عام على "طوفان الأقصى"

عملية عسكرية مفاجئة قادتها حركة حماس أطلقت عليها "طوفان الأقصى" مع الساعات الأولى للسابع من أكتوبر العام الماضي..

بدأت بقصف آلاف الصواريخ على مدن غلاف غزة وصولا إلى تل أبيب .. لتكسر صفارات الإنذار حاجز الصمت إيذانا ببدء حدث استثنائي في تاريخ إسرائيل الممتد لـ75 عاما.

ومثلت "طوفان‭ ‬الأقصى" مفاجأة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬تأثيراتها‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وما‭ ‬تتضمنه‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬ممتد‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬والفلسطينين‭ ‬حول‭ ‬الأرض‭ ‬والتاريخ‭ ‬والمقدسات،‭ ‬بل‭ ‬تجاوزته‭ ‬لتربك‭ ‬الحسابات‭ ‬الإقليمية‬.

فقد‭ ‬كشفت‭ ‬عملية طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬عن‭ ‬خلل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وسوء‭ ‬تقدير‭ ‬لقدرات‭ ‬حماس والفصائل الفلسطينية،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى فقدان إسرائيل لقوة الردع.

وفى طريقها لاستعادة قوة الردع انتهكت إسرائيل كل الأعراف والمواثيق الدولية في العدوان على قطاع غزة تحت ذريعة القضاء على حركة حماس، مخلفة الألاف من الضحايا، في ظل دعم أمريكي وغربي كبيرين.

معركة "طوفان الأقصى" التي تتم عامها الأول تعد الحرب الأطول في تاريخ الحروب العربية مع إسرائيل، وهي الحرب الأولى التي استطاعت المقاومة خلالها الدخول إلى المواقع الإسرائيلية وقتل وأسر هذا العدد الكبير من جنود ومستوطني الاحتلال.

وهي الحرب الأولى في تاريخ المقاومة الفلسطينية من حيث الصمود المتواصل والاستمرار في القتال على الرغم من شراسة الحرب والاغتيالات للقادة والتدمير من قبل إسرائيل والغرب على غزة ولبنان.

وبعد مرور عام على هجوم السابع من أكتوبر وبدء الحرب في قطاع غزة وضمن استعادة أحداثها ومنعطفاتها.. تعود إلى الواجهة وقائع اللحظة الأولى لتلك الحرب والتي حظيت بإجماع إسرائيلي ودولي على أنها صورة لفشل استخباراتي وعسكري كبير، لا تزال ملابساته غامضة.

* حرب مدمرة

هجوم 7 أكتوبر تسبب بحرب مدمرة متواصلة في قطاع غزة بين حركة حماس الفلسطينية والجيش الإسرائيلي وأدت إلى توترات في كل الشرق الأوسط وتصعيدا كبيرا على الجبهة الشمالية لإسرائيل مع حزب الله اللبناني.

واتسع العدوان الصهيوني ليشمل عدة دول في المنطقة، متجاوزا كل الخطوط الحمراء في حرب الإبادة التي يشنها على الشعب الفلسطيني وداعميه.

لم يميز هذا العدوان بين عسكريين ومدنيين، أو بين منشآت عسكرية ومدنية، مستهدفا المقاتلين والقيادات السياسية، كان آخرهم الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وعدة قيادات أخرى، في رسالة واضحة بانعدام الضوابط أو الخطوط الحمراء في حربه الدموية.

ويحمل الإسم الذي اختارته المقاومة الفلسطينية للعملية "طوفان الأقصى" دلالة الرد على الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة للمسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية في مدينة القدس.

* الساعات الأولى

أسفرت العملية خلال ساعاتها الأولى عن مقتل مئات الإسرائيليين بين جنود ومستوطنين، وأسر وفقدان أكثر من 100، بعضهم جنود، وأدت إلى إغلاق المطارات المحلية وسط وجنوب إسرائيل أمام الاستخدام التجاري، وألغيت عشرات الرحلات الجوية إلى تل أبيب بمطار بن جوريون.

وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن عدد القتلى الإسرائيليين وصل إلى 1538 خلال الشهرين الأوليين من بداية المعركة، في حين تجاوز عدد الجرحى 5 آلاف.

بينما أعلنت حركة حماس إن عدد الأسرى لدى كتائب القسام بين 200 إلى 250، وأن عشرات الأسرى فقدوا حياتهم جراء القصف الإسرائيلي.

وأعلنت القسام مقتل قائد كتيبة الاتصالات في الجيش الإسرائيلي، في حين كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" أن 750 إسرائيليا في عداد المفقودين، كما أكد المفوض العام للشرطة الإسرائيلية فقدان عدد من أفراد الشرطة وانقطاع الاتصال بهم.

ومع توالي الأيام وتوابع ما حدث تكشفت بعض التفاصيل، وقالت وسائل إعلام إسرائيلية إن مقاومين استولوا على مركز الشرطة في سديروت في حين أعلنت مصادر إسرائيلية أخرى أن 3 مستوطنات في غلاف غزة وقعت تحت سيطرة المقاومة الفلسطينية.

واقتحمت المقاومة في الساعات الأولى عدة نقاط حول القطاع وداخل الغلاف من بينها "زيكيم وسديروت ومنيفوت وكيسوفيم ودير البلح وخانيونس وأشكول ورفح"، فيما استهدفت مناطق أبعد قصفا بالصواريخ في تل أبيب واللد والقدس وأسدود وعسقلان وسديروت وبئر السبع.

وتداول ناشطون فلسطينيون على مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع فيديو للاستيلاء على مركبات إسرائيلية في بعض المناطق على الحدود مع القطاع عقب انتهاء الاشتباكات فيها.

وفي السياق، أغلقت إسرائيل معبر "الكرامة" الذي يربط الضفة الغربية بالأردن، إضافة إلى إغلاقها جميع الحواجز العسكرية المحيطة بمدينة القدس.

كما أغلقت قوات الاحتلال حواجز قلنديا ومخيم شعفاط وبيت إكسا والزعيم (المحيطة بالقدس)، ومنعت التنقل من القدس وإليها بشكل كامل.

* تسلل خلف الحدود

أعلن عن العملية محمد الضيف، قائد الأركان في كتائب عز الدين القسام، الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس"، واعتبرت أكبر هجوم على إسرائيل منذ عقود.

تسلل المقاومون الفلسطينيون إلى مستوطنات غلاف غزة عبر السياج الحدودي وعبر وحدات الضفادع البشرية من البحر، إضافة إلى مظليين من فوج "الصقر" التابع لكتائب القسام.

وبحسب كتائب القسام، فإن التعليمات لمقاتليها كانت مهاجمة غرفة عمليات غزة و أسر أكبر عدد من جنود الاحتلال، لكن الحركة تقول إنها تفاجأت من سرعة الانهيار الأمني في مدن غلاف غزة لتتسع رقعة الهجوم من البلدات والمستوطنات المتاخمة لحدود القطاع إلى ما هو أبعد.

وقال الضيف، في رسالة صوتية مسجلة فجر يوم السبت السابع من أكتوبر 2023 "نعلن بدء عملية طوفان الأقصى بضربة أولى استهدفت مواقع ومطارات وتحصينات عسكرية للعدو".

وأضاف أن هذه الضربة الأولى تجاوزت 5 آلاف صاروخ وقذيفة خلال أول 20 دقيقة من العملية.

واعتبر الضيف أن "اليوم هو يوم المعركة الكبرى لإنهاء الاحتلال الأخير على سطح الأرض"، ودعا الفلسطينيين في الضفة الغربية وأراضي 48 للانضمام إلى هذه الحرب بكل ما يملكون من أسلحة نارية وأسلحة بيضاء وبالاحتجاجات والاعتصامات.

