حرب أكتوبر .. أسرار وحكايات

رغم 50 عاما على نصر أكتوبر .. ما زالت حرب أكتوبر 1973 تحمل بين طياتها الكثير من الأسرار التي لا نعلمها بعد .. ولايزال هناك كثير من التفاصيل والحكايات لم تعلن بعد عن النصر المجيد .. لكننا نملك ونعرف قصصا بطولية ومعجزات عسكرية لأبناء الجيش المصري يجب أن نظل نسردها ونحكيها للأجيال الجديدة.

ومازال هناك الكثير والكثير من الحكايات والتفاصيل والأسرار التي تحكى عن أبطال لا يعرفون المستحيل ولا يقهرهم خوف بدمائهم ساهموا فى تسطير نصر أعاد للأمور نصابها والأرض لأصحابها.

كانت حرب أكتوبر معجزة، ليس فقط فى عبور قناة السويس أكبر حاجز مائى وتحطيم خط بارليف الحصين الذى كان واحدا من أكثر الخطوط تحصينا فى تاريخ الحروب الحديثة لكنها كانت تمثل تحديا كبيرا للمصريين على جميع المستويات.

وما زال نصر أكتوبر مليء بالعديد من الأسرار والحكايات التي تستحق تسليط الضوء عليها واستعادة ذكرياتها، فتلك الحرب أثبتت للعالم أجمع شجاعة المصريين وتضحياتهم ودقة الإعداد والتخطيط والتنفيذ.

- يوم الغفران "كيبور"

لم يكن اختيار يوم السادس من أكتوبر وهو يوافق يوم "عيد الغفران" عند اليهود لبدء الحرب مجرد صدفة فقد سبقه تفكير طويل وحسابات معقدة.

كان تحديد اليوم أحد عناصر المفاجأة التي شلت حركة إسرائيل في الأيام الأولى للحرب.

الفريق محمد عبد الغنى الجمسى رئيس هيئة العمليات ورئيس أركان القوات المسلحة خلال الحرب قال فى مذكراته: وضعنا فى هيئة العمليات دراسة على ضوء الموقف العسكرى للعدو وقواتنا، وفكرة العملية الهجومية المخططة والمواصفات الفنية لقناة السويس من حيث المد والجزر، درسنا كل شهور السنة لاختيار أفضلها لاقتحام القناة على ضوء حالة المد والجزر وسرعة التيار واتجاهه.

واشتملت الدراسة أيضا جميع العطلات الرسمية فى إسرائيل بخلاف يوم السبت وهو يوم إجازتهم الأسبوعية، حيث تكون القوات المعادية أقل استعداد للحرب.

وجدنا أن لديهم ثمانية أعياد منها ثلاث أعياد فى شهر أكتوبر وهم يوم كيبور وعيد المظلات وعيد التوارة. وكان يهمنا فى هذا الموضوع معرفة تأثير كل عطلة على اجراءات التعبئة فى إسرائيل.

ولإسرائيل وسائل مختلفة لاستدعاء الاحتياطى بوسائل غير علنية ووسائل علنية تكون بإذاعة كلمات أو جمل رمزية عن طريق الإذاعة والتليفزيون ووجدنا أن "يوم كيبور" هو اليوم الوحيد خلال العام الذى تتوقف فيه الإذاعة والتليفزيون عن البث كجزء من تقاليد هذا العيد أى أن استدعاء قوات الاحتياط بالطريقة العلنية السريعة غير مستخدمة وبالتالى يستخدمون وسائل أخرى تتطلب وقتا أطول لتنفيذ تعبئة الاحتياطي وكان يوم السبت ـ عيد الغفران ـ 6 أكتوبر 1973 وهو أيضا العاشر من رمضان أحد الأيام المناسبة وهو الذى وقع عليه الاختيار.

من هنا جاءت الحرب كمفاجأة شبه تامة مما جعل التعبئة المنتظمة لقوات الاحتياط في ساعة الصفر أمرا مستحيلا.

- الشفرة النوبية

تعتبر "الشفرة النوبية" من أبرز أسرار حرب أكتوبر فقد تم استخدام لهجة من لهجات اللغة النوبية كشفرة حرب حيرت العدو وأصابتهم بالجنون نظرا لصعوبة فكها.

كانت الشفرات أول ما يفكر فيه العدو وكانوا يتلصصون عليها لفكها، لذلك أثارت فكرة غريبة اهتمام قادة الجيش عندما تم عرضها من قبل أحد الجنود، وعلى الرغم من أنها كانت فكرة بسيطة للغاية ولكنها كانت عجيبة.

تلك الفكرة التي كان بطلها الجندي المصري النوبي أحمد إدريس الذي انضم بعد تدريبه بفترة لقوات حرس الحدود، وأثناء ذلك كانت الصدفة هي التي جعلته ضمن مناقشة طويلة بين عدة ظباط عن معضلة الوصول إلى شفرة لاستخدامها في التواصل وفي نفس الوقت يصعب على العدو فكها.

بعبارة بسيطة تدخل الجندي الشاب أحمد إدريس قائلا إن اللغة النوبية هي الحل لتصبح لغة الإرسال وعندما يحاول العدو فك شفرتها لا يجد أمامه إلا كلمات غير مفهومة لغة بلا أبجدية موثقة، وعندما استمع قائده لتلك الفكرة البسيطة رغم غرابتها أبلغها لقادته الذين أبلغوه فورا باستدعاء ذلك الجندي صاحب الفكرة ليشرحها أمامهم، وبالفعل أبلغوها للرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي أمر بالتكتم على تلك الفكرة وعدم التحدث عنها نهائيا.

وتم جمع 344 جنديا مصريا نوبيا يعلمون كل شيء عن اللغة النوبية لتصبح كلمة السر تلك اللغة غير الموثقة كتابيا، وتعتمد على قولها فقط على مر السنين ولا يوجد لها أي مرجعية يستطيع أحد فهمها، وبالفعل تم اعتمادها من قبل الجيش المصري كسرا لشفرة في الحرب، خاصة أنها فكرة غريبة لم يلجأ لها الجيش من قبل على عكس تلك الشفرات المعقدة، وبالفعل بدأ تدريب الجنود النوبيين على أجهزة اللاسلكي الصغيرة، وتحديد الكلمات النوبية التي سيتم إطلاقها على الجنود والدبابات ومختلف الأوضاع.

"ساع آوي وأوشريا" .. في يوم السادس من أكتوبر كان كل قائد لديه خطاب مغلق يتم فتحه الساعة الثانية إلا عشر دقائق، وفي الوقت المنصوص عليه تم فتح الخطابات ليجدوا فيها أشهر كلمتين كانوا سببا من أسباب النصر وهما "أوشريا" والتي تعني اضرب ويقصد بها إصدار الأمر لكل الوحدات لبدأ إطلاق النيران، و"ساع آوي" ومعناها الساعة الثانية ظهرا ويقصد بها ساعة الصفر وموعد الضربة.

لتساهم بذلك الشفرة النوبية و صاحب فكرتها الجندي أحمد إدريس بقدر كبير في نصر حرب أكتوبر، وذلك لأن استخدام الشفرة النوبية أدهش العدو طوال الحرب بسبب عدم فهمهم تلك اللغة أو معرفة أصلها حتى أنهم ظنوا أن المصريين اخترعوا لغة جديدة.

- حائط الصواريخ

حائط الصواريخ كان له دور فعال فى حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر والذى قطع الذراع الطولى لإسرائيل، وحمى سماء مصر من الطائرات الإسرائيلية، بل كان نقطة تحول للقوات المصرية فلم تشعر مصر بالاطمئنان لقدرتها على اتخاذ قرار الحرب الشاملة إلا بعد أن نجحت فى إقامة حائط الصواريخ المضاد للطائرات على طول خط المواجهة وفى العمق المصري.

وكان لهذا الحائط دور كبير فى تحييد القوات الجوية الإسرائيلية خلال حرب أكتوبر 1973، مما سهل عملية العبور واجتياز خط بارليف وإتاحة رءوس الكبارى على الضفة الشرقية لقناة السويس.

بعد نكسة 1967 كانت العقبة الكبيرة التي واجهت القوات المسلحة هي تفوق سلاح الطيران الإسرائيلى خصوصا بعد أن قامت الولايات المتحدة بإمداد إسرائيل عام 1968 بطائرات إف 4 "فانتوم" وهو الأمر الذى ضاعف من مسافة وقوة نيران الذراع الإسرائيلية.

أدى تفوق الطيران الإسرائيلى إلى تفكير مصر فى إنشاء سلاح للدفاع الجوى كقوة مستقلة، وفى أول فبراير1968 صدر قرار جمهورى بإنشاء قوات الدفاع الجوى واعتبارها أحد الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة.

استمرت القوات الجويه الإسرائيلية في توجيه غارات متلاحقة على القوات المصرية فى جبهة القناة بفضل تفوقها النوعي وبدا للقيادة السياسية استحالة إيقاف هذه الغارات واقتحام القناة فى حرب شاملة دون غطاء جوى بصواريخ الدفاع الجوي، فسارعت بالتصديق على الخطة التى تقدمت بها قيادة قوات الدفاع الجوى وتهدف إلى بناء دفاع جوى جديد فى الجبهة.

