قد تبدأ قصة كبيرة من مكان صغير.. سيدة تتعلم مهارة جديدة في قرية مصرية، فتاة تدخل مجالا تكنولوجيا كان بعيدا عنها، رائدة أعمال تبحث عن سوق جديد لمنتجها، أو باحثة تفتح نافذة للتعاون مع نظيراتها في الصين. من هذه التفاصيل الصغيرة يمكن أن تتشكل ملامح شراكة أكبر، وأكثر قربا من الإنسان.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
هنا تبرز المرأة باعتبارها أحد أهم الجسور التي يمكن أن تحمل العلاقات المصرية الصينية إلى مساحة جديدة؛ مساحة لا تكتفي بالتعاون السياسي والاقتصادي، وإنما تركز على بناء القدرات، ونقل المعرفة، ودعم الابتكار، وخلق فرص حقيقية للمشاركة في اقتصاد المستقبل.
وبعد 70 عاما من العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، تبدو هذه المساحة أكثر أهمية. فمنذ إقامة العلاقات في 30 مايو 1956، وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، تطورت العلاقات بصورة متدرجة حتى أصبحت شراكة استراتيجية شاملة تمتد إلى مجالات متعددة، من الاقتصاد والاستثمار والصناعة والطاقة والزراعة، إلى النقل والتكنولوجيا والتنمية.
لكن العلاقات الناجحة لا تتوقف عند ما تحقق، وإنما تبحث دائما عن آفاق جديدة. ومن هنا يأتي تمكين المرأة كأحد المسارات التي يمكن أن تضيف بعدا جديدا إلى الشراكة المصرية الصينية، خاصة مع امتلاك مصر طاقات نسائية واسعة، وامتلاك الصين خبرات وتجارب كبيرة في مجالات التكنولوجيا والتصنيع والتدريب وريادة الأعمال.
والتقاء هذه المقومات يمكن أن يحول المرأة من مستفيدة من برامج التعاون إلى شريك حقيقي في صناعة التنمية.
المرأة.. حين تصل الشراكة إلى القرية
أحيانا لا تحتاج العلاقات بين الدول إلى مشروع ضخم كي يشعر بها المواطن؛ فقد تبدأ من تدريب امرأة على مهارة، أو مساعدتها في تطوير مشروع صغير، أو فتح باب جديد أمامها للوصول إلى فرصة اقتصادية.
ومن النماذج اللافتة في هذا السياق مبادرة «أمل جديد للتمكين الاقتصادي»، التي بدأت مرحلتها الأولى عام 2025، قبل أن تتوسع في مرحلتها الثانية خلال 2026 لتصل إلى عدد أكبر من الأسر الريفية.
وتبرز قرية دمسنا بمحافظة البحيرة كأحد النماذج الحالية للمبادرة، في إطار تعاون مصري صيني يشارك فيه التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي وسفارة جمهورية الصين الشعبية بالقاهرة وشركة «نيو هوب» الصينية، إلى جانب مؤسسة صناع الخير للتنمية.
وتقدم المبادرة نموذجا عمليا لفكرة التمكين الاقتصادي؛ إذ لا تتوقف عند تقديم المساعدة، وإنما تستهدف تحويل المهارة والإمكانات المتاحة داخل الأسرة الريفية إلى نشاط إنتاجي يمكن أن يدر دخلا ويدعم الاستقرار الاقتصادي للأسرة.
وفي دمسنا، ارتبط البرنامج بتدريب السيدات على تربية الدواجن، مع توفير مستلزمات التربية والمتابعة الفنية والبيطرية، بما يمنح المشاركات فرصة لاكتساب خبرة عملية يمكن البناء عليها وتحويلها إلى مصدر دخل.
وتستهدف المرحلة الحالية في محافظة البحيرة 100 أسرة في أربع قرى، بواقع 25 أسرة في كل قرية، فيما يستفيد نحو 600 أسرة من البرنامج في المناطق المستهدفة، بما يعكس اتجاها نحو توسيع نطاق التجربة وتحويلها إلى نموذج قابل للتطبيق في مجتمعات ريفية أخرى.
وتزداد أهمية التجربة مع زيارة القنصل العام لجمهورية الصين الشعبية بالإسكندرية لبرنامج تدريب السيدات في مركز تنمية الأسرة والطفل بدمسنا، والاطلاع على مراحل التدريب والاستماع إلى تجارب المشاركات، في صورة تعكس أن التعاون المصري الصيني يمكن أن يصل إلى تفاصيل الحياة اليومية داخل المجتمع المحلي.
وفي المرحلة الحالية، تحصل الأسرة المشاركة على مستلزمات تساعدها على بدء دورة التربية، من بينها الكتاكيت والأعلاف والأدوية، إلى جانب التدريب والمتابعة الفنية والبيطرية. وتستمر دورة التربية لنحو 60 يوما، بما يتيح للأسرة خوض تجربة إنتاجية متكاملة بدلا من تلقي دعم مؤقت.
وكانت نتائج المرحلة الأولى من المبادرة قد أظهرت إمكانية تحقيق أثر اقتصادي مباشر؛ إذ سجلت الأسر المشاركة زيادة في الدخل بمتوسط يقارب 8,900 جنيه، مع تجاوز معدل بقاء الدواجن 95%، وهي مؤشرات تعكس أهمية الجمع بين التدريب والدعم الفني والمتابعة.
وهنا تظهر القيمة الحقيقية للمبادرة؛ فتمكين المرأة لا يعني فقط زيادة دخلها، وإنما منحها المعرفة والخبرة والأدوات التي تجعلها أكثر قدرة على إدارة نشاط اقتصادي، والمشاركة في الإنتاج، وتحسين فرص أسرتها.
كما أن التجربة تقدم مفهوما مهما للتعاون التنموي، يقوم على الجمع بين الخبرة الفنية والدعم المجتمعي. فالمعرفة والخبرة الصينية تلتقي مع قدرات المؤسسات المصرية على الوصول إلى الأسر والمجتمعات المحلية، لتتحول الشراكة من اتفاقات ومشروعات إلى أثر ملموس في حياة الناس.
والأهم أن مثل هذه التجارب تفتح الباب أمام تطوير نماذج أخرى للتمكين الاقتصادي، سواء في الزراعة الحديثة أو التصنيع الغذائي أو الصناعات الصغيرة أو إعادة التدوير، بما يتناسب مع طبيعة كل مجتمع واحتياجاته.
فالهدف الحقيقي ليس أن تتعلم المرأة فقط، وإنما أن تجد بعد التعلم طريقا تستخدم فيه ما تعلمته وتطوره وتحوله إلى قيمة اقتصادية.
التكنولوجيا.. بوابة المرأة إلى اقتصاد المستقبل
إذا كانت الشراكة المصرية الصينية قد قطعت شوطا كبيرا في مجالات الصناعة والطاقة والنقل والزراعة، فإن التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي يمثلان مساحة واعدة للتعاون خلال المرحلة المقبلة.
العالم يتغير بسرعة، ومعه تتغير طبيعة الوظائف ومهارات سوق العمل. وأصبح الذكاء الاصطناعي والبرمجة والتجارة الإلكترونية والتصنيع الذكي والتكنولوجيا الخضراء جزءا من الاقتصاد الجديد.
وهنا تستطيع الشراكة المصرية الصينية أن تفتح مسارات جديدة أمام الفتيات والسيدات، من خلال برامج تدريبية مشتركة، وتبادل الخبرات، ودعم رائدات الأعمال، وتشجيع الابتكار.
الصين تمتلك تجربة واسعة في توظيف التكنولوجيا لخدمة الصناعة والإنتاج، بينما تمتلك مصر قاعدة بشرية شابة وسوقا كبيرة وموقعا استراتيجيا يؤهلها لتكون بوابة مهمة للأسواق العربية والإفريقية.
وعندما تلتقي الخبرة الصينية بالطاقة البشرية المصرية، يمكن أن تظهر فرص جديدة للمرأة في مجالات لم تعد مرتبطة بالوظائف التقليدية.
كما يمكن للتجارة الإلكترونية أن تمنح المشروعات الصغيرة التي تقودها النساء فرصة للوصول إلى أسواق جديدة، بينما تتيح الأدوات الرقمية العمل والتسويق والتواصل خارج الحدود الجغرافية المعتادة.
لكن الأهم أن يكون التعاون قائما على بناء المعرفة وليس فقط نقل التكنولوجيا.
فالهدف ليس أن تحصل المرأة على أدوات حديثة فحسب، وإنما أن تمتلك القدرة على فهمها وتوظيفها وتطويرها، وأن تتحول من مستخدمة للتكنولوجيا إلى مشاركة في إنتاج الحلول والأفكار.
وهنا يأتي دور الجامعات ومراكز البحث والتدريب في البلدين، من خلال توسيع برامج التبادل العلمي، والمنح، والتدريب، والمشروعات البحثية المشتركة، وإتاحة مساحات أكبر أمام الباحثات والمبتكرات.
كما يمكن أن يمثل دعم رائدات الأعمال وتسهيل وصولهن إلى الأسواق والتمويل والتكنولوجيا أحد أهم مجالات التعاون خلال السنوات المقبلة.
فكل مشروع نسائي قابل للنمو لا يمثل نجاحا فرديا فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى فرصة عمل، ومنتج جديد، وسلسلة قيمة تمتد إلى قطاعات أخرى.
من القرية إلى الاقتصاد الأخضر
وتفتح تجربة "أمل جديد" الباب أمام التفكير في مرحلة أوسع من التعاون، تربط تمكين المرأة بالاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة.
فالمرأة الريفية يمكن أن تكون شريكا في مشروعات الزراعة الحديثة، والتصنيع الغذائي، وإعادة التدوير، وإدارة الموارد، والمشروعات الصغيرة المرتبطة بالبيئة، خاصة إذا توافرت لها المعرفة والتدريب وقنوات التسويق.
وهنا يمكن أن تتقاطع الخبرات المصرية والصينية في مجالات متعددة، من التكنولوجيا الزراعية إلى التصنيع المستدام والاقتصاد الدائري، بما يخلق فرصا جديدة أمام النساء في المحافظات والقرى.
فالتمكين الحقيقي لا ينفصل عن طبيعة الاقتصاد الذي نريد بناءه؛ اقتصاد أكثر إنتاجا، وأكثر استدامة، وأكثر قدرة على توفير فرص العمل.
النيل واليانجتسي.. شراكة تصنع المستقبل
ما يجمع مصر والصين يتجاوز المصالح الاقتصادية والسياسية؛ فهناك رابط حضاري وإنساني بين دولتين عرفتا منذ آلاف السنين قيمة العمل والمعرفة والزراعة والبناء.
النيل واليانجتسي ليسا مجرد نهرين، وإنما رمزان لحضارتين استطاعتا أن تبنيا مجتمعاتهما حول الماء والعمل والمعرفة، وأن تحافظا على حضورهما عبر التاريخ.
واليوم يمكن لهذا الإرث الحضاري أن يجد امتدادا جديدا في التعاون الإنساني والمعرفي، وتكون المرأة إحدى أهم حلقاته.
فالتبادل الثقافي والتعليمي، وبرامج التدريب، والمنح الدراسية، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، كلها مساحات تستطيع أن تعزز التواصل بين الشعبين، وأن تجعل العلاقات المصرية الصينية أكثر قربا من الإنسان.
ومع مرور 70 عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية، فإن التحدي الحقيقي ليس فقط الحفاظ على ما تحقق، وإنما اكتشاف مساحات جديدة تستطيع أن تحمل الشراكة إلى العقود المقبلة.
وهنا تصبح المرأة جزءا من المعادلة الاقتصادية والاستراتيجية، وليست ملفا اجتماعيا منفصلا.
فالمرأة التي تدخل سوق العمل تضيف إلى الاقتصاد، ورائدة الأعمال التي تطور مشروعها تخلق قيمة وفرصا، والباحثة التي تحصل على فرصة للتعلم والابتكار تضيف إلى المعرفة، والفتاة التي تمتلك مهارة رقمية تصبح أكثر قدرة على المشاركة في اقتصاد المستقبل.
ومن هذه الزاوية، فإن تمكين المرأة يمكن أن يتحول إلى أحد المسارات المهمة في تطوير الشراكة المصرية الصينية.
مصر لديها طاقات بشرية كبيرة، والصين لديها خبرات وتجارب واسعة في التكنولوجيا والتصنيع والتدريب، والتعاون بين الطرفين يمكن أن يقوم على التكامل وتبادل المعرفة، وليس فقط على نقل الخبرة في اتجاه واحد.
كما أن المشروعات الخضراء تمثل مجالا واعدا آخر أمام المرأة، خاصة في مجالات إعادة التدوير، والطاقة النظيفة، والزراعة الحديثة، والتصنيع المستدام، وسلاسل القيمة المرتبطة بالمنتجات الزراعية.
وهنا تلتقي ثلاثة ملفات مهمة في مساحة واحدة: تمكين المرأة، والتنمية المستدامة، والتعاون المصري الصيني.
وهي معادلة يمكن أن تمنح الشراكة بعدا أكثر عمقا خلال السنوات المقبلة.
إن العلاقات التي بدأت قبل سبعة عقود بين القاهرة وبكين أثبتت قدرتها على التطور مع تغير العالم. واليوم، ربما يكون الوقت مناسبا لإضافة بعد جديد إلى هذه المسيرة؛ بعد يجعل الإنسان في قلب الشراكة، ويمنح المرأة مساحة أكبر في صناعتها.
فالاستثمار في المرأة ليس استثمارا في فرد فقط، وإنما في أسرة ومجتمع واقتصاد.
وتمكينها لا يعني تقديم الدعم لها فحسب، وإنما منحها الأدوات التي تجعلها قادرة على صناعة الفرصة بنفسها.
ومن هنا يمكن أن يصبح التعاون المصري الصيني في تمكين المرأة نموذجا لشراكة أكثر قربا من المواطن، وأكثر ارتباطا باحتياجات المستقبل.
النيل واليانجتسي يمكن أن يكونا رمزا لجسر جديد بين الحضارتين؛ جسر لا يحمل فقط التجارة والاستثمارات والتكنولوجيا، وإنما يحمل أيضا المعرفة والمهارة والطموح.
وبعد سبعة عقود من الصداقة والشراكة.. يمكن للمرأة أن تكون أحد أهم الجسور التي تحمل العلاقات المصرية الصينية نحو مستقبل أكثر اتساعا وتأثيرا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
قد تبدأ قصة كبيرة من مكان صغير.. سيدة تتعلم مهارة جديدة في قرية مصرية، فتاة تدخل مجالا تكنولوجيا كان بعيدا...
في عالمٍ لا تتحرك خرائطه بالحروب وحدها، ولا تُعاد صياغة موازين قوته دائمًا تحت دوى المدافع، فثمّة خرائط أخرى تُرسم...
كلمة صغيرة... لكنها ليست سهلة دائما.. تأتيك رسالة تطلب منك شيئا فى يوم مزدحم، وتنظر إلى جدولك وتعرف أنك لا...
العودة للدراسة فرصة لإعادة تنظيم نمط حياة الطلاب بما يدعم المناعة، والنوم، والتركيز، والنشاط البدني، والصحة النفسية. فالمدارس والجامعات تجمع...