الشركات الناشئة.. هل انتهى زمن التمويل السهل؟

لم يعد عالم الشركات الناشئة كما كان قبل سنوات قليلة. فالفكرة الجيدة لم تعد تكفي وحدها للحصول على التمويل، والنمو السريع لم يعد ضمانًا لاستمرار المستثمرين في ضخ الأموال، بينما أصبحت الشركات مطالبة بإثبات قدرتها على تحقيق قيمة حقيقية في وقت أقصر.

نهال الشافعي
ماجستير علوم سياسية و استراتيجية
ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية


ومع ذلك، فإن القول بأن رأس المال الجريء يتراجع بصورة عامة لا يعكس الصورة كاملة؛ فالأموال ما زالت موجودة، بل إن تمويل الشركات الناشئة عالميًا سجل مستويات قياسية، لكن طريقة توزيع هذه الأموال تغيرت بصورة واضحة.

فقد بلغ تمويل الشركات الناشئة عالميًا نحو 515 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، وهو مستوى قياسي، إلا أن نحو 60% من هذا التمويل ذهب إلى جولات استثمارية ضخمة بقيمة مليار دولار أو أكثر. وهذه المفارقة تكشف أن الأموال لم تختفِ من السوق، وإنما أصبحت أكثر تركيزًا في عدد محدود من الشركات والمشروعات التي يراهن المستثمرون على قدرتها على قيادة موجة التكنولوجيا الجديدة.

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

فالسوق انتقل تدريجيًا من مرحلة كان فيها المستثمر مستعدًا لتمويل عدد كبير من الأفكار وانتظار ما سيصل منها إلى مرحلة النضج، إلى مرحلة أصبحت فيها معايير الحصول على رأس المال أكثر صرامة. لم يعد السؤال فقط: هل تمتلك الشركة فكرة جيدة؟ وإنما: هل لديها سوق حقيقي؟ هل تستطيع تحقيق إيرادات؟ وهل تمتلك ميزة يصعب على المنافسين تقليدها؟

بمعنى آخر، انتقل الاستثمار من تمويل النمو إلى تمويل القيمة.

المال موجود.. لكنه أصبح أكثر انتقائية

خلال سنوات الطفرة، كان الحصول على جولة تمويل جديدة يبدو في بعض الأسواق وكأنه جزء طبيعي من رحلة الشركة الناشئة. تبدأ بفكرة، ثم تحصل على تمويل أولي، ثم تتوسع، ثم تدخل جولة جديدة، حتى قبل أن يصبح نموذجها الاقتصادي مكتملًا.

لكن تغير البيئة الاقتصادية العالمية فرض حسابات مختلفة. ارتفاع تكلفة رأس المال، وتغير شهية المستثمرين، والحاجة إلى تحقيق عوائد أكثر وضوحًا، كلها دفعت المستثمرين إلى إعادة النظر في معنى النمو نفسه.

لم يعد ارتفاع عدد المستخدمين كافيًا، ولا يكفي أن تكون الشركة موجودة في سوق سريع النمو. المستثمر يريد أن يعرف كيف ستتحول قاعدة المستخدمين إلى إيرادات، وكيف تتحول الإيرادات إلى نموذج مستدام، وكيف تتحول التكنولوجيا إلى ميزة حقيقية.

ولهذا يمكن أن يرتفع إجمالي التمويل في السوق، بينما ينخفض في الوقت نفسه عدد الشركات القادرة على الوصول إليه.

وفي آسيا، على سبيل المثال، بلغ تمويل الشركات الناشئة نحو 42.8 مليار دولار خلال الربع الثاني من 2026، وهو أعلى مستوى فصلي منذ أكثر من ثلاث سنوات، بينما وصل عدد الصفقات إلى مستوى منخفض نسبيًا، مع ذهاب أكثر من 60% من التمويل إلى شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

المعنى هنا واضح: الأموال لا تغادر السوق، لكنها تتركز في عدد أقل من الشركات والقطاعات.

وهذا التحول يحمل وجهين. فمن ناحية، يمكن أن يؤدي إلى رفع جودة الشركات التي تحصل على التمويل، لأن المنافسة على رأس المال تدفعها إلى تحسين نماذج أعمالها وتقليل الإنفاق غير الضروري والتركيز على ما يمكن قياسه. ومن ناحية أخرى، يجعل الطريق أكثر صعوبة أمام الشركات الصغيرة التي تحتاج إلى وقت أطول للوصول إلى مرحلة النضج.

وهنا تظهر قضية أعمق من مجرد التمويل.

فإذا استمرت الأموال في الاتجاه بصورة متزايدة نحو عدد محدود من الشركات والقطاعات، فإن رأس المال لن يكون مجرد وسيلة لتمويل الابتكار، وإنما سيصبح أحد العوامل التي تحدد أي ابتكارات تحصل أصلًا على فرصة للظهور والنمو.

وهذه نقطة استراتيجية شديدة الأهمية؛ لأن تركّز رأس المال قد يؤدي في النهاية إلى تركيز الابتكار نفسه.

الذكاء الاصطناعي قلب قواعد السباق

لا يمكن فهم التحول الحالي من دون النظر إلى الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أحد أكبر محركات إعادة توزيع رأس المال داخل قطاع التكنولوجيا.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قطاع جديد، وإنما أصبح تقنية تدخل في الصناعة والطاقة والنقل والدفاع والخدمات المالية والرعاية الصحية والإعلام وغيرها. ولهذا أصبحت الشركات التي تمتلك تقنيات قوية في هذا المجال قادرة على جذب مستويات استثنائية من التمويل.

ففي 2025 حصلت شركات الذكاء الاصطناعي على نحو 211 مليار دولار من التمويل، بما يقارب نصف رأس المال الجريء عالميًا، مع ارتفاع التمويل الموجه إليها بنحو 85% مقارنة بالعام السابق.

لكن التحول الأهم أن الأموال لم تعد تتجه فقط إلى التطبيقات، وإنما إلى البنية التحتية التي يحتاجها الاقتصاد الجديد: مراكز البيانات، وقدرات الحوسبة، والروبوتات، وأشباه الموصلات، والطاقة والتقنيات العميقة.

وقد وصل تمويل ما يعرف بـ«الذكاء الاصطناعي الفيزيائي» إلى 47.4 مليار دولار خلال النصف الأول من 2026، في 521 صفقة، أي ما يقارب أربعة أضعاف التمويل المسجل في النصف الثاني من 2025.

كما تجاوزت الاستثمارات العالمية في التقنيات العميقة منذ 2024 نحو 150 مليار دولار، بما يفوق إجمالي الاستثمارات التي دخلت هذا المجال خلال العقد السابق على 2020.

وهذا يكشف تحولًا في عقلية المستثمر نفسه. فالمراهنة لم تعد فقط على تطبيق يمكن أن ينتشر بسرعة، وإنما على تكنولوجيا يمكن أن تصبح جزءًا من البنية الأساسية للاقتصاد.

وهنا يتغير معنى الشركة الناشئة

فالشركة الأكثر جذبًا لرأس المال ليست بالضرورة تلك التي لديها أكبر عدد من المستخدمين، وإنما تلك التي تستطيع الإجابة عن سؤال أكثر أهمية: هل يمكن لهذه التكنولوجيا أن تغير قطاعًا كاملًا؟

ولهذا أصبح الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والطاقة ومراكز البيانات جزءًا من قصة الشركات الناشئة نفسها. فالتوسع الهائل في الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى استثمارات ضخمة وطويلة الأجل، ما دفع المؤسسات الاستثمارية الكبرى إلى الاقتراب بصورة أكبر من هذه المجالات.

وبذلك لم يعد رأس المال يبحث فقط عن الشركات التي ستستفيد من اقتصاد المستقبل، وإنما بدأ أيضا في تمويل البنية التي ستصنع هذا الاقتصاد.

ماذا تتعلم الدول النامية؟

هنا تصبح القضية أكبر من مستقبل الشركات الناشئة نفسها.

فالدول النامية تواجه خطرًا حقيقيًا إذا تعاملت مع التحول الحالي باعتباره مجرد سباق لجذب المزيد من صناديق الاستثمار. فاستقطاب رأس المال مهم، لكنه لا يمثل في حد ذاته نجاحًا اقتصاديًا.

الدرس الأول: لا تجذب رأس المال فقط.. ابنِ ما يستحق رأس المال.

الدولة التي تمتلك جامعات قوية، وبنية رقمية، ومهارات متقدمة، وتشريعات واضحة، وسوقا قادرا على تجربة التكنولوجيا، ستكون أكثر قدرة على تحويل الاستثمار إلى قيمة محلية. أما الدولة التي تستقبل المال دون أن تمتلك هذه المقومات فقد تحصل على تدفق مالي، لكنها لن تحصل بالضرورة على المعرفة أو الملكية الفكرية أو الشركات القادرة على المنافسة عالميًا.

ولهذا فإن المنافسة المقبلة لن تكون فقط بين الدول على جذب المستثمرين، وإنما على بناء البيئة التي تجعل المستثمر يجد أمامه شركات قابلة للنمو.

الدرس الثاني: لا تطارد كل تكنولوجيا.. ابحث عن ميزتك أنت.

الدول النامية ليست مطالبة بإنتاج نسخة من وادي السيليكون، ولا بأن تدخل كل سباق تكنولوجي في الوقت نفسه. الأذكى هو تحديد المشكلات التي تمتلك فيها ميزة نسبية وتحويلها إلى أسواق للابتكار.

الزراعة يمكن أن تصبح مجالًا للتكنولوجيا الزراعية وإدارة المياه وسلاسل الإمداد، والطاقة يمكن أن تصبح مجالًا لحلول الكفاءة والطاقة المتجددة، والموانئ والنقل والتجارة يمكن أن تتحول إلى بيئة لتطوير التكنولوجيا اللوجستية، والخدمات المالية يمكن أن تصبح مساحة للابتكار الرقمي والشمول المالي.

بهذا المعنى، يمكن للمشكلة المحلية أن تتحول إلى فرصة عالمية.

أما الدرس الثالث: فلا تجعل الشركة الناشئة جزيرة منفصلة عن الاقتصاد.

الشركة التي تعمل وحدها بعيدًا عن الجامعات والصناعة والمستثمرين والأسواق الكبرى ستظل محدودة القدرة على التوسع. ولذلك تحتاج الدول إلى بناء منظومة تربط البحث العلمي بالقطاع الخاص، والجامعات بالصناعة، والمستثمرين بالشركات في مراحل نموها المختلفة.

وهنا يأتي دور الدولة بصورة مختلفة. ليس مطلوبًا أن تمول كل فكرة أو أن تختار نيابة عن السوق الشركات الرابحة، وإنما أن تقلل المخاطر أمام الاستثمار الخاص، وتوفر البنية الأساسية، وتحمي المنافسة والملكية الفكرية، وتخلق البيئة التي تسمح للشركات الجيدة بالبقاء والتوسع.

وبالنسبة لمصر، فإن الفرصة لا تكمن فقط في زيادة عدد الشركات الناشئة، وإنما في الانتقال تدريجيًا من التركيز على الشركات التي تقدم خدمات رقمية للسوق المحلية إلى بناء شركات قادرة على إنتاج حلول في مجالات مثل الطاقة والزراعة والصناعة واللوجستيات والخدمات المالية والتكنولوجيا الحكومية، ثم توسيع هذه الحلول إلى الأسواق العربية والأفريقية.

وهنا يصبح حجم السوق المصرية ميزة يمكن البناء عليها، لا مجرد سوق للاستهلاك.

رأس المال يعيد رسم خريطة المستقبل

ما يحدث في سوق رأس المال الجريء اليوم ليس مجرد دورة صعود وهبوط في الاستثمار، وإنما جزء من تحول أوسع في الاقتصاد العالمي.

الدول لم تعد تتنافس فقط على جذب المصانع أو الاستثمارات التقليدية، وإنما على جذب العقول والتكنولوجيا والبيانات ومراكز البحث والبنية الرقمية والطاقة والشركات القادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.

ولهذا أصبحت الشركات الناشئة جزءًا من معادلة القوة الاقتصادية للدول.

الدولة التي تستطيع إنتاج شركات تكنولوجية عالمية لا تحصل فقط على عوائد مالية، وإنما تبني خبرة وملكية فكرية وسلاسل توريد وفرص عمل نوعية وقدرة على التأثير في الأسواق.

أما الدولة التي تكتفي باستهلاك التكنولوجيا التي تنتجها دول أخرى، فقد تحقق تحولًا رقميًا دون أن تحقق بالضرورة تحولًا في موقعها داخل الاقتصاد العالمي.

ومن هنا فإن عصر التمويل السهل قد يكون بالفعل في طريقه إلى الانتهاء، لكن هذا لا يعني نهاية الشركات الناشئة.

بل ربما يكون العكس.

إنها بداية مرحلة أكثر صعوبة، لكنها قد تكون أكثر نضجًا أيضًا؛ مرحلة لا يكفي فيها أن تمتلك الشركة فكرة جذابة، وإنما يجب أن تثبت أن لديها سوقًا وتكنولوجيا ونموذجًا اقتصاديًا وقدرة على الصمود.

وبالنسبة للدول النامية، فإن التحدي أكبر: ليس فقط كيف تجذب رأس المال، وإنما كيف تمنع رأس المال من المرور عبر اقتصادها دون أن يترك وراءه قيمة حقيقية.

ففي عصر رأس المال الانتقائي، لن تكون المعركة بين الشركات على من يحصل على التمويل أولًا، وإنما على من يستطيع إثبات أنه يستحقه.

وربما تكون هذه هي القاعدة الجديدة في الاقتصاد العالمي: رأس المال لا يختفي.. لكنه أصبح أكثر ذكاءً في اختيار المكان الذي يذهب إليه. والدول التي تريد أن تكون جزءًا من اقتصاد المستقبل، عليها أن تبني الشركات والعقول والتكنولوجيا التي تجعل رأس المال يريد أن يأتي إليها.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي
نهال الشافعي

المزيد من مقالات

الشركات الناشئة.. هل انتهى زمن التمويل السهل؟

لم يعد عالم الشركات الناشئة كما كان قبل سنوات قليلة. فالفكرة الجيدة لم تعد تكفي وحدها للحصول على التمويل، والنمو...

مع بداية عام دراسي جديد.. طلب العلم فريضة، والملائكة تضع أجنحتها لطالب العلم

طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة، فقد خلق الله سيحانه وتعالى الإنسان وميزه بالعقل عن سائر المخلوقات وأمده...

حكاية تمثال

اليوم في احكي يا تاريخ نتناول ورقة البنكنوت من فئة العشرين جنيها وصورة الكاتب المصري القديم الموجودة عليها.

ماسبيرو إبداع واستثمار !

ظل الإعلام المصري طويلًا أسيرًا لقضايا المحتوى والسياسة والمهنية والتكنولوجيا، بينما غاب في كثير من الأحيان سؤال مهم.. ماذا عن...