ارتكزت تلك الخطة على بناء سلسلة من قواعد صواريخ "سام" الروسية المضادة للطائرات، هدفه بسط سيطرته إلى أقصى مسافة شرق القناة ويقدر على الصمود أمام طيران العدو.

بدأت القيادة العامة للقوات المسلحة فى دعم قيادة الدفاع الجوى بأنواع حديثة من الأسلحة والمعدات الإلكترونية والصواريخ المضادة للطائرات التى تطير على ارتفاعات منخفضة، وتابع رجال الدفاع الجوى إنشاء المواقع الحصينة على اتساع رقعة الدولة من الإسكندريه إلى أسوان ومن مطروح إلى بور سعيد والوصول بكتائب حائط الصواريخ إلى منطقة القناة.

وكرست الدولة إمكاناتها المادية والهندسية لبناء تلك المواقع فى أقصر وقت ممكن مع تجهيز الطرق وإقامة الموصلات السلكية واللاسلكية.

استغرق بناء حائط الصواريخ 40 يوما شاركت فيه شركات البناء الكبيرة كلها بمهندسيها وفنييها وعمالها مع مقاتلى الدفاع الجوى وسلاح المهندسين وكان يضم مجموعات منفصلة من قوات الدفاع الجوي "المدفعية المضادة للطائرات، ووحدات الصواريخ، وأجهزة الرادار والإنذار"، إضافة إلى مراكز القيادة المشتركة التى أنشأتها مصر عام 1970 بهدف صد الهجمات الجوية الإسرائيلية.

وفى الثلاثين من يونيه عام 1970 اكتمل بناء حائط الصواريخ على امتداد جبهة قناة السويس وتمكنت تجميعات الدفاع الجوى صباح يوم 30 يونيه 1970 من إسقاط طائرتين فانتوم، وطائرتين سكاى هوك وتم أسر ثلاثة طيارين إسرائيليين وكانت هذه أول مرة تسقط فيها طائرة فانتوم .

وتوالى بعد ذلك سقوط الطائرات حتى وصل العدد إلى 12 طائرة بنهاية الأسبوع وهو ما أطلق عليه أسبوع تساقط الفانتوم وانهار التفوق الجوى للعدو فوق جبهة قناة السويس مما أجبر إسرائيل على قبول "مبادرة روجرز" لوقف إطلاق النار اعتبارا من صباح 8 أغسطس 1970.

وخلال فترة وقف إطلاق النار نجحت قوات الدفاع الجوى فى حرمان العدو الجوى من استطلاع قواتنا غرب القناة بإسقاط طائرة الاستطلاع الإلكترونى "الإسترا توكروزار" صباح يوم 17 سبتمبر 1971، وإدخال منظومات حديثة من الصواريخ "سام 2 وسام 6"، لاستكمال بناء حائط الصواريخ استعدادا لحرب التحرير، وكانت مهمة قوات الدفاع الجوى بالغة الصعوبة لأن مسرح العمليات لا يقتصر فقط على جبهة قناة السويس بل يشمل أرض مصر كلها بما فيها من أهداف حيوية سياسية واقتصادية وقواعد جوية ومطارات وقواعد بحرية وموانئ استراتيجية.

واكتمل أكبر حائط للصواريخ فى العالم بعمق 70 كم بين الدلتا ومدن القناة وطول بلغ 120 كم بمحاذاة القناة، وذلك بقوات دفاع جوى بلغت 132 كتيبة من صواريخ سام 2 / سام 3 ، بالإضافة إلى 3 ألوية من صواريخ سام 6 ، مع 3475 مدفعا مضادا للطائرات من طرازات مختلفة، واشتركت فى بنائه 21 شركة مصرية كبرى للمقاولات، قامت جميعها بحفر 795 مليون متر مكعب من الأتربة، وصب 1.4 مليون متر مكعب من الخرسانة العادية و 1.7 مليون متر مكعب من الخرسانة المسلحة، ورصف 800 كم من الطرق الإسفلتية و 3000 كم من الطرق الترابية.

ومع الانتهاء من حائط الصواريخ كانت القوات المسلحة قد وضعت اللبنة الأولى فى صرح الانتصار العظيم للجيش المصرى فى حرب أكتوبر 1973، حيث كان له الفضل فى تحييد القوات الجوية الإسرائيلية في حرب أكتوبر 1973، فخلال الأيام الثلاثة الأولى من الحرب فقد العدو الجوى الإسرائيلى أكثر من ثلث طائراته وأكفأ طياريه الذين كان يتباهى بهم.

وكانت الملحمة الكبرى لقوات الدفاع الجوى خلال حرب أكتوبر، مما جعل موشى ديان يعلن فى رابع أيام القتال أنه عاجز عن اختراق شبكة الصواريخ المصرية.

- خط بارليف 

يعد "خط بارليف" سلسلة من التحصينات الدفاعية التي كانت تمتد على طول الساحل الشرقي لقناة السويس، حيث قامت إسرائيل ببنائه بعد احتلالها لسيناء بعد حرب عام 1967، بهدف تأمين الضفة الشرقية لقناة السويس ومنع عبور أي قوات مصرية إليها.

سمي "خط بارليف" بذلك الإسم نسبة إلى حاييم بارليف القائد العسكري الإسرائيلي، ويبدأ من قناة السويس وحتى عمق 12 كيلومترا داخل شبه جزيرة سيناء على امتداد الضفة الشرقية للقناة.

وروجت إسرائيل طويلا لخط بارليف على أنه يستحيل عبوره وأنه يستطيع إبادة الجيش المصري إذا حاول عبور قناة السويس، مدعية أنه أقوى من خط "ماجينو" الذي بناه الفرنسيون بعد الحرب العالمية الأولى.

ويتكون من تجهيزات هندسية ومرابض للدبابات والمدفعية وتحتله احتياطيات من المدرعات ووحدات مدفعية ميكانيكية، بطول 170 كيلومترا على طول قناة السويس، وتكلف بناؤه نحو 500 مليون دولار.

تميز "خط بارليف" بساتر ترابي ارتفاعه يتراوح بين 20 و22 مترا، وانحدار بزاوية 45 درجة على الجانب المواجه للقناة، كما تميز بوجود 20 نقطة حصينة على مسافات تتراوح بين 10 و12 كيلومترا وفي كل نقطة نحو 15 جنديا تنحصر مسئوليتهم في الإبلاغ عن أي محاولة لعبور القناة وتوجيه المدفعية إلى مكان القوات التي تحاول العبور.

كما احتوى الخط على مصاطب ثابتة للدبابات، بحيث تكون لها نقاط ثابتة للقصف في حالة استدعائها في حالات الطوارئ، وضمت قاعدته أنابيب تصب في قناة السويس لإشعال سطح القناة بـ"النابالم" في حالة محاولة القوات المصرية العبور، والتي قامت القوات المصرية الخاصة بسدها تمهيدا للعبور في واحدة من أعظم العمليات.

وضم "خط بارليف" 22 موقعا دفاعيا و26 نقطة حصينة، تم تحصين مبانيها بالأسمنت المسلح والكتل الخرسانية وقضبان السكك الحديدية للوقاية ضد جميع أعمال القصف، كما كانت كل نقطة تضم 26 دشمة للرشاشات، و24 ملجأ للأفراد بالإضافة إلى مجموعة من الدشم الخاصة بالأسلحة المضادة للدبابات ومرابض للدبابات والهاونات، و15 نطاقا من الأسلاك الشائكة ومناطق الألغام.

وتعتبر كل نقطة حصينة به عبارة عن منشأة هندسية معقدة تتكون من عدة طوابق تمتد في باطن الأرض بمساحة تبلغ 4000 مترا مربعا، وزودت كل نقطة بعدد من الملاجئ والدشم التي تتحمل القصف الجوي وضرب المدفعية الثقيلة، حيث إن لكل دشمة عدة فتحات لأسلحة المدفعية والدبابات وتتصل الدشم ببعضها عن طريق خنادق عميقة.

وكل نقطة مجهزة بما يمكنها من تحقيق الدفاع الدائري إذا ما سقط أي جزء من الأجزاء المجاورة، ويتصل كل موقع بالمواقع الأخرى سلكيا ولاسلكيا بالإضافة إلى اتصاله بالقيادات المحلية مع ربط الخطوط التليفونية بشبكة الخطوط المدنية في إسرائيل ليستطيع الجندي الإسرائيلي في خط بارليف محادثة منزله في إسرائيل.

والوصف السابق لتحصين بارليف يمنع أي فكرة لعبور أو إقتحام قناه السويس، والمشكلة لا تتمثل في تحصين "خط بارليف" فقط، لكن يجتمع عائق قناة السويس بجانب تحصينات خط بارليف ليوحي بإستحالة فكرة العبور.

وفي يوم 6 أكتوبر 1973 سقط "خط بارليف" خلال ساعات معدودة، وسقط معه 15 موقعا حصينا، بالإضافة إلى حصار المتبقي وعبر أكثر من 30 ألف جندي مصري خط بارليف في 3 ساعات فقط وتم فتح عدة ثغرات بمضخات المياه لعبور المجنزرات.

