العنف السيبراني ضد النساء والفتيات: وعي قانوني لحماية الكرامة والبيانات

أصبحت الشاشة جزءًا من الحياة اليومية: تعليم، عمل، تواصل، خدمات، وصداقة. لكنها قد تتحول، إذا غاب الوعي والمسؤولية، إلى مساحة تهديد أو تشهير أو ابتزاز. ومن هنا تظهر أهمية الحديث عن العنف السيبراني ضد النساء والفتيات، لا باعتباره مشكلة تقنية، بل بوصفه اعتداءً على الخصوصية والكرامة والأمان النفسي والاجتماعي. 

بقلم المستشار/ حسام الدين علام
مؤسس مبادرة القانون وبناء السلام    

 

والمقصود بالعنف السيبراني ضد النساء والفتيات هو أي فعل من أفعال العنف القائم على النوع الاجتماعي يرتكب أو يسهَّل أو يضخَّم عبر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ويؤدي أو يحتمل أن يؤدي إلى ضرر نفسي أو بدني أو جنسي أو اقتصادي.

ويشمل ذلك التحرش الإلكتروني، والملاحقة الرقمية، وانتهاك الخصوصية، ونشر الصور أو المحادثات دون رضا، والابتزاز، وانتحال الهوية، والاختراق، وخطاب الكراهية، واستخدام الصور المفبركة أو المعدلة للإساءة والتشهير.  

والأهم أن هذا العنف لا يبقى افتراضيًا. فالرسالة المؤذية قد تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، والصورة المنشورة دون إذن قد تهدد السمعة والأسرة والدراسة والعمل، والحساب المزيف قد يفتح بابًا للتشهير، والابتزاز قد يدفع الضحية إلى الصمت خوفًا من اللوم.

لذلك تؤكد الأدبيات الدولية الحديثة أن العنف الرقمي امتداد للعنف الواقعي، وقد يبدأ على الشاشة ثم ينعكس في البيت أو المدرسة أو الجامعة أو مكان العمل.

الخصوصية الرقمية أساس الحماية القانونية  

ينطلق التعامل القانوني السليم من قاعدة واضحة: الفضاء الرقمي ليس خارج القانون. فالحياة الخاصة والاتصالات والبيانات لها حماية دستورية وقانونية.

وتنص المادة (57) من الدستور المصري على أن: "للحياة الخاصة حرمة، وهي مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائي مسبب، ولمدة محددة، وفي الأحوال التي يبينها القانون."  

ويعني ذلك أن الرسائل الخاصة ليست مباحة للنشر، والصور الشخصية ليست مادة للتداول، والحسابات الإلكترونية ليست مساحة يجوز اختراقها أو انتحالها أو استخدامها للتهديد.

وقد جاء قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم 175 لسنة 2018 ليضع إطارًا لمواجهة الجرائم التي تقع عبر الشبكات والأنظمة المعلوماتية، بينما يمثل قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 لسنة 2020 خطوة مهمة في تنظيم جمع البيانات ومعالجتها وحمايتها.  

وتكمن الصلة بين العنف السيبراني وحماية البيانات في أن أغلب صور هذا العنف تبدأ من معلومة: صورة، رقم هاتف، عنوان، حساب، كلمة مرور، موقع جغرافي، محادثة، أو تسجيل.

فإذا أسيء استخدام هذه البيانات، تحولت من تفاصيل شخصية إلى وسيلة ضغط وإيذاء. لذلك فحماية البيانات ليست ترفًا تقنيًا، بل حماية للكرامة والسمعة والأمان. 

أشكال العنف السيبراني: ليست كلها واضحة من البداية    

قد يبدأ العنف الرقمي بتعليق جارح على الشكل أو الجسد، أو سخرية متكررة، أو شائعة حول السمعة. وقد يتطور إلى إرسال رسائل جنسية غير مرغوب فيها، أو طلب صور خاصة، أو تهديد بنشر محادثات، أو إنشاء حساب مزيف، أو ملاحقة الضحية عبر أكثر من منصة.    

ومن أخطر الصور ما يعرف بالإساءة القائمة على الصور، أي نشر أو تهديد بنشر صور خاصة دون رضا، أو التلاعب بالصور، أو استخدام الذكاء الاصطناعي لصناعة محتوى مزيف يبدو واقعيًا. وفي هذه الحالات لا تكون المشكلة في الصورة فقط، بل في استخدامها كسلاح للتخويف أو التشهير أو السيطرة.  

كذلك قد يظهر العنف في العلاقات القريبة، عندما يطلب شخص كلمة مرور شريكته، أو يراقب حساباتها، أو يفرض عليها حذف أشخاص، أو يهددها بمحتوى خاص بعد انتهاء العلاقة. هذه الأفعال ليست دليل حب أو غيرة، بل قد تكون شكلًا من السيطرة الرقمية. 

وتشير دراسات مقارنة حديثة إلى أن السخرية من الجسد والمظهر من أكثر الصور انتشارًا بين الأطفال والشباب، وأن الفتيات أكثر تعرضًا لبعض الأفعال ذات الطابع الجنسي، مثل الرسائل غير المرغوب فيها أو الضغط المرتبط بالصور الخاصة، بينما قد يتعرض الفتيان في بعض السياقات لتهديدات بدنية وتنمر مباشر. وهذا يوضح أن الوقاية يجب أن تحمي الجميع، مع فهم أنماط الخطر المختلفة.

الصمت يضاعف الخطر وحفظ الدليل بداية الحماية   

من أكثر ما يساعد المعتدي أن تظل الضحية وحدها.

فكثير من الضحايا يلجؤون إلى الحذف أو التجاهل أو إغلاق التطبيق، خوفًا من الفضيحة أو اللوم أو عدم التصديق. لكن الصمت قد يطيل عمر الضرر، وحذف الرسائل قد يضعف إثبات الواقعة. 

لذلك، عند التعرض لتهديد أو ابتزاز أو تشهير أو نشر محتوى خاص، الأفضل اتباع خطوات عملية واضحة: عدم الرد بانفعال، عدم دفع مال، عدم إرسال صور جديدة، عدم مقابلة المعتدي، حفظ الرسائل والروابط واسم الحساب وتوقيت الواقعة، أخذ لقطات شاشة، الاحتفاظ بأي أرقام أو تحويلات أو محادثات، ثم طلب مساعدة شخص موثوق أو جهة مختصة.  

ومن المهم أيضًا عدم إعادة نشر المحتوى المؤذي بحجة التحذير أو الدفاع عن الضحية. فكل إعادة نشر توسع دائرة الضرر.

المساندة الحقيقية تكون بالامتناع عن التداول، وحفظ الدليل، والإبلاغ، ودعم الضحية نفسيًا وقانونيًا.   

وفي مصر، يتيح مكتب شكاوى المرأة بالمجلس القومي للمرأة خطًا لتقديم المشورة القانونية والاجتماعية على الرقم 15115 يوميًا من التاسