ترامب وبوتين وورقة الديزل

عندما تفرض فاتورة الوقود حساباتها على الحرب في أوكرانيا

لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة الضغط على روسيا بسبب الحرب، وجدت إدارة دونالد ترامب نفسها أمام أزمة وقود تهدد قطاعات حيوية في الاقتصاد الأمريكي، من الزراعة والنقل إلى أسعار السلع التي يدفع المواطن ثمنها يوميًا.

نهال الشافعي
ماجستير علوم سياسية واستراتيجية
رئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية

 

وهنا ظهر التناقض: واشنطن التي استخدمت العقوبات لتقليص عائدات موسكو، تعود لتفتح نافذة أمام الوقود الروسي، بحثًا عن إمدادات تساعدها على احتواء ارتفاع الأسعار.

في 9 أكتوبر، أعلن ترامب اتفاقًا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لتوفير كميات من الديزل للأسواق الأمريكية والعالمية، تبدأ بأكثر من 300 ألف طن، على أن تتبعها شحنات أخرى. وأعقب الإعلان تخفيف أمريكي مؤقت للقيود المتعلقة باستيراد الديزل الروسي. وجاء ذلك بينما كانت الحرب مستمرة، والمفاوضات السياسية تراوح مكانها، والمسؤولون الأمريكيون والأوكرانيون والأوروبيون يبحثون عن صيغة لإنهاء الصراع.

المسألة هنا لا تتعلق فقط بصفقة وقود، ولا يمكن اختزالها في سؤال عما إذا كانت ستخفض الأسعار أم لا. الأهم أن أزمة الإمدادات دفعت واشنطن إلى إعادة ترتيب أولوياتها، ولو بصورة مؤقتة، وأن بوتين وجد فرصة للتعامل مع حاجة أمريكية ملحّة في ملف يرتبط مباشرة بالعقوبات المفروضة على بلاده. أما أوكرانيا، التي تخوض حربًا تعتمد فيها على الدعم الغربي، فتخشى أن يتحول هذا التغيير إلى تراجع في الضغط الاقتصادي على موسكو.

أزمة الطاقة تفرض نفسها على القرار السياسي

لفهم ما يجري، لا بد من النظر إلى الديزل باعتباره أكثر من مجرد منتج نفطي. فهذا الوقود يحرك جانبًا أساسيًا من الاقتصاد؛ تعتمد عليه الشاحنات في نقل الغذاء والبضائع، والمزارع في تشغيل المعدات، وشركات البناء في تنفيذ مشروعاتها. وعندما ترتفع تكلفته، لا تتوقف الزيادة عند محطة الوقود، بل تنتقل إلى تكلفة الإنتاج والنقل، ثم تظهر تدريجيًا في أسعار السلع والخدمات.

وتزداد حساسية هذه المسألة في الولايات المتحدة مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في 3 نوفمبر. فارتفاع تكاليف التشغيل يضغط على المزارعين وسائقي الشاحنات وأصحاب الأعمال، وهي قطاعات لا تستطيع تجاهل أسعار الوقود باعتبارها شأنًا خارجيًا. بالنسبة إلى هؤلاء، لا تكفي التبريرات المرتبطة بالحرب أو العقوبات إذا ظلت الفاتورة التي يدفعونها ترتفع.

ومن هنا يمكن فهم استعجال ترامب البحث عن مصادر إضافية للوقود. فالإدارة الأمريكية تواجه معادلة صعبة: الحفاظ على أهدافها في الصراع مع روسيا، وفي الوقت نفسه احتواء أزمة اقتصادية يمكن أن تنعكس على تقييم الناخبين لأدائها.

لكن الحاجة إلى الوقود لا تعني أن الاتفاق الروسي سيحل الأزمة تلقائيًا. فالكميات المعلنة تحتاج إلى إنتاج ونقل وشحن وتوزيع، كما أن سوق الديزل تتأثر بقدرات المصافي ومخزونات الوقود وتكاليف التأمين والشحن. وقد تتفاعل الأسواق سريعًا مع الإعلان عن إمدادات جديدة، بينما يحتاج المستهلك وقتًا أطول حتى يشعر بانخفاض فعلي في الأسعار.

والأهم أن الأزمة لا تنشأ من نقص شحنة واحدة يمكن تعويضها بسهولة، بل من اضطراب أوسع في الإمدادات وقدرات التكرير وحركة التجارة. لذلك قد يخفف الوقود الروسي جزءًا من الضغط، لكنه لا يقدم ضمانة بانتهاء الأزمة، ولا يضمن أن يكون أثره الاقتصادي متناسبًا مع ما يحمله الاتفاق من دلالات سياسية.

بوتين يستفيد من حاجة خصمه

من زاوية موسكو، تحمل الصفقة أهمية تتجاوز عائدات بيع الديزل. فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، سعت الدول الغربية إلى تقليص قدرة روسيا على الاستفادة من صادرات الطاقة في تمويل عملياتها العسكرية. ولذلك فإن تخفيف القيود، حتى لو ارتبط بمنتج محدد ولفترة مؤقتة، يثير سؤالًا بشأن قدرة العقوبات على الاستمرار عندما تتعارض مع احتياجات الدول التي تفرضها.

لقد تعاملت واشنطن مع العقوبات باعتبارها إحدى وسائل الضغط على الاقتصاد الروسي، لكن أزمة الوقود أظهرت أن هذه الأداة ليست منفصلة عن حسابات الداخل الأمريكي. فعندما ترتفع تكلفة الطاقة، يصبح استمرار القيود مرتبطًا أيضًا بقدرة الاقتصاد على تحمل آثارها، وبمدى توافر بدائل عملية يمكن الاعتماد عليها.

وهنا تظهر ورقة بوتين. فالرئيس الروسي لا يحتاج إلى أن يحقق الاتفاق وحده تحولًا كبيرًا في سوق الطاقة حتى يستفيد منه سياسيًا؛ يكفي أن تصبح موسكو طرفًا تحتاج واشنطن إلى التعاون معه في ملف اقتصادي حساس، وأن يظهر الخلاف بين الولايات المتحدة وأوكرانيا بشأن كيفية إدارة الحرب والضغط على روسيا.

ومع ذلك، ينبغي عدم المبالغة في تقدير حجم المكسب الروسي. فالصفقة لا تعني انتهاء العقوبات، ولا تثبت أن واشنطن تخلت عن أهدافها المعلنة بشأن الحرب. لكنها تكشف أن المصالح الاقتصادية قد تدفع الدول إلى استثناءات وتعديلات لم تكن لتقبل بها بالسهولة نفسها في ظروف أخرى.

كما أن المكسب الروسي سيظل مرتبطًا بما يتحقق فعليًا من صادرات، وبقدرة المصافي على توفير الكميات المطلوبة، وبشروط استمرار التخفيف الأمريكي. فالإعلان السياسي يفتح الباب، لكنه لا يكشف وحده عن جميع تفاصيل العلاقة التي قد تنشأ بعده.

أوكرانيا بين استنزاف الاقتصاد الروسي والحفاظ على الدعم الأمريكي

تبدو كييف الطرف الأكثر قلقًا من هذه المعادلة؛ فبالنسبة إلى أوكرانيا، لا تمثل المصافي الروسية مجرد منشآت اقتصادية، وإنما جزءًا من منظومة تتيح لموسكو إنتاج الوقود وتوليد الإيرادات ومواصلة الحرب. ولهذا تنظر الحكومة الأوكرانية إلى استهداف تلك المنشآت باعتباره وسيلة للضغط على القدرات الروسية، وليس مجرد عملية عسكرية منفصلة.

في المقابل، ترى الإدارة الأمريكية أن استمرار الضربات على المصافي قد يزيد اضطراب سوق الوقود، في وقت تحاول فيه توفير إمدادات إضافية وخفض الأسعار. ووفقًا لتقرير نشرته «فايننشال تايمز» في 11 أكتوبر، حذرت واشنطن كييف من أن مواصلة استهداف المصافي الروسية قد تهدد التعاون الاستخباراتي الأمريكي معها.

وهنا تتجاوز الخلافات مسألة الديزل إلى سؤال استراتيجي أوسع: من يحدد الأولويات في إدارة الحرب؟ هل تكون الأولوية لإضعاف قدرة روسيا على مواصلة القتال، أم لتجنب إجراءات يمكن أن تزيد الضغط على أسواق الطاقة وتنعكس على الاقتصاد الأمريكي؟

بالنسبة إلى أوكرانيا، يصعب فصل المسارين؛ فإيرادات الطاقة والقدرات الصناعية الروسية ترتبط بقدرة موسكو على تحمل كلفة الحرب. أما واشنطن، فتتعامل مع الأزمة من زاوية تجمع بين أهدافها العسكرية والاقتصادية والسياسية، وقد لا تتطابق هذه الأهداف دائمًا مع حسابات كييف.

وقد زاد الخلاف وضوحًا عندما دعا ترامب، في 10 أكتوبر، إلى اختيار رئيس جديد لأوكرانيا، ووجّه انتقادات إلى فولوديمير زيلينسكي على خلفية تداعيات الضربات الأوكرانية على إمدادات الوقود. ويعكس هذا الموقف توترًا في العلاقة بين الطرفين، لكنه لا يكفي وحده للقول إن واشنطن حسمت موقفها بشأن مستقبل الدعم لأوكرانيا.

ما يمكن استنتاجه هو أن كييف تواجه مساحة أضيق للمناورة: فهي تحتاج إلى الدعم الأمريكي، لكنها لا تريد أن يؤدي الحرص على استقرار سوق الوقود إلى تقييد عمليات تراها ضرورية لإضعاف القدرات الروسية. وكلما اتسع هذا الخلاف، ازدادت صعوبة بناء موقف غربي موحد تجاه موسكو.

الخليج يوضح أن أزمة الوقود أكبر من صفقة روسية

لا يمكن فهم أزمة الديزل بمعزل عن الاضطرابات التي أصابت أسواق الطاقة مع اتساع الحرب في الشرق الأوسط وتعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. فالسوق العالمية لا تعتمد على إنتاج النفط وحده، بل على قدرة الدول على تكريره ونقله وتأمين وصوله إلى المشترين.

وقد أظهرت الأزمة أن اضطراب ممر بحري رئيسي يمكن أن يمتد أثره إلى قطاعات بعيدة عن ساحة القتال. فارتفاع مخاطر الشحن والتأمين، وتعطل بعض الإمدادات، والضغط على المصافي، كلها عوامل ترفع تكلفة الوقود حتى في الدول التي تمتلك قدرات إنتاجية كبيرة.

وتكشف هذه الصورة عن جانب مهم من العلاقة بين الاقتصاد والأمن: فالدولة قد تكون منتجًا رئيسيًا للطاقة، لكنها تظل معرضة لاضطرابات في أنواع محددة من الوقود أو في مناطق بعينها. كما أن زيادة الإنتاج في مكان ما لا تعوض بالضرورة نقصًا في مكان آخر، إذا كانت المشكلة تتعلق بنوعية المنتج أو بقدرات التكرير أو بطرق النقل.

ومن هنا، فإن الاتفاق مع روسيا يعالج جزءًا من المشكلة، لكنه لا يلغي ارتباط أسعار الوقود بالتطورات العسكرية في الخليج، ولا يضمن عودة حركة التجارة إلى طبيعتها. وإذا استمرت اضطرابات الملاحة، فقد تتآكل فائدة الإمدادات الجديدة بفعل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين أو تراجع الإمدادات من مصادر أخرى.

وهذه هي المفارقة التي تواجه إدارة ترامب: فهي تحاول استخدام اتفاق ثنائي لتخفيف ضغط ناتج عن أزمة عالمية متعددة الأطراف. وقد يحقق الاتفاق منفعة محددة، لكن استقرار السوق يتطلب أكثر من تغيير مصدر الشحنات؛ إذ يحتاج إلى انتظام الإنتاج والتكرير والتجارة، وإلى تراجع المخاطر التي تهدد حركة الطاقة.

هل تنجح الصفقة في تحقيق هدفها؟

يتوقف الحكم على الاتفاق على ما سيحدث بعد الإعلان عنه. فإذا وصلت الشحنات في مواعيدها، واستمرت الإمدادات الأخرى، فقد تحصل الأسواق على متنفس يساعد على الحد من الضغوط. لكن إذا تأخرت الشحنات أو استمرت اضطرابات الملاحة والتكرير، فقد يكون الأثر أقل بكثير من التوقعات التي صاحبت الإعلان.

وهناك فرق مهم بين انخفاض أسعار العقود في الأسواق وبين انخفاض السعر الذي يدفعه المستهلك. فالأول قد يعكس توقعًا بوصول إمدادات إضافية، أما الثاني فيحتاج إلى انتقال أثر التراجع عبر المخزونات والتوزيع وتكاليف التشغيل. ولذلك لا يكفي إعلان صفقة كبيرة لإثبات أن أزمة الوقود أصبحت خلفنا.

سياسيًا، يواجه ترامب اختبارًا زمنيًا واضحًا. فالانتخابات تقترب، بينما تحتاج أسواق الطاقة إلى وقت كي تستوعب الإمدادات الجديدة. وإذا لم يظهر تحسن ملموس في الأسعار، فقد يجد نفسه أمام سؤالين متزامنين: لماذا لم تحقق الصفقة النتيجة الاقتصادية المنتظرة؟ ولماذا جرى تخفيف القيود على روسيا في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة؟

أما بوتين، فيستطيع الاستفادة من إعادة فتح قناة للتعاون في مجال الطاقة، لكنه سيظل بحاجة إلى تحويل الإعلان إلى صادرات فعلية ومكاسب اقتصادية قابلة للاستمرار. وأوكرانيا ستراقب ما إذا كان التخفيف المؤقت سيظل استثناءً محدودًا، أم أنه سيتحول إلى مقدمة لتغيير أوسع في سياسة واشنطن تجاه موسكو.

في النهاية، لا تكمن أهمية ورقة الديزل في قدرتها وحدها على إنهاء الحرب أو تغيير ميزان القوى، بل في كشفها عن حدود الفصل بين السياسة الخارجية والاقتصاد الداخلي. فالعقوبات ليست أداة تعمل في فراغ، وأسواق الطاقة ليست مجرد أرقام، والتحالفات لا تعني بالضرورة تطابق المصالح في كل لحظة.

لقد فرضت أزمة الوقود على واشنطن التعامل مع موسكو من زاوية مختلفة، ومنحت بوتين فرصة للاستفادة من احتياج أمريكي، ووضعت أوكرانيا أمام اختبار جديد لعلاقتها بحليفها الرئيسي. لكن النتيجة النهائية لن تُقاس بما أعلنه ترامب أو بما رحبت به موسكو، وإنما بما ستضيفه الشحنات إلى السوق، وبما إذا كان تخفيف القيود سيظل إجراءً اقتصاديًا محدودًا أم سيترك أثرًا أوسع على مسار الحرب.

فالديزل هنا ليس مجرد وقود؛ إنه نقطة التقاء بين أمن الطاقة، وضغط الانتخابات، وسلاح العقوبات، ومصير حرب لم تنتهِ بعد.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مقالات

العسل المر

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

ترامب وبوتين وورقة الديزل

لم يكن الديزل هو ما يشغل العالم في حرب أوكرانيا، لكنه أصبح فجأة جزءًا من حسابات إنهائها أو استمرارها. ففي...

البالية والحركات الراقصة إبداع مصري قديم.. ديني ودنيوي

دراسة في التراث المصري القديم للباحثة زينب محمد عبد الرحيم باحثة في الفولكلور والثقافة الشعبية تقدم قراءة في كتاب "الرقص...

المعادلة الصعبة في ثورة الاتصال.. حماية السلام الاجتماعي !

قبل سنوات قليلة لم نتصور أن يتحول الهاتف المحمول من وسيلة للاتصال إلى وسيلة إعلام متكاملة يحملها الإنسان في يده،...

الوقاية تبدأ بالتطعيم.. ووعي الأسرة خط الدفاع الأول لحماية الأطفال

مع انطلاق العام الدراسي الجديد 2026/2027، وعودة الأطفال إلى المدارس والحضانات، تبرز أهمية تعزيز الوعي الصحي بالأمراض المعدية وسبل الوقاية...