فكرة بسيطة لتدمير خط "بارليف" اقترحها اللواء مهندس باقي زكي يوسف وهو أحد مهندسي القوات المسلحة بستخدام مضخات مياه بضغط عالي لإزاحة الرمال وفتح الثغرات وكان ذلك هو الحل الأمثل لإزاحة الساتر الترابي أمام الدبابات.

في مايو 1969، عقد قائد الفرقة 19 مشاة اجتماعا، عرض خلاله اللواء باقي زكي فكرته على قائد فرقته المرحوم لواء أركان حرب سعد زغلول عبدالكريم، بمنطقة عجرود من الضفة الغربية للقناة، لتحديد مهام الفرقة وتخطي عقبات العبور.

وعرض قائد الفرقة اللواء سعد زغلول المهمة بالتفصيل على رجاله، ثم طلب من كل رئيس تخصص عرض رأيه عن مهمة عبور قناة السويس، فشرح جميع الحاضرين في تقاريرهم مكونات الساتر الترابي نشأته، تكوينه، ارتفاعه، التجهيزات الفنية الموجودة به.

وقد جاءت آراء رؤساء التخصصات في كيفية التغلب على الساتر الترابي فمنهم من قال بالقنابل وآخر بالصواريخ والمفرقعات والمدفعية، وجميع هذه الآراء أشارت إلى أن توقيت فتح الثغرات داخل الساتر الترابي يتم في خلال 12-15 ساعة، وكانت هذه المقترحات والأفكار في غاية الصعوبة لتنفيذها لما بها من خسائر مادية وتستغرق وقتا طويلا.

واقترح المهندس باقي زكي فكرة "المياه" عن طريق تصميم مدفع مائي فائق القوة لقذف المياه، في إمكانه أن يحطم ويزيل أي عائق أمامه أو أي ساتر رملي أو ترابي في زمن قياسي قصير وبأقل تكلفة ممكنة مع ندرة الخسائر البشرية وقد صنعت هذه المدافع المائية لمصر شركة ألمانية بعد إقناعها بأن هذه المنتجات سوف تستخدم في مجال إطفاء الحرائق.

وقامت إدارة المهندسين بالعديد من التجارب العملية والميدانية للفكرة زادت على 300 تجربة اعتبارا من سبتمبر عام 1969 حتى عام 1972 بجزيرة البلاح بالإسماعيلية، حيث تم فتح ثغرة في ساتر ترابي أقيم ليماثل الموجود على الضفة الشرقية للقناة، وتم على ضوء النتائج المرصودة إقرار استخدام فكرة تجريف الرمال بالمياه المضغوطة كأسلوب عملي لفتح الثغرات في الساتر الترابي شرق القناة في عمليات العبور المنتظرة، وقد كان تدمير أسطورة "خط بارليف" المنيع بخراطيم المياه المصرية.

- الحرب الإلكترونية

يشير مصطلح الحرب الإلكترونية إلى استخدام جملة من الممارسات والإجراءات التي تسعى لإلحاق الخلل والعطل بالأنظمة والوسائل الإلكترونية الخاصة بالعدو، بالإضافة إلى تحقيق الحماية للذات من الاستطلاع الإلكتروني المعادي ومقاومته، وتحقيق الاستقرار للنظم الإلكترونية الصديقة.

ويعتبر استخدام الطاقة الكهرومغناطيسية في نطاق الحرب الإلكترونية ضروريا وذلك لغايات تعطيل حركة العدو ومنعها من استغلال المجال الكهرومغناطيسي الصديق.

وحتى مطلع الستينات لم يكن هناك تنظيم متكامل للحرب الإلكترونية سوى فى الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى سابقا أما باقى الدول المتقدمة فقد أنشأت وحدات فرعية فى بعض أفرعها الرئيسية، وسبقتنا إسرائيل فى إدخال وسائل الحرب الإلكترونية وظهر أثر ذلك فى حرب يونيو 1967.

بعد نهاية حرب يونيو 1967 أمنت القيادة السياسية المصرية بضرورة دخول مصر مجال الحرب الإلكترونية فقد إنشئ سلاح الحرب الإلكترونية المصرية تحت ضغط أعمال القتال فى أوائل عام 1968 كفرع أعمال إلكترونية مضادة تابع لرئيس أركان حرب القوات المسلحة وتم تحويله ليكون إدارة الحرب الإلكترونية ضمن أجهزة القيادة العامة فى 20 يناير 1970.

وعلى الفور بدأت أعمال التخطيط لإدارة أول حرب إلكترونية بمفهومها الشامل لتأمين ومعاونة القوات أثناء تنفيذها لمهامها فى حرب أكتوبر المجيدة.

وفى عام 1970 تأسست إدارة الحرب الإلكترونية كسلاح متكامل فقد تم إنشاء حائط الدفاع الجوى المصرى فى يونيو 1970 بتضحيات جسيمة ونجح فى إصابة وإسقاط العشرات من طائرات العدو الصهيونى (51 طائرة) بين تدمير وإصابة بحسب المصادر الأمريكية وكان ذلك خاتمة مشرفة لحرب الإستنزاف على الجبهة المصرية.

وقد انتهت بمجموعة انتصارات حاسمة لمصر كان أبرزها بناء حائط الصواريخ المصرى ودفعه على الجبهة متغلبا على الإعاقة الإلكترونية المعادية ومؤسسا واقعا جديدا فرض نفسه كتحدى بارز للتفوق الجوى الإسرائيلى صعب التغلب عليه.

وكذلك تمكن الدفاع الجوى من إيجاد طريقة فعالة فى إسقاط طائرة الفانتوم الإسرائيلية التى كانت تعد قلعة طائرة آمنة تستطيع تفادى أى صارخ أرض جو يطلق نحوها.

وقد كانت أعمال قتال قواتنا فى مجال الحرب الإليكترونية خلال حرب أكتوبر تهدف إلى:

1- تمكين وحداتنا من الاستغلال الفنى والتكتيكى لمعداتنا الإلكترونية إستغلالاً كاملاً والحفاظ على حسن أداء هذه المعدات أثناء عمليات القتال بأن تمنع العدو من النجاح فى التأثير عليها بأى وسائل معتادة.

2- حرمان العدو من إستخدام وسائله الإلكترونية فى التأثير على أعمال قواتنا إذ كنا نعرف أن العدو يسبقنا فى هذا المجال ويتباهى به وقد استفاد من خبرات حرب فيتنام التى تقدم له من قبل أمريكا وبالفعل إستطعنا أن نفاجئه خلال الحرب بسيل متدفق من الإشعاعات الكهرومغناطيسية التى لم يكن يعرف عنها شيئا قبل الحرب وكان الأمر يحتاج إلى وقت طويل يقوم خلاله خبراء الحرب الإلكترونية فى إسرائيل ومن وراءهم من خبراء أكثر علما وإقتدارا بتحليل هذه الإشعاعات وقياس أطوالها وتردداتها حتى يمكنهم إستنباط وسائل مضادة تعوق عمل طائراتنا وصواريخنا وأجهزة القيادة والسيطرة على وحداتنا التى كانت تتدفق شرقا.

3ــ إستطاعت القوات المصرية أن تحقق تفوقا فى ميدان الحرب على العدو خلال الأيام الأولى للمعركة ولم يكن هذا التفوق راجعا إلى معدات وأجهزة تمتلكها بقدر ماهو راجع أساسا إلى سوء تقدير العدو لإمكانياتنا.

وفي يوم 6 أكتوبر 1973 قامت القوات العربية المشتركة فى مصر وسوريا بالهجوم المفاجئ على إسرائيل وصاحب عملية الهجوم عملية إعاقة لاسلكية شاملة على مواصلات إسرائيل اللاسلكية أدت إلى فشل ذريع فى ممارسة القيادة والسيطرة وأعاقت وصول أو تلقى أوامر.

وفى نفس الوقت تم تدمير مراكز المواصلات ومواقع محطات الرادار فى سيناء بواسطة عناصر الإبرار والصاعقة والقوات الجوية.

لم يتم هذا النجاح المبهر في افتتاح الحرب من دون دور الحرب الإلكترونية المصرية والتمهيد الإلكترونى الذى لايمكن إغفاله فى نجاح الضربة الجوية الأولى التى أعطت أولى بشائر النصر العظيم والتمهيد النيرانى القوى حيث قدمت القيادة العامة خريطة إلكترونية لموقف العدو موضحا بها مراكز القيادة والسيطرة ـ محطات الرادار ـ ومراكز التوجيه وبطاريات الصواريخ الأرض جو المعادية من طراز "هوك".

كما أنها قامت بأعمال الإعاقة الإلكترونية ضد وسائل الإتصال المعادية للإقلال من كفاءة توجيه العدو لطائراته لإعتراض هجماتنا الجوية .. كما كانت الهجمات الجوية المصرية على مراكز القيادة والسيطرة فى أم مرجم وأم خشيب عملا مخططا لتدمير المراكز الإلكترونىة الضخمة فى سيناء فقد قام العدو بزرع أكبر مراكز إلكترونية للتجسس والشوشرة الإلكترونية والتنصت على الإتصالات المصرية.

