السيارة الحمراء

لماذا نرى في العلاقات ما نبحث عنه؟ لأن الوعي لا يلتقط الواقع كما هو… بل كما اعتاد أن يراه.

منى عبد العزيز
مستشارة علاقات زوجية وأسرية
نائب رئيس المجلس الاستشاري الأسري المصري

 

ربما مررت يومًا بتجربة بسيطة:
لم تكن تنتبه أبدًا لسيارة حمراء في الطريق، حتى قررت شراء واحدة، أو أخبرك أحد عنها… فجأة صارت في كل مكان.

الطريق نفسه، السيارات نفسها، لكن ما تغيّر هو انتباهك.

هذه الظاهرة النفسية البسيطة تُعرف شعبيًا بـ “نظرية السيارة الحمراء”، وهي ليست مجرد مثال عابر، بل مفتاح لفهم كيف يعمل وعينا، وكيف نرى العالم… والعلاقات.

ما هي “نظرية السيارة الحمراء”؟

تشير هذه النظرية إلى أن عقل الإنسان لا يرى كل ما حوله، بل ينتقي ما ينسجم مع تركيزه المسبق. فالدماغ، بحكم طاقته المحدودة، يقوم بعملية ترشيح مستمرة: ما يهمّني أراه، وما لا أبحث عنه… يمر دون أن ألاحظه.

ليست المشكلة في الواقع، بل في زاوية الإدراك.

من الطريق إلى العلاقات… كيف تنتقل النظرية؟

ما يحدث مع السيارة الحمراء، يحدث بحذافيره داخل العلاقات الإنسانية.
حين تدخل علاقة وأنت تحمل فكرة مسبقة مثل:
“الرجال لا يلتزمون”
“النساء يبالغن في الطلب”
“القرب مؤلم”
“الحب يعني التنازل”

سيبدأ عقلك—دون وعي منك—في التقاط كل ما يدعم هذه الفكرة، وتجاهل كل ما يناقضها. فتصبح العلاقة ساحة إثبات، لا مساحة تعارف.

دور الوعي: هل نرى الشريك… أم نرى توقعاتنا؟

الوعي هنا يلعب الدور الأخطر. فنحن لا ندخل العلاقات بصفحة بيضاء، بل بخريطة قديمة:
تجارب سابقة، قصص سمعناها، جروح لم تُشفَ، ومخاوف لم ننتبه لها.

ومع كل موقف، يسأل العقل سؤالًا خفيًا: “هل هذا يؤكد ما أعتقده؟”

فإذا كان الجواب نعم، يتم تسجيله فورًا. وإذا كان لا، يتم تجاهله أو التقليل من شأنه.

حين يتحوّل الإدراك إلى فخ

المشكلة لا تبدأ حين نرى “السيارة الحمراء”، بل حين ننسى أن الطريق مليء بألوان أخرى.

في العلاقات، هذا الفخ يظهر عندما:
نرى الإهمال ونتجاهل الاهتمام
نركز على الزلة وننسى محاولات الإصلاح
نترقب الخذلان فنعيش في حذر دائم
نفسر الصمت كرفض، والاختلاف كتهديد

وهكذا، نعيش داخل علاقة لا كما هي… بل كما تبدو لنا من خلال عدسة واحدة.

هل هذا يعني أن الألم وهم؟
بالطبع لا.
الألم حقيقي، والمواقف حقيقية، والتجارب لا يمكن إنكارها.

لكن السؤال الأهم: هل نرى الصورة كاملة؟
أم نعيش داخل جزء منها فقط؟

فالوعي لا ينفي الواقع،
لكنه يحدد أي جزء منه نضخّمه، وأي جزء نُهمّشه.

كيف نحرّر إدراكنا داخل العلاقات؟

التحرر لا يعني إنكار المشاعر، بل توسيع مجال الرؤية.
راقب أفكارك قبل تصديقها
اسأل نفسك:
هل هذا ما حدث فعلًا؟
أم ما توقعت أن يحدث؟

فرّق بين الموقف والتفسير
الموقف: لم يتصل اليوم.
التفسير: “لا يهتم بي”.
التفسير ليس حقيقة… بل احتمال.

انتبه لما تتجاهله
اسأل:
ما الذي أراه بوضوح؟
وما الذي قد أكون أتجاهله لأنّه لا يناسب قصتي؟

وسّع عدسة الوعي
بدل سؤال:
“لماذا يحدث معي هذا دائمًا؟”
جرّب:
“ما الذي أكرره دون أن أنتبه؟”

العلاقات لا تتغير فقط بتغيير الشريك…

أحيانًا لا نحتاج علاقة جديدة، بل زاوية نظر جديدة. فالوعي حين يتغير، تتغير الإشارات التي نلتقطها، والتجارب التي نسمح لها أن تتكرر.

الطريق لم يمتلئ فجأة بسيارات حمراء… وعلاقاتنا لم تصبح فجأة مؤذية أو مخيبة.

ما تغيّر هو ما قرر وعينا أن يراه. وحين نُدرّب الإدراك على الاتساع، نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لرؤية الواقع كما هو… لا كما اعتدنا أن نخاف منه.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

منى عبد العزيز
منى عبد العزيز
غغ

المزيد من مقالات

حرية الإعلام بين حق المعرفة ومسؤولية النشر!

في كل مرة يُعاد فيها طرح سؤال حرية الإعلام، يتجدد الجدل حول المعنى والحدود ! هل الحرية تعني الحصول على...

وانطلق مدفع الإفطار، حكايات رمضانية

شهر رمضان يمثل قيمة كبرى في العالم الإسلامي على مدى التاريخ وارتبط بمفردات دينية تراثية محفورة في ذاكرة العالم الإسلامي...

متلازمة المناسبات السعيدة: لماذا نحزن حين يُفترض أن نفرح؟

في كل مناسبة سعيدة، يُفترض أن نشعر بالفرح تلقائيًا. رمضان، العيد، خطوبة، زفاف، نجاح، لقاء عائلي… لكن الواقع أن كثيرين...

الدعاية والإعلان والإعلام وصناعة الوعي!

في عالم اليوم، لم يعد الوعي الجمعي يتشكل تلقائيًا، بل أصبح نتاجًا مباشرًا لتدفق مستمر للرسائل الإعلامية، والإعلانية والدعائية لكن...