قانون الإجراءات الجنائية الجديد: ما الذي يحتاج المواطن إلى معرفته؟

قانون الإجراءات الجنائية هو الطريق القانوني الذي تسير فيه الدعوى الجنائية من لحظة وقوع الجريمة أو الإبلاغ عنها، مرورًا بجمع الاستدلالات والتحقيق، ثم الإحالة والمحاكمة والطعن وتنفيذ الأحكام. وهو لا يحدد فقط ما تفعله جهات إنفاذ القانون، بل يحدد كذلك حقوق المواطن إذا كان متهمًا، أو مجنيًا عليه، أو شاهدًا، أو مبلغًا، أو صاحب مصلحة في معرفة مسار العدالة.

بقلم المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام

 

 

لذلك يمس هذا القانون الحياة اليومية للناس أكثر مما يتصور كثيرون؛ فهو يظهر عند تحرير محضر، أو استدعاء شاهد، أو تفتيش مسكن، أو استجواب متهم، أو إعلان جلسة، أو حضور محام، أو استعمال حق الطعن.

ومن هنا تأتي أهمية قانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، الصادر بعد موافقة مجلس النواب، والذي تقرر بدء العمل به في 1 أكتوبر 2026.

فهذا القانون لا يمثل تعديلًا جزئيًا محدودًا، بل إعادة بناء واسعة لقواعد العدالة الجنائية بما يستجيب للتطور الدستوري والتقني والعملي.

وهذه المقالة قراءة توعوية أولى في القانون الجديد، لأن مستحدثاته كثيرة ومتفرعة، وتحتاج إلى أكثر من مقال لشرحها بطريقة مبسطة ودقيقة.

معنى الإجراءات الجنائية في حياة المواطن

الإجراءات الجنائية هي القواعد التي تضمن أن مكافحة الجريمة تتم بطريق منضبط لا يخل بحقوق الإنسان ولا يضعف حق المجتمع في العدالة.

فالعقوبة لا تطبق بمجرد الاتهام، والحقيقة لا تثبت بالانطباع، والإدانة لا تقوم إلا عبر محاكمة تتوافر فيها الضمانات.

وهذا هو الفرق بين العدالة المنظمة ورد الفعل العاطفي: العدالة تحتاج إلى دليل، وإجراء صحيح، ودفاع، وقاضٍ، وطريق للطعن، وزمن معقول للفصل.

وتظهر قيمة هذا القانون في أنه يحمي أطرافًا متعددة في وقت واحد. فهو يحمي المجني عليه بفتح طريق للشكوى والتحقيق وجبر الضرر. ويحمي المتهم بضمان قرينة البراءة وحق الدفاع وحضور المحامي. ويحمي الشاهد والمبلغ حين يضع قواعد للتعامل مع الشهادة والإبلاغ. ويحمي المجتمع كله حين يجعل الإجراءات واضحة، فلا تضيع الحقوق بسبب الفوضى أو الغموض أو البطء.

ولهذا فإن قانون الإجراءات الجنائية ليس قانونًا للمتخصصين وحدهم. المواطن العادي يحتاج إلى معرفة معانيه الأساسية: متى يجوز القبض؟ متى يجب حضور المحامي؟ ما حدود التفتيش؟ كيف يتم الإعلان؟ ما معنى الحبس الاحتياطي؟ ما بدائله؟ ما حق الطعن؟ هذه المعرفة لا تجعل المواطن في مواجهة المؤسسات، بل تجعله أكثر وعيًا بحقوقه وواجباته داخل دولة القانون.

الأساس الدستوري للضمانات الجنائية

يقوم قانون الإجراءات الجنائية على أساس دستوري واضح. فقد نصت المادة 54 من الدستور على أن: "الحرية الشخصية حق طبيعى، وهى مصونة لا تمس"، وقررت أن كل من تقيد حريته يجب أن يبلغ فورًا بأسباب ذلك، وأن يحاط بحقوقه كتابة، وأن يمكن من الاتصال بذويه ومحاميه فورًا، وأن يقدم إلى سلطة التحقيق خلال المدة التي يحددها القانون.

وهذه المادة هي الأصل الدستوري لكل ضمانات القبض والحبس والتحقيق.وتنص المادة 55 على أن كل من يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته يجب معاملته بما يحفظ كرامته، ولا يجوز تعذيبه ولا ترهيبه ولا إكراهه ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنويًا، ولا يكون حجزه أو حبسه إلا في أماكن مخصصة لذلك لائقة إنسانيًا وصحيًا.

كما تقرر المادة 96 أن: "المتهم برئ حتى تثبت إدانته فى محاكمة قانونية عادلة، تكفل له فيها ضمانات الدفاع عن نفسه."أما حرمة المساكن، فتستند إلى المادة 58 من الدستور، التي تقرر أن للمنازل حرمة، ولا يجوز دخولها أو تفتيشها أو مراقبتها أو التنصت عليها إلا بأمر قضائي مسبب، وفي الأحوال المبينة في القانون.

ومن هنا نفهم لماذا اهتم القانون الجديد بترسيخ الحماية الدستورية للمساكن، وتوضيح حالات الدخول الاستثنائية عند الاستغاثة أو الخطر الناجم عن الحريق أو الغرق أو ما شابه ذلك. فالقاعدة هي الحرمة، والاستثناء يفسر بقدر ضرورته.

أهم المستحدثات التي تمس الحقوق اليومية

من أبرز ما أعلنه البيان الرسمي بشأن القانون الجديد أنه يزيد الضمانات المقررة لحماية الحقوق والحريات العامة، ويحقق مزيدًا من الوضوح التشريعي حتى لا تتعدد التفسيرات أو تظهر إشكاليات في التطبيق.

ويبدأ ذلك من موعد النفاذ نفسه؛ فقد تقرر العمل بالقانون في 1 أكتوبر 2026 ، لإتاحة الوقت أمام القضاة وأعضاء النيابة العامة ومأموري الضبط القضائي والمحامين للإلمام بالأحكام المستحدثة، ولتمكين المحاكم من إنشاء مراكز الإعلانات الهاتفية.

ومن أهم المستحدثات كذلك زيادة بدائل الحبس الاحتياطي من ثلاثة بدائل إلى سبعة.

والمعنى العملي لذلك أن الحبس الاحتياطي يصبح أقرب إلى الإجراء الأخير عند الحاجة، لا الطريق التلقائي في كل حالة. ومن هذه البدائل إلزام المتهم بعدم مغادرة نطاق جغرافي محدد إلا بإذن، أو الامتناع عن مقابلة أشخاص معينين أو الاتصال بهم، أو منع حيازة الأسلحة مؤقتًا، أو استخدام وسائل تقنية في التتبع عند توافر ظروف العمل بها وفق القرارات المنظمة.

ويتصل بذلك عرض أوراق القضايا التي يوجد فيها متهم محبوس احتياطيًا على النائب العام بصفة دورية كلما انقضت ثلاثة أشهر على حبسه أو على آخر عرض، لاتخاذ ما يراه كفيلًا بسرعة الانتهاء من التحقيق.

وهذا التوجه يربط بين الحبس الاحتياطي وبين جدية المتابعة، ويؤكد أن طول الإجراء يحتاج إلى مراجعة مستمرة.

كما نظم القانون الجديد إجراءات حضور المحامين أثناء استجواب المتهم الذي يخشى على حياته، وزاد الضمانات المتعلقة بمن يتقرر إيداعه أحد مراكز الإصلاح والتأهيل أو أماكن الاحتجاز لحين استجوابه بحضور محاميه، من خلال تقييد الإيداع بحالات ومبررات محددة، ومدة مؤقتة، ورقابة قضائية، وحق في الطعن على الأمر القضائي الصادر بالإيداع أو بمده.

التحول الرقمي وضمان العلم بالإجراءات

من المستحدثات المهمة في القانون الجديد إعادة تنظيم الإعلان بما يتفق مع التطور التقني والتكنولوجي، مع الحفاظ على الإجراءات التقليدية عند تعذر الإعلان بالوسائل الحديثة لأي سبب.

وهذه نقطة عملية شديدة الأهمية؛ لأن إعلان الخصوم ليس إجراءً شكليًا، بل هو طريق العلم بالدعوى والجلسة والقرار والميعاد.

والعدالة لا تقوم على مفاجأة الخصوم، بل على تمكينهم من الحضور والدفاع في الوقت الصحيح.ويعني ذلك أن القانون يسير نحو استخدام وسائل تقنية المعلومات في الإعلان والتواصل، دون إلغاء الضمانات التقليدية التي تمنع تعطيل العمل أو ضياع المواعيد عند تعذر الوسيلة الإلكترونية. فالغاية ليست الرقمنة لمجرد الرقمنة، بل تحقيق علم أكثر وضوحًا، وإجراء أكثر انتظامًا، وعدالة أسرع وأقرب إلى الواقع.

وقد أشار مجلس النواب، في ملامح مشروع القانون، إلى تنظيم إجراءات التحقيق والمحاكمة من خلال الوسائل الإلكترونية، وتوفير حماية فعالة للمتهمين والمبلغين والشهود، وترسيخ مبدأ لا محاكمة دون محام، وتفعيل حق المتهم في الصمت، وإعادة تنظيم الطعن في الأحكام الغيابية، وتنظيم استئناف أحكام الجنايات، وحماية حقوق ذوي الهمم، وضمان حقوق المرأة والطفل.

وهذه المجالات تكشف اتساع القانون الجديد، وتبرر أن يكون هذا المقال مدخلًا أولًا لا عرضًا نهائيًا لكل التفاصيل.والقاعدة التي ينبغي أن تصل إلى المواطن بسيطة: التقنية في العدالة الجنائية يجب أن تخدم الضمانة، لا أن تختصرها.

الإعلان الإلكتروني، والمحاكمة أو التحقيق عبر الوسائل الحديثة، وحماية الشهود، كلها أدوات نافعة حين تنفذ بضوابط واضحة، وتوثيق دقيق، واحترام لحق الدفاع، ومراعاة لظروف الأشخاص.

وعي المواطن ضمانة إضافية للعدالة

القانون الجديد يضع قواعد وضمانات، لكن فاعلية هذه القواعد تحتاج إلى وعي عام. على المواطن أن يعرف أن حق الدفاع ليس تفصيلًا، وأن حضور المحامي في مواضعه القانونية ضمانة للمتهم ولحسن سير العدالة معًا.

وعليه أن يعرف أن الحبس الاحتياطي ليس عقوبة، بل إجراء مؤقت تحكمه الضرورة والضمانات والرقابة. وعليه أن يدرك أن الإعلان الصحيح يحفظ حقه في الحضور والطعن، وأن تجاهل الرسائل أو الإعلانات أو المواعيد قد يضر بمركزه القانوني.

ومن المفيد عمليًا أن يحتفظ المواطن برقم المحضر أو القضية، وصور الإعلانات أو الرسائل الرسمية، وتواريخ الجلسات والقرارات، وأن يبادر إلى طلب المشورة القانونية عند الاستدعاء أو التحقيق أو الإعلان أو صدور حكم.

كما ينبغي أن يكون الوعي الشعبي بعيدًا عن الشائعات؛ فالقانون الجديد واسع ودقيق، وبعض أحكامه لا تفهم من عناوين سريعة أو منشورات مبتورة.

وفي الختام، فإن قانون الإجراءات الجنائية الجديد يستحق قراءة هادئة ومنظمة، لأنه يمس جوهر العلاقة بين المواطن والعدالة.

فهو قانون يشرح كيف تتحرك الدعوى الجنائية، وكيف تحمى الحرية الشخصية، وكيف تصان حرمة المسكن، وكيف يحضر الدفاع، وكيف يراجع الحبس الاحتياطي، وكيف تدخل التقنية إلى الإجراءات دون التفريط في الضمانات.

وسيكون من المفيد أن تتناول مقالات لاحقة، كل على حدة، موضوعات مثل الحبس الاحتياطي وبدائله، الإعلان الإلكتروني، حماية الشهود والمبلغين، حق الدفاع، واستئناف أحكام الجنايات.

فكلما فهم الناس الإجراء، اقترب القانون من حياتهم، وصارت العدالة أوضح، وأكثر ثقة، وأقرب إلى غايتها الأساسية: حماية المجتمع وصون الحقوق في آن واحد.

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسام الدين علام
حسام الدين علام
حسام الدين علام

المزيد من مقالات

حين تبدأ الأزمات من الممرات وتنتهي في الأسواق

قد يبدو البحث عن مسارات جديدة لنقل الطاقة، كما يجري في النقاشات السعودية الفرنسية الأخيرة، مسألة لوجستية هدفها تأمين طرق...

من الحرف إلى الإنسان .. سراج في عتمة البيان

ليست كل الكلمات سواء؛ فبعضها يمر على الأسماع عابرا، ومنها ما يستقر في النفوس، وطائفة تتجاوز أثرها المباشر لتغير حياة...

المسيحيون صنعوا عروسة وحصان المولد هدية للمسلمين

في ذكرى المولد النبوي تعود بنا الذاكرة لآلاف السنين حيث استمد المصري موروثاته الشعبية من تاريخه العريق الذي استمر حيا...

" الإعلامي متعدد المهارات " الوظيفة الأغلى في سوق الإعلام الرقمي !

عندما وقع حادث غرق العبارة السلام 98 عام 2006، كان الخبر أكبر من مجرد حادث بحري مأساوي بل كان اختبارًا...