ولقربها النسبى من قناة السويس فقد كانت تشكل خطورة بالغة على أعمال القوات المصرية فكان لزاما أن تكون هذه المواقع على قائمة الأهداف المرشحة للضربة الجوية الأولى لضمان تسويتها بالأرض وقامت بقية الطائرات المصرية بضرب 10 مواقع أخرى لصواريخ هوك الأمريكية أرض / جو.

واستطعنا تحديد مواقع ردارات العدو وأنواعها وتردداتها ودرجة كفاءتها ومن هنا إستطعنا أن نرسم خط سير طائراتنا عند توجيه الضربة الجوية المركزة إلى أعماقه.

وقد كان لهذا عظيم الأثر أثناء تعامل قواتنا الجوية معهم فيما يتعلق بتفادى كشف ردارات العدو لطائراتنا ثم سهولة مهاجمة مواقع حيوية تم كشف النقاب عنها بالإستطلاع الإلكتروني وهي مراكز حيوية تحوى أجهزة إلكترونية معقدة للإستطلاع والإعاقة وعمليات التوجيه.

وبعد تدمير هذه المواقع الحيوية حدث مايسمى فنيا بتمزيق فى شبكة الدفاع الجوى الإسرائيلية وانخفضت فاعليتها إلى درجة كبيرة كان العدو يمتلك شبكة دفاع جوى ضخمة من أحدث شبكات الدفاع الجوى فى العالم.

كما قامت وحدات الحرب الإلكترونية فى المراحل التالية للحرب بحرمان طائرات القتال الإسرائيلية التى طالما تغنت إسرائيل بتفوقها من تلقى أوامر التوجيه والمعلومات اللازمة لتنفيذ مهامها لدرجة أن بعض الطيارين الإسرائيليين إنخرطوا فى البكاء فى أجهزة الإتصال لإحساسهم بأنهم منعزلين عن قادتهم وعن وسائل المعاونة الجوية أثناء محاولة قصف مطارات القوات الجوية المصرية فى الدلتا والمنصورة يوم 14 أكتوبر 1973 الذى عرف بمذبحة الطائرات الإسرائيلية وفقد العدو 17 طائرة إسرائيلية فى أطول وأكبر معركة جوية فى التاريخ دامت 53 دقيقة.

وخلال الأيام الأولى من حرب أكتوبر قامت وحدات الحرب الإلكترونية بتوجيه الإعاقة اللاسلكية إلى مراكز القيادة والسيطرة المعادية على كافة المستويات مما أدى إلى حرمان قيادة المنطقة الجنوبية الإسرائيلية من السيطرة على وحداتها المختلفة وأيضا تدخلت فى شل وإرباك شبكات القيادة على المستوى التكتيكي.

إشترك فى حرب أكتوبر وحدات فرعية من جميع تخصصات الحرب الإلكترونية وعاونت أعمال قتال القوات البرية والجوية والدفاع الجوى والبحرية علاوة على بعض أعمال الحرب الإلكترونية على المستوى الاستراتيجى واكتسب رجال الحرب الإلكترونية خبرة قتال ثمينة فى أول حرب إلكترونية منظمة فى التاريخ.

- "سلاح النفط" .. مفاجأة العرب

في اليوبيل الذهبي للنصر المجيد في أكتوبر 1973 تستدعي الذاكرة بعض المواقف التاريخية الحاسمة ولعل أبرزها على الإطلاق استخدام سلاح البترول، حيث أوقفت الدول العربية وعلى رأسها السعودية ضخ النفط إلى الدول الغربية حتى توقف الولايات المتحدة إمداد إسرائيل بالأسلحة على حساب مصر.

تشير وثائق الخارجية البريطانية إلى أن دخول سلاح النفط للمعركة فاجأ الدول الغربية التي كان المسؤولون فيها لا يأخذون تهديدات الرئيس المصري آنذاك أنور السادات على محمل الجد، ولا يتوقعون الإجماع العربي على مثل هذا الأمر.

الوثائق تشير إلى أن بريطانيا وأمريكا كان تقييمهما الحاسم قبل بدء الحرب أن إرادة العرب غير جادة في وقف ضخ النفط للغرب، إذا قامت الحرب مع إسرائيل لاستعادة الأراضي المحتلة في حرب 1967.

وهكذا فوجئ البريطانيون والأمريكيون والغرب عموما بإعلان الدول العربية المنتجة للنفط الحد من الإمدادات للغرب، حين مرت أيام قليلة من انطلاق العمليات العسكرية.

ومثلت حرب أكتوبر 1973 كابوسا للاقتصاد الغربي والعالمي وارتفع سعر النفط وقتها 17%، مع توافق العرب على خفض الإنتاج ووقف ضخه إلى الأسواق الأمريكية والبريطانية.

وكان لحظر النفط نتيجة كبيرة في الحرب حيث اجتاز الجيش المصري خط بارليف الحصين وعبر قناة السويس، واضطرت إسرائيل إلى الاستنجاد بالولايات المتحدة التي أقامت جسرا جويا لنقل السلاح إليها.

وتسبب قطع النفط العربي عن الغرب في أزمة مالية عالمية طاحنة وانهيار كبير في أسواق الأوراق المالية لم تنج منه حتى أواخر عام 1974، وكانت بريطانيا من أكثر المتضررين منه، وفقا لشبكة "بي بي سي".

الوثائق كشفت أن الخارجية السعودية سلمت السفارة البريطانية مذكرة تشدد على أن المملكة في أشد الاستياء من الموقف الأمريكي الداعم لإسرائيل، وتزويدها الأخير بالأسلحة في صراعها مع مصر، محذرة من التأثير السيء لذلك على باقي الدول العربية.

وشجبت المذكرة الموقف الأمريكي المتحيز وأعلنت السعودية أنها مجبرة تجاه ذلك على خفض كميات النفط، مع ما في ذلك من ضرر بدول السوق الأوروبية المشتركة، التي عليها أن تنصح أمريكا بموازنة موقفها المؤيد لإسرائيل.

المذكرة السعودية - كما تشير الوثائق - كانت صادمة للبريطانيين الذين لم يكن لديهم تصور لأن يملك العرب الجرأة للإقدام على مثل تلك الخطوة الخطيرة خاصة وأن تقييما من السفارة البريطانية في القاهرة خلال شهر يونيو، أي قبل شهر من بدء حظر النفط، استبعد أن تدفع مصر باتجاه استخدام هذا السلاح الفتاك بالاقتصاد، ووصفت إدارة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بالخارجية البريطانية، تهديدات المصريين بأنها" جوفاء".

غير أن إشارة أخرى من رئيس الإدارة نفسه، أوردت أن البريطانيين "تلقوا تقريرا بأن وزير الحربية المصري أحمد إسماعيل علي طلب خلال جولة في دول الخليج في شهر أبريل من الدول المنتجة للنفط أن توقف تدفق النفط إذا اندلعت الحرب.

كما استبعدت التقييمات البريطانية المختلفة التي أوردتها الوثائق، بحث حظر النفط في المحادثات التي جرت قبل حرب أكتوبر بين العاهل السعودي الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس أنور السادات.

في نهاية المطاف نفذ العرب التهديد المفاجئ للبريطانيين والأمريكيين على حد سواء، وأصبح وقف النفط أمرا واقعا، حتى أن الولايات المتحدة كشفت في فبراير عام 1974، عن خطة "مشروع استقلال" في مجال الطاقة، لكنه لم ير النور، قبل إعلان وزراء النفط العرب في الشهر التالي نهاية حظر النفط، وذلك بعد تقدم محادثات فض الاشتباك بين مصر وإسرائيل.

 

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من ملفات مصر

السد العالي.. الدرع المنيع و الرمز الخالد لبطولات المصريين

بإرادة طموحة.. وملحمة بطولية سطرتها سواعد المصريين.. تحقق الحلم ببناء هرم رابع.. أعظم بناء هندسي في القرن العشرين.. والحصن المنيع...

"التعليم العالي" في 2025.. قفزة بالتصنيف الدولي وطفرة بالجامعات والابتكارات

خلال عام 2025.. شهدت منظومة التعليم العالي والبحث العلمي العديد من الإنجازات والفعاليات في مختلف القطاعات للارتقاء بجودة التعليم لمستوى...

التعليم في 2025.. خطوات إصلاح غير مسبوقة وأكبر تحديث للمناهج الدراسية

ضمن رؤية الدولة المصرية لبناء الإنسان .. ومن أجل تعليم عصري شامل يواكب متطلبات المستقبل ويستجيب لمتغيرات العصر.. شهدت منظومة...

بالفيديو.. حصاد 2025.. أهم فعاليات وأنشطة الرئيس السيسي داخل مصر خلال العام

فعاليات واحتفاليات عديدة شهدها الرئيس عبد الفتاح السيسي رئيس الجمهورية خلال العام 2025.. من أبرزها الافتتاح الاسطوري للمتحف المصري الكبير...