتفي هذا المخطّط بالتدخّل السياسي، بل يسعى إلى إبقاء اقتصادات المنطقة في دائرة التبعية، بحيث تظل رهناً بتدفقات الأموال والاستثمارات المشروطة التي تُدار من خارج حدود المنطقة. ويأتي هذا في وقت تملك فيه دول الشرق الأوسط ثروات هائلة، بدءاً من النفط والغاز وصولاً إلى الموارد البشرية والطبيعية المتنوّعة. إن تصوّر شرق أوسط مُجزّأ ومقسّم إلى كيانات ضعيفة هو استثمار طويل الأمد بالنسبة لمن يعتبر أن استقرار المنطقة الاقتصادي يشكل تحدّياً لطموحاته الأنانية. في المقابل، فإن أي مشروع نهضوي ينبع من المنطقة نفسها يُعدّ تهديداً لتلك القوى التي تسعى لإدامة تبعية شعوب الشرق الأوسط لخياراتها.

إضعاف الدور الحضاري للمنطقة

لم يكن الشرق الأوسط قط مجرّد مساحة جغرافية، بل أسهمت حضاراته في نشأة الأبجدية والقانون والفلسفة والعلوم. واليوم، تبدو محاولة صياغة "شرق أوسط جديد" مفصولة عن ذلك الإرث الحضاري، كأنما الهدف هو إلغاء ذاكرة جماعية حاضنة لقيم إنسانية عالمية. بتغيير المعادلات الداخلية، تُرفع أصوات الهويات المجزّأة على حساب الهوية الجامعة، ويتقلّص دور المنطقة كمنارة ثقافية ومعرفية قادرة على الإسهام في مستقبل البشرية. هذه ضربة موجهة إلى روح الشرق الأوسط التي لطالما كانت مركز إشعاع حضاري.

رهانات الشعوب على وحدتها الداخلية

على الرغم من كل المحاولات الخارجية لتفتيت النسيج الاجتماعي، أثبتت شعوب المنطقة مراراً قدرتها على التماسك في مواجهة التحدّيات. ويُعدّ الوعي الشعبي بمخطّطات التقسيم خطوة أولى نحو التصدي لها، حيث تتعزّز فكرة أن مصير الشرق الأوسط لا يمكن أن يُرسم بقلم أجنبي. إن الرهان الحقيقي هو على وحدة الصف وتبنّي مشروعات تنموية داخلية، والانفتاح على حوار حقيقي بين مكوّنات المجتمعات الشرق أوسطية بعيداً عن أجندات القوى الطامعة.

استعادة زمام المبادرة

في نهاية المطاف، فإن الطريق إلى إفشال مخطّط الشرق الأوسط الجديد يكمن في عودة زمام المبادرة إلى أهل المنطقة أنفسهم. لديهم من الموارد الفكرية والبشرية والاقتصادية ما يمكّنهم من بلورة مشاريع تنموية متكاملة، تحقق استقلالاً ذاتياً في المجالات الاستراتيجية، وتعيد توجيه البوصلة نحو مستقبل أكثر إشراقاً. إن تحقيق هذه الأهداف ليس بالمهمة السهلة، لكنه ليس مستحيلاً، خاصة مع ازدياد الوعي الشعبي وتحفّز النخب الفكرية والثقافية لاستعادة روح الانتماء المشترك.

ختاماً، إن "مخطّط الشرق الأوسط الجديد"، مهما بدا مدعوماً ومبشّراً بنظام إقليمي مبتكر، سيظل في نظر شعوب المنطقة محاولة بائسة لإعادة صوغ خرائطها وهويّاتها دون موافقتها. لكنّ هذا المخطّط سيتعثر أمام أصالة الشرق الأوسط وصموده، وإصرار أبنائه على إبقاء زمام أمورهم بأيديهم، وتعزيز مكانتهم كقوة حضارية واقتصادية وثقافية قادرة على صياغة مصيرها وفق رؤيتها الخاصة.

 

موضوع تسجيلي

موضوع تسجيلي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ملفات عرب وعالم

العالم العربي 2025.. وقف حرب غزة وتزايد الاعترافات بفلسطين وسوريا "دولة العام"

عام "فلسطيني" بامتياز .. من وقف الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.. الى تحول ملموس في التوجه الدولي تجاه الحق الفلسطيني،...

المشهد العالمي في 2025.. ارتفاع غير مسبوق في عدد النزاعات.. وتصاعد التوترات  

مع استقبال العام الجديد.. وفي نظرة سريعة لأهم الاحداث العالمية على مدار عام 2025.. لا يزال يعيش على وقع نيران...

من مصر إلى العراق.. 67 قمة عربية خلال 80 عاما

منذ تأسيس جامعة الدول العربية قبل 80 عاما.. وصل عدد القمم العربية إلى 67 قمة.. عقدت تحت نار الأزمات وارتبطت...

كشمير .. صراع تاريخي يتجدد بين الهند وباكستان

كشمير.. كلمة السر في الصراع الممتد عبر 8 عقود بين الهند وباكستان .. والسبب الرئيسي في واحدة من أطول الحروب...