كما دعا الشعوب العربية والإسلامية إلى الدعم بالمظاهرات والاعتصامات وكل أشكال الضغط الشعبي.

وبدوره قال صالح العاروري نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إن "مجاهدي قطاع غزة بدأوا عملية واسعة بهدف الدفاع عن المسجد الأقصى وتحرير الأسرى"، مؤكدا أن المعركة جاءت للرد على جرائمه المستمرة.

ودعا العاروري الضفة الغربية إلى المشاركة في المعركة بفتح اشتباك مع المستوطنات، معتبرا أن الضفة "هي كلمة الفصل في هذه المعركة".

* ‏إنهاء الحصار

يقول مراقبون متابعون لنشاط حركة المقاومة الإسلامية حماس إن الهدف من العملية هو ‏إنهاء الحصار ‏المفروض على غزة منذ 15 عاما، وإبراز الوضع الراهن المرتبط به في الساحة ‏الفلسطينية، وإعادة التركيز ‏والاهتمام بالمسجد الأقصى، وفضح الانتهاكات والعدوان ‏الإسرائيلي على ‏الأماكن المقدسة.

ويمكن القول إن حماس حققت هذا الهدف على المستوى التكتيكي خلال فترة زمنية ‏قصيرة، فقد ‏هزت هذه العملية الرأي العام العالمي، وأجبرته على اتخاذ مواقف رأي عام ‏متعاطفة مع الشعب الفلسطيني.

قد انعكس النجاح الأكبر لطوفان الأقصى في إطاحته بالاعتقاد الإسرائيلي السائد، بشأن إمكانية احتجاز الشعب الفلسطيني في أوضاع لا تطاق وتجاهل حقوقه إلى الأبد حيث كشف هذا الهجوم أن حصار شعب بأكمله وتجاهل مطالبه واحتياجاته، من شأنه مفاقمة حدة عدم الاستقرار مما يؤدي إلى عواقب وخيمة.

وهذه العملية التي نفذها الجناح المسلح لحركة حماس، كتائب عز الدين القسام، وصفت بأنها "11 سبتمبر الإسرائيلية"، فقد كانت عملية خداع استراتيجي تمكنت فيها حماس ‏بمهارة من إخفاء خططها ونواياها العسكرية من خلال ‏إقناع إسرائيل بأنها لم تعد ترغب في ‏الحرب.‏

وقال خبراء عسكريون إن العملية كانت الهجوم ‏الأكثر إثارة للدهشة منذ حرب ‏ السادس من أكتوبر، ووصفها البعض بأنها مناورة استخباراتية غير مسبوقة‎‏، أخذت إسرائيل على حين غرة وهزتها بالفعل.

وخلق توقيت العملية الذي تزامن مع يوم السبت، ‏يوم العبادة والراحة اليهودي عامل صدمة ‏جعل من الصعب على القوات الإسرائيلية الرد ‏على الفور علاوة على ذلك، فإن التسلل من نقاط ‏متعددة جوية، وبرية، وبحرية، فاجأ مراكز الدفاع ‏الإسرائيلي.

 وقد وصف هذا اليوم من قِبل وسائل ‏إعلام وسياسيين ‏مثل الرئيس الأمريكي "جو بايدن" بأنه اليوم ‏الأكثر دموية في تاريخ إسرائيل، والأكثر دموية ‏لليهود على الإطلاق منذ ‏الهولوكوست‎.

* إسرائيل وإعلان حالة حرب

عقب العملية.. الجيش الإسرائيلي أعلن إنه "في حالة حرب"، وسمع دوي صفارات الإنذار في جنوب إسرائيل ووسطها ومدينة القدس، في حين أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بوقوع معارك بالأسلحة النارية بين مجموعات من المقاومين الفلسطينيين وقوات الأمن في بلدات بجنوب إسرائيل.

وتحدث الجيش الإسرائيلي عن "عملية مزدوجة" قامت بها المقاومة الفلسطينية تشمل إطلاق صواريخ وعملية تسلل، وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف جالانت إن حماس تشن "حربا على دولة إسرائيل".

