في تاريخ الحضارات القديمة عرفت مدن كثيرة بأسماء ملوك أو قبائل، لكن أن تحمل إمبراطورية كاملة اسم إلهها، فهذا أمر نادر، هذا ما حدث في شمال بلاد الرافدين.
د. دينا إبراهيم سليمانأستاذ اثار مصر والشرق الأدنى القديمكلية الآثار والإرشاد السياحيجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا
فالإله آشور لم يكن مجرد معبود تتوجه إليه الصلوات، بل أصبح رمزًا للدولة نفسها، حتى إن اسم المدينة، ثم المملكة، ثم الإمبراطورية، ارتبط باسمه.
ومنذ ذلك الحين لم يعد من السهل الفصل بين الإله والشعب، أو بين العقيدة والسياسة، ولعل هذا ما يفسر لماذا كان الملوك الآشوريون يرون أنفسهم منفذين لإرادة آشور على الأرض، وليسوا مجرد حكام لدولة قوية.
من مدينة صغيرة إلى إمبراطورية عظيمةفي البداية كان آشور اسمًا لمدينة تقع على الضفة الغربية لنهر دجلة، شمال العراق الحالي، وقد كشفت الحفريات الأثرية أن المدينة كانت مركزًا تجاريًا ودينيًا مهمًا منذ الألف الثالث قبل الميلاد، ثم أصبحت عاصمة للمملكة الآشورية الأولى.
ومع اتساع نفوذ الآشوريين، انتقلت العاصمة إلى مدن أخرى مثل: كالح (نمرود) - دور شروكين – نينوى. لكن مدينة آشور ظلت القلب الديني للإمبراطورية، لأنها احتضنت المعبد الرئيسي للإله آشور، وهكذا ظل اسم المدينة والإله والدولة يمثل ثلاثية يصعب فصل أحد عناصرها عن الآخر.
من هو الإله آشور؟
لا تذكر أقدم النصوص الآشورية الكثير عن أصل هذا الإله، ويبدو أنه بدأ بوصفه الإله الحامي لمدينة آشور، ثم اتسعت مكانته مع اتساع الدولة، ومع مرور الزمن، لم يعد مجرد إله محلي، بل أصبح سيد الآلهة في الفكر الآشوري، وحلّ تدريجيًا محل مردوخ أو إنليل في المكانة العليا داخل العقيدة الرسمية للدولة.
ويرى عدد من الباحثين أن شخصية آشور استوعبت كثيرًا من صفات إنليل، خاصة ما يتعلق بالسيادة والسلطة الكونية، لكن في إطار يخدم الهوية السياسية للإمبراطورية الآشورية.إنها ظاهرة معروفة في تاريخ الأديان القديمة، حيث تتغير مكانة الآلهة مع تغير موازين القوى السياسية.
الإمبراطورية التي كانت تحارب باسم الإلهربما لم ترتبط أي حضارة في الشرق الأدنى القديم بالدين والسياسة مثلما ارتبطت آشور، فالنصوص الملكية الآشورية لا تقدم الحروب باعتبارها توسعًا اقتصاديًا أو عسكريًا فحسب، بل تصفها بأنها تنفيذ لإرادة الإله آشور.
وكان الملك يعلن في نقوشه أن آشور أمره بالخروج إلى الحرب، وأن الانتصارات تحققت بفضل دعمه، بل إن البلاد التي كانت تفتح تقدَّم في النصوص على أنها أصبحت خاضعة للإله قبل أن تخضع للملك، ومن هنا اكتسبت الحروب الآشورية طابعًا دينيًا وسياسيًا في آن واحد.
لماذا اشتهر الآشوريون بالقسوة؟
حين يقرأ الباحث النقوش الملكية الآشورية، يجد أوصافًا صادمة أحيانًا لما كان يحدث بعد الانتصارات العسكرية، فالملوك لم يخفوا مشاهد الحصار أو الإعدامات أو التهجير، بل سجلوها على جدران القصور بكل فخر.
ويرى المؤرخون أن هذه النقوش لم تكن مجرد تسجيل للأحداث، وإنما كانت جزءًا من سياسة مدروسة لبث الرهبة في نفوس الأعداء، ومع ذلك ينبغي التعامل مع هذه النصوص بحذر؛ فهي نصوص دعائية ملكية كتبت لتمجيد الملوك وإبراز قوتهم، وقد تميل إلى المبالغة في تصوير البطش لتحقيق أثر سياسي ونفسي، وهذه نقطة تؤكدها الدراسات الأكاديمية الحديثة عند تحليل المصادر الآشورية.
الرمز المجنح... هل هو آشور؟
من أشهر الرموز التي ارتبطت بالإمبراطورية الآشورية ذلك القرص المجنح الذي يظهر أحيانًا فوق رأس الملك، وقد اختلف الباحثون في تفسيره، فيرى فريق أنه يمثل الإله آشور نفسه، بينما يرى آخرون أنه رمز للحماية الإلهية أو للسلطة الملكية، ولا يزال هذا الموضوع محل نقاش بين علماء الآثار، لأن النصوص لا تقدم تفسيرًا قاطعًا لكل أشكال هذا الرمز.
وهذا يذكرنا بأن علم الآثار لا يقدم دائمًا إجابات نهائية، بل يفتح أبوابًا جديدة للأسئلة.
آشور... إله أم فكرة؟
يذهب بعض المتخصصين في تاريخ الأديان إلى أن آشور لم يكن مجرد معبود، بل أصبح تجسيدًا لفكرة الدولة الآشورية نفسها، فالملك يحكم باسمه، والجيوش تقاتل باسمه، والحدود تتسع باسمه، ولهذا يصعب أحيانًا التمييز بين الولاء للإله والولاء للإمبراطورية، وهذه العلاقة الوثيقة بين العقيدة والسلطة تعد من أبرز السمات التي ميزت الفكر السياسي الآشوري.
ماذا تكشف لنا شخصية آشور؟
تكشف لنا أن الدين في الشرق الأدنى القديم لم يكن منفصلًا عن السياسة أو الاقتصاد أو الحرب، بل كان جزءًا من البناء الكامل للدولة، فالإله يمنح الشرعية، والملك ينفذ إرادته، والكهنة يفسرون رسائله، والشعب يرى في نجاح الإمبراطورية دليلًا على رضا السماء.
إنها منظومة متكاملة، يصعب فهم أحد عناصرها بعيدًا عن الآخر.
الإله الذي أصبح وطنًا
لم يكن آشور أشهر آلهة بلاد الرافدين من حيث الأساطير، كما لم يكن أكثرهم حضورًا في الأدب الديني، لكنه كان بلا شك أكثرهم ارتباطًا بفكرة الدولة والإمبراطورية، ومن خلاله نفهم كيف استطاعت حضارة كاملة أن تجعل العقيدة جزءًا من مشروعها السياسي، وأن تمنح توسعها العسكري بعدًا دينيًا يضفي عليه الشرعية في نظر معاصريها.
وربما لهذا بقي اسم آشور حيًا حتى اليوم، لا بوصفه اسم إله فحسب، بل بوصفه عنوانًا لإحدى أعظم الإمبراطوريات التي عرفها الشرق الأدنى القديم.
خاتمة:
نغادر المعبد قليلًا... لنعود إلى المدينة
ومع الإله آشور، نصل إلى محطة مهمة في رحلتنا بين آلهة بلاد الرافدين؛ فمعه لم تعد الآلهة مجرد قوى تحكم الظواهر الطبيعية أو ترعى مدينة بعينها، وإنما أصبحت جزءًا من بناء سياسي وفكري واسع، امتزج فيه الدين بالملك والإمبراطورية والهوية.
لكن رحلة "كانوا مثلنا" لم تكتب لتكون قائمة بأسماء الآلهة وصفاتهم فحسب؛ فخلف كل معبود معبدٌ ومدينةٌ وطقسٌ وإنسان، وخلف كل أسطورة مجتمعٌ كامل كان يحاول أن يفهم العالم من حوله وأن يمنحه معنى.
ولهذا سنتوقف قليلًا عن تتبع المعبودات واحدًا تلو الآخر، لنقترب أكثر من حضارة العراق القديم نفسها؛ من مدنها ومعابدها وكتبتها وملوكها، ومن الحياة اليومية للإنسان الذي عاش بين دجلة والفرات، ومن الكتابة التي حفظت لنا صوته، ومن الأساطير التي كشفت لنا كيف كان يرى الحب والموت والحرب والسلطة والآلهة.
سنفتح إذن في المقالات القادمة نوافذ أخرى على هذه الحضارة العريقة، ثم نعود من جديد إلى عالم المعبودات؛ لنستكمل التعرف إلى آلهة ربما لا يعرف عنها القارئ الكثير، ونكتشف معًا أن وراء كل اسم إلهي حكاية أكبر، وأن وراء كل حكاية جانبًا من جوانب الحضارة التي صنعت واحدة من أقدم التجارب الإنسانية في التاريخ.
نترك المعبد قليلًا... لكننا لا نغادر عالم الآلهة. سنعود إليه قريبًا، بعد أن نرى العالم الذي عبدها، وكتب عنها، وبنى لها المعابد، وحمل قصصها من جيل إلى جيل.وهكذا تستمر الحكاية...فما زال الطين يتكلم.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
في تاريخ الحضارات القديمة عرفت مدن كثيرة بأسماء ملوك أو قبائل، لكن أن تحمل إمبراطورية كاملة اسم إلهها، فهذا أمر...
ماذا لو كانت أفريقيا تمتلك جزءًا من ثروتها الاقتصادية في مكان لا يظهر كاملًا في أرقام الناتج المحلي، ولا في...
حين نقرر من يكون الآخر.. قد نكوّن رأيا عن شخص فى بداية معرفتنا به، ثم تمر الأيام وتتغير أشياء كثيرة،...
دراسة أثرية عن آداب الزواج في مصر القديمة اجراها الدكتور حسين دقيل الباحث المتخصص في الآثار اليونانية والرومانية تلقى الضوء...