تظل ذكرى السادس من أكتوبر واحدة من أعظم المحطات المضيئة في تاريخ مصر الحديث، وواحدة من اللحظات الفارقة التي تجلت فيها قدرة الإنسان المصري على تجاوز المحن والانتصار على المستحيل.
د. علي أحمد رأفت عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى-مشيخة الأزهر
ففي هذا اليوم المجيد لم تسترد مصر جزءًا عزيزًا من أرضها فحسب، وإنما استعادت ثقتها بنفسها، وأعادت للأمة العربية شعورها بالعزة والقدرة على الفعل والتأثير، بعد سنوات أراد البعض لها أن تكون سنوات يأس وانكسار.
ولئن كان المؤرخون يقفون طويلًا أمام بطولات رجال القوات المسلحة وما قدموه من صور نادرة للشجاعة والفداء، فإن من الإنصاف أن نتوقف كذلك أمام الدور الوطني والعلمي والدعوى الذي اضطلع به علماء الأزهر الشريف في تلك المرحلة الدقيقة من تاريخ الوطن؛ إذ كان العالِم الأزهري يدرك أن حماية الأوطان وصيانة مقدراتها ليست قضية سياسية فحسب، وإنما هي واجب شرعي تلتقي عنده مقاصد الدين ومصالح العباد.
وقد جاء الإسلام داعيًا إلى بناء القوة والإعداد لها، فقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]. ولذلك فهم علماء الأمة أن الأخذ بأسباب القوة فريضة شرعية، وأن التوكل الحق لا يقوم على التمني والانتظار، وإنما على العمل والإعداد والإتقان والتدريب الجاد.
وقد قرر العلماء أن «مصالح الدين والدنيا لا تستقيم ولا تكتمل إلا بالقوة والمنعة»، وهو المعنى الذي تجسد في ملحمة أكتوبر حين اجتمع الإيمان الراسخ بالتخطيط الدقيق والعلم المتقن والإعداد الطويل.
وفي هذا السياق يبرز اسم الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود رحمه الله، شيخ الأزهر إبان الحرب، الذي مثّل نموذج العالِم الربّاني المرتبط بقضايا وطنه وأمته.
فقد كان يؤكد في أحاديثه وكتاباته أن اليأس ليس من أخلاق المؤمنين، وأن الأمم التي تتمسك بعقيدتها وتأخذ بأسباب القوة لابد أن تبلغ غاياتها بعون الله تعالى.كما شارك علماء الأزهر في رفع الروح المعنوية للمقاتلين، وانتشروا في الوحدات العسكرية يذكرون الجنود بفضائل الصبر والثبات والمرابطة.
وقد استند هؤلاء العلماء إلى نصوص شرعية عظيمة تبين منزلة المدافعين عن أوطانهم؛ فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ» (رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، حديث رقم 1913)، وهو نص يرفع من شأن المرابطين الساهرين على أمن أوطانهم وحماية حدودها.
كما قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ» (رواه أبو داود برقم 4772 والترمذي برقم 1421 وقال: حديث حسن صحيح).
وقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث مشروعية الدفاع عن البلاد والشهادة في سبيل حمايتها وأنها من أشرف الواجبات وأعظم القربات.
كما قرر سلطان العلماء العز بن عبد السلام أن حفظ الأمن ورد المعتدين من أعظم المصالح التي جاءت الشريعة بتحقيقها، لما يترتب على فقدانها من ضياع الدين والنفس والمال والعرض. ولهذا قرر الفقهاء أن الدفاع عن الأوطان ليس مجرد حق، بل هو واجب شرعي تتأكد فرضيته عند وقوع العدوان.
ولعل من أعظم الدروس التي قدمها نصر أكتوبر أن النصر ليس ثمرة القوة المادية وحدها، ولا نتيجة الحماسة المجردة وحدها، وإنما هو حصيلة اجتماع الإرادة والإيمان والعلم.
ولذا جاء القرآن الكريم رابطًا بين الثبات النفسي والأخذ بالأسباب، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 200]، وقال عز وجل: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].
كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حب الوطن فطرة إنسانية لا تتعارض مع الإيمان، فقد قال عند خروجه من مكة: «والله إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض الله إليَّ، ولولا أني أُخرجت منك ما خرجت» (رواه الترمذي برقم 3925 وابن ماجه برقم 3108، وصححه جمع من أهل العلم).
ومن ثم فإن الدفاع عن الأوطان والمحافظة على استقرارها صورة من صور الوفاء والانتماء التي يقرها الشرع وترعاها الأخلاق.
إن ذكرى أكتوبر المجيد ليست مجرد استعادة لصفحات من التاريخ، وإنما هي دعوة متجددة لاستلهام قيم ذلك النصر العظيم: الإيمان بالله، والثقة بالنفس، وإتقان العمل، واحترام العلم، والانضباط، ووحدة الصف الوطني. وإن الأمة التي استطاعت أن تحقق ذلك النصر قادرة بإذن الله على أن تحقق في ميادين التنمية والعلم والبناء ما يليق بتاريخها وحضارتها ومكانتها بين الأمم.
وفي هذه الذكرى الخالدة نتوجه بالتحية والإجلال إلى شهدائنا الأبرار، وإلى أبطال قواتنا المسلحة الباسلة، وإلى علماء الأزهر وكل المخلصين الذين أسهموا في بناء روح الأمة وصناعة وعيها، سائلين الله تعالى أن يحفظ مصر آمنة مطمئنة، وأن يديم عليها نعمة الأمن والاستقرار، وأن يجعل من ذكرى أكتوبر مصدر إلهام للأجيال القادمة، تستلهم منها أن النصر يولد حين تلتقي إرادة المقاتل ببصيرة العالم، وحين يتعانق الإيمان الصادق مع العمل المتقن.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تظل ذكرى السادس من أكتوبر واحدة من أعظم المحطات المضيئة في تاريخ مصر الحديث، وواحدة من اللحظات الفارقة التي تجلت...
الثروة التي تصنع الرخاء.. ولا تضمن المستقبل في الاقتصاد، لا تأتي المرارة دائمًا من الخسارة. أحيانًا تبدأ من مكسب يبدو...
تتجدد في السادس من أكتوبر ذكرى العبور العظيم، لتستحضر الأمة واحدة من أزهى صفحات عزتها وكرامتها.
عبارة شهيرة «تتقطع الإيد اللي تتمد على مصري» قالها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال عام 2013 حين كان قائدًا للجيش...