ومن جهته قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج إن "دولة إسرائيل تمر بوقت عصيب"، في حين قال رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو "نحن في حرب.. وسوف ننتصر".

* رد إسرائيلي عنيف

ردا على عملية "طوفان الأقصى" أطلق جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية ضد قطاع غزة سماها عملية "السيوف الحديدية"، وبدأها بقصف جوي مكثف على القطاع.

في حين دوت صافرات الإنذار في المستوطنات المحيطة بغلاف غزة وأعلن الجيش الإسرائيلي إجلاء لكامل سكان الغلاف.

وأعلنت القسام سيطرتها على قاعدة رعيم العسكرية مقر قيادة فرقة غزة في الجيش الإسرائيلي، وقالت إن مارتن كوزميتزاك، وهو قائد سرية في مديرية تنسيق عمليات فرض القانون، قد قتل في العملية.

وأعلن حزب الله اللبناني استهدافه 3 مواقع للاحتلال الإسرائيلي في منطقة مزارع شبعا اللبنانية، بعد أن شرع الجيش الإسرائيلي في قصف أهداف بجنوب لبنان.

وشنت طائرات الاحتلال غارات عنيفة على أهداف في مخيم البريج وسط قطاع غزة صباح اليوم التالي من المعركة واستهدفت منازل قيادات حماس في غزة.

* فشل واستقالة

نتيجة الإخفاق الأمني في التصدي لهجمات السابع من أكتوبر، والتي تتعلق بالجيش وجهاز المخابرات الداخلي بالأمن العام الإسرائيلي "الشاباك" أعلن الجيش الإسرائيلي في أبريل الماضي استقالة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية بعد إقراره بـ"مسؤوليته" عن إخفاقات إبان هجوم 7 أكتوبر.

وفي كتاب استقالته، أكد الضابط تحمله مسؤولية الفشل في منع وقوع الهجوم غير المسبوق على إسرائيل.

وقبل ذلك أعلن الجنرال آفي روزنفيلد قائد فرقة غزة بالجيش الإسرائيلي في يناير استقالته من منصبه وتقاعده من الجيش.

وقال روزنفيلد في بيان إنه "فشل في مهمته المتمثلة في حماية حياة سكان البلدات الحدودية لغزة".

* توقعات بهجوم 7 أكتوبر

على الرغم من عنصر المفاجأة لعملية طوفان الأقصى، إلا أن هيئة البث الإسرائيلية كشفت عن وثيقة استخباراتية أعدها الجيش الإسرائيلي في سبتمبر العام الماضي، تستعرض تدريبات لقوات النخبة في كتائب القسام تتضمن اجتياحا واسعا لمناطق إسرائيلية وأسر ما يتراوح بين 200-250 إسرائيليا.

وأظهرت الوثيقة التي أعدتها "فرقة غزة" أن قادة الاستخبارات كونوا تصورا لخطة حماس لمداهمة الغلاف واقتحام مواقع واختطاف مئات الأشخاص قبل أقل من ثلاثة أسابيع من 7 أكتوبر.

بينما أكد الجيش الإسرائيلي في رده على هيئة البث أن التحقيقات جارية لاستخلاص الدروس من تلك الأحداث، وسيتم عرض النتائج بشفافية على الجمهور.

وقال مسؤولون أمنيون إن الوثيقة كانت معروفة لدى كبار أجهزة الاستخبارات، وعلى الأقل لدى فرقة غزة.

ووفقا للتقرير، فإن فرقة غزة حصلت على الوثيقة مباشرة بعد إعدادها وتم "تجاهلها بالكامل تقريبا".

وأشار التقرير إلى أن الوثيقة الاستخباراتية وصفت بالتفصيل الخطة التي أعدها القسام لمداهمة واجتياح مواقع إسرائيلية في "غلاف غزة"، وتوقعت الوثيقة عدد الإسرائيليين الذين سيتم أسرهم خلال الهجوم.

ووفقا للتقرير، فإن جهة استخباراتية تابعة لفرقة غزة ذاتها هي من أعد هذه الوثيقة التي صدرت في 19 سبتمبر الماضي تحت عنوان "تدريب اجتياح مفصل من البداية إلى النهاية"، ويستعرض سلسلة من التدريبات التي نفذتها وحدات النخبة التابعة لحماس، والتي تدربت فيها على مداهمة مواقع عسكرية وكيبوتسات وأسر جنود ومدنيين.

ورصدت الوثيقة تفاصيل من بعض التدريبات التي قامت بها كتائب القسام، وجاء فيها أنه "في الساعة 11 صباحا، شوهدت عدة سرايا تتجمع لبدء التدريب، وليس قبل صلاة العصر في الساعة 12:00 يتم توزيع المعدات والأسلحة على المقاتلين، وبعد ذلك يتم إجراء تمرين في مقر قيادة السرية وفي الساعة 14:00 يبدأ التدريب على الاقتحام".

وبحسب الوثيقة، فإن الخطوة الأولى في تدريبات القسام هي فتح ثغرات في موقع وهمي للجيش الإسرائيلي تم بناؤه في قطاع غزة ويحاكي المواقع العسكرية في "غلاف غزة"، وقد تم تنفيذ التمرين من قبل أربع سرايا، وتم تكليف كل سرية بمداهمة والسيطرة على موقع عسكري مختلف.

كما وصفت الوثيقة الأهداف التي تعتزم حركة حماس مهاجمتها في القواعد والمواقع العسكرية المستهدفة في "غلاف غزة"، وشملت "مقرات القيادة، ومقرات قيادة العمليات، الكنس داخل القواعد العسكرية، ومقرات الطيران الحربي وأنظمة التصويب الآلية ومساكن الجنود".

وأضاف التقرير "لم تكن استخبارات قيادة المنطقة الجنوبية وفرقة غزة على علم بخطة الأسر التي وضعتها حماس فحسب، بل كانت أيضا قد فصلت ظروف احتجاز الأسرى، بما في ذلك تعليمات للآسرين، وكيفية احتجاز الأسرى".

وذكرت قناة "كان 11" الإسرائيلية أن ما كانت فرقة غزة قد استعدت للتعامل معه قبل هجوم القسام في 7 أكتوبر الماضي، هو "تسلل عشرات المخربين إلى ثلاثة مواقع فقط"، على حد تعبير القناة.

* تقرير عسكري إسرائيلي يكشف الفشل في حماية المدنيين

في يوليو الماضي.. نشر الجيش الإسرائيلي نتائج أول تحقيق في إخفاقه الأمني خلال هجوم السابع من أكتوبر، أقر فيه بأنه لم يحم مواطني تجمع "بئيري" السكني، وهو واحد من التجمعات السكنية التي تعرضت لأسوأ أضرار.

وقتل في الهجوم على "بئيري" أكثر من 100 شخص، واحتجز 32 رهينة في قطاع غزة ولا يزال 11 منهم هناك ويبلغ عدد سكان التجمع السكني نحو ألف شخص.

ومع إقرار الجيش بفشله في حماية المدنيين في التجمع السكني، أشاد بشجاعة سكان "بئيري"، بما في ذلك فريق الاستجابة السريعة الذي حاول صد المسلحين رغم قلة عدد أفراده مقارنة بهم.

وخلص التحقيق إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يكن مستعدا لسيناريو التسلل الكبير لمسلحين إلى إسرائيل، ولم تكن لديه قوات كافية في المنطقة، ولم تكن لديه الصورة الكاملة للأحداث حتى الظهر، أي بعد بضع ساعات من بدء الهجوم، بالإضافة إلى أنه لم يحذر سكان "بئيري" بالصورة الملائمة وأن قتاله لم يكن منسقا.

لكن التحقيق لم يجد خطأ في إطلاق دبابة النار على منزل كان المسلحون يحتجزون فيه نحو 15 رهينة، وهو حادث أثار انتقادات في إسرائيل لتعريض المدنيين للخطر.

وجاء في ملخص الجيش "بعد سماع دوي إطلاق النار من المنزل وإعلان الإرهابيين نيتهم قتل أنفسهم والرهائن، قررت القوات اقتحامه من أجل إنقاذ الرهائن".

أضاف الملخص "وجد الفريق أن المدنيين داخل المنزل لم تصبهم قذائف الدبابة"، إلا أنه يتعين إجراء مزيد من التحقيقات لتحديد الكيفية التي لقي بها الرهائن حتفهم في ظل وجود علامات تشير إلى أن المسلحين قتلوهم.

* حزب الله والحوثيون .. على خط المواجهة

في 8 أكتوبر 2023 بدأ حزب الله اللبناني بإطلاق رشقات صاروخية وتنفيذ عمليات من جنوب لبنان في إطار الإسناد للمقاومة في قطاع غزة، ما فتح جبهة مواجهة بقيت في نطاق جغرافي محدد شمال فلسطين المحتلة وجنوب لبنان.

كما أعلنت كتائب القسام إطلاق صواريخ من سهل القليلة جنوبي لبنان باتجاه مستوطنات الاحتلال في الجليل الغربي، ضمن معركة طوفان الأقصى، وتوالت لاحقا البلاغات العسكرية عن عمليات مماثلة كما قدمت الكتائب في لبنان عددا من قادتها وشهدائها في هذه المعركة.

كما قال زعيم جماعة أنصار الله اليمنية في اليمن عبد الملك الحوثي إن الجماعة مستعدة للمشاركة في الحرب ضد إسرائيل في حال تدخلت فيها الولايات المتحدة عسكريا بشكل مباشر.

وفي 31 أكتوبر أعلنت الجماعة إطلاق دفعة كبيرة من الصواريخ الباليستية والمجنحة وعدد كبير من الطائرات المسيرة على أهداف مختلفة في إسرائيل.

وبدأت جماعة الحوثي باستهداف السفن المتجهة لموانئ الاحتلال إلى جانب الإعلان بين الحين والآخر عن إطلاق صواريخ أو مسيرات تجاه أهداف للاحتلال الإسرائيلي.

* تداعيات إنسانية

من اليوم الأول للعدوان بدأ الاحتلال بتهجير السكان في المناطق الحدودية من خلال القصف والأحزمة النارية، فيما طالب رئيس حكومة الاحتلال سكان غزة بمغادرتها، ويوما تلو الآخر بدأ الحديث الإسرائيلي عن خطة تهجير لأهالي قطاع غزة، وهو ما أفشله الأهالي بصمودهم رغم القتل الدموي.

وفي 13 أكتوبر 2023 طالبت قوات الاحتلال سكان محافظتي غزة وشمال غزة اللتان يعيش فيهما أكثر من 1.1 مليون فلسطيني بإخلاء منازلهم والانتقال نحو جنوب وادي غزة.

ودفع القصف الإسرائيلي العنيف مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى النزوح القسري من منازلهم، فيما رفض مئات الآلاف الأمر وأصروا على الصمود في منازلهم واضطروا للنزوح من منطقة لأخرى وفق أماكن الاستهداف الإسرائيلي.

فيما أكدت منظمة العفو الدولية "أمنستي" استخدام إسرائيل الفسفور الأبيض في غزة، كما أكد برنامج الغذاء العالمي أنه لا يوجد ما يكفي من الطعام في ‎القطاع.

وأعلنت وزارة الصحة في قطاع غزة "الانهيار التام" للمنظومة الصحية في كل مستشفيات القطاع، نتيجة انقطاع الكهرباء ونفاد الوقود وزيادة أعداء الشهداء والمصابين، في حين طالبت منظمة الصحة العالمية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا" بسرعة إيصال الوقود والمستلزمات الطبية إلى غزة.

وارتكبت قوات الاحتلال مجزرة دامية بقصف المستشفى المعمداني في غزة بقنابل أمريكية الصنع ما أدى إلى استشهاد نحو 471 فلسطينيا، معظمهم من النساء والأطفال.

وأعلن مكتب الإعلام الحكومي في غزة انقطاع الاتصالات والإنترنت بالكامل عن قطاع غزة لأول مرة في السابع والعشرين من أكتوبر، في حين أعلنت إسرائيل توسيع عملياتها البرية، وسط قصف كثيف وغير مسبوق هو الأعنف منذ بدء العدوان.

وخلال عدة أيام ووسط مقاومة ضارية وتحت غطاء ناري كثيف وصلت آليات الاحتلال لطريق صلاح الدين ومن ثم شارع الرشيد لفصل وسط القطاع عن مدينة غزة من محور نتساريم.

وبالتزامن مع التوغل من هذا المحور توغلت قوات الاحتلال في شمال غزة، وبدأت تلتف لتحاصر مدينة غزة من جهة الشمال الغربي.

* اقتحام مجمع الشفاء الطبي

يوم 15 نوفمبر 2023 وبعد عدة أيام من الحصار والقصف والاستهداف المباشر اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي وحولته إلى ثكنة عسكرية.

وانسحبت قوات الاحتلال من المستشفى بعد 10 أيام على اقتحامه وتدمير أجزاء فيه وتنفيذ عمليات تفجير في بعض أقسامه ومبانيه، وفشلت في إثبات مزاعمها السابقة عن وجود أنفاق وثكنات لحماس.

وقبل انسحابها شردت آلاف النازحين واعتقلت العشرات منهم ومن الطواقم الطبية وعددا من الفرق الطبية.

كما اقتحم الجيش الإسرائيلي المستشفى الإندونيسي، وقد سبق الاقتحام قصف وحصار من قوات الاحتلال استمر لأيام عدة كما تعرضت العديد من المستشفيات في مدينة غزة للحصار والقصف ما أدى لخروج معظم مستشفيات القطاع من الخدمة بفعل القصف والتدمير المتعمد من الاحتلال وتوقف خدمات الإسعاف.

وفي مارس 2024 تبنى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى قرارا يدعو إلى وقف إطلاق النار في قطاع غزة وأحجمت الولايات المتحدة عن استخدام حق النقض "الفيتو".

القرار الصادر بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة -والذي قدمه 10 أعضاء منتخبين في المجلس بقيادة موزمبيق- يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في رمضان تحترمه جميع الأطراف، مما يؤدي إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار.

كما طالب القرار بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين، فضلا عن ضمان وصول المساعدات لتلبية الاحتياجات الطبية وغيرها من الاحتياجات الإنسانية، وينص على أنه يتعين على الأطراف الامتثال لالتزاماتها بموجب القانون الدولي في ما يتعلق بجميع المحتجزين.

* تداعيات طوفان الأقصى

كشفت عملية "طوفان الأقصى" الانقسامات ‏السياسية ‏والاجتماعية العميقة في المجتمع الإسرائيلي، والتي انعكست آثارها السلبية على ‏أجهزتها العسكرية ‏والأمنية نتيجة الفشل الاستخباراتي.

وكما مثلت عملية "طوفان‭ ‬الأقصى" مفاجأة‭ ‬لم‭ ‬تتوقف‭ ‬تأثيراتها‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬فقد‭ ‬تجاوزتها‭ ‬لتربك‭ ‬الحسابات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وتضع‭ ‬التقديرات‭ ‬الدولية‭ ‬للصراع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬-‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬التقييم‭ .

و‬كشفت‭ ‬عملية طوفان‭ ‬الأقصى بوضوح ‬عن‭ ‬وجود خلل‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الأمنية‭ ‬والعسكرية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وسوء‭ ‬تقدير‭ ‬لقدرات‭ ‬حماس والفصائل الفلسطينية،‭ ‬مما‭ ‬أدى‭ ‬إلى فقدان إسرائيل لقوة الردع.

وفى طريقها لاستعادة قوة الردع انتهكت إسرائيل كل الأعراف والمواثيق القانونية الدولية في العدوان على قطاع غزة تحت ذريعة القضاء على حركة حماس، مخلفة الألاف من الضحايا، في ظل دعم أمريكي وغربي كبيرين، واتهامات لدول إقليمية بمساندة حماس، ومحاولات لوقف اطلاق النار في القطاع.

وأمام هذه الجولة الجديدة من الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، وما أسفرت عنه من نتائج كانت الكارثة الإنسانية الملمح الأبرز لها، إلا أن هذه الجولة أعادت القضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث الدولية مرة أخرى بعد أن أبعدت العديد من الأحداث الدولية، ومنها الحرب الروسية الأوكرانية، هذه القضية وممارسات الاحتلال الإسرائيلي عن دائرة الاهتمام الدولي خلال السنوات الأخيرة.

* الحرب المفتوحة

ومع مرور عام على "طوفان الأقصى" تحاول إسرائيل أن تستنسخ ملامح من حرب إبادتها على غزة في لبنان، وتشن آلاف الهجمات الجوية استشهد على أثرها حوالي 1700 لبناني، منهم قادة كبار في حزب الله على رأسهم حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله، كما تم جرح حوالي 8500، وتهجير أكثر من مليون لبناني.

ولم يكن العدوان على غزة فقط لمجرد الرد على أحداث السابع من أكتوبر، وإنما محاولة لإعادة ترتيب لوضع إسرائيل فيما يتعلق بالسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة.

وهذا بحد ذاته سعي لإعادة الخطة التي تبناها نتنياهو منذ عام 2009 عندما اعتقد بأن إسرائيل عليها أن تتجنب الحروب التقليدية وأن تشن حروبا عبر التكنولوجيا.

ولا شك بأن الوقوف على أعتاب عام على "طوفان الأقصى"، والتدقيق العميق في التداعيات الإقليمية، لا سيما بعد توسع الهجمات الإسرائيلية على لبنان، يؤكدان أن الحرب على غزة لم تكن إلا لفرض وقائع جديدة على الأرض.

ويبدو أن المخرج الحقيقي الوحيد للوضع القابل للانفجار في المنطقة هو من خلال تطبيق حل سياسي جذري يعترف ‏بحقوق الشعب الفلسطيني، وأهمها حقه في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ‏على الأراضي الفلسطينية التي احتلتها إسرائيل في حرب الخامس من يونيو من عام 1967.

كما أن التسوية الشاملة وحل ‏الدولتين هو السبيل الوحيد لإنقاذ المنطقة من الصراعات.

 

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نكبة

المزيد من ملفات عرب وعالم

العالم العربي 2025.. وقف حرب غزة وتزايد الاعترافات بفلسطين وسوريا "دولة العام"

عام "فلسطيني" بامتياز .. من وقف الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة.. الى تحول ملموس في التوجه الدولي تجاه الحق الفلسطيني،...

المشهد العالمي في 2025.. ارتفاع غير مسبوق في عدد النزاعات.. وتصاعد التوترات  

مع استقبال العام الجديد.. وفي نظرة سريعة لأهم الاحداث العالمية على مدار عام 2025.. لا يزال يعيش على وقع نيران...

من مصر إلى العراق.. 67 قمة عربية خلال 80 عاما

منذ تأسيس جامعة الدول العربية قبل 80 عاما.. وصل عدد القمم العربية إلى 67 قمة.. عقدت تحت نار الأزمات وارتبطت...

كشمير .. صراع تاريخي يتجدد بين الهند وباكستان

كشمير.. كلمة السر في الصراع الممتد عبر 8 عقود بين الهند وباكستان .. والسبب الرئيسي في واحدة من أطول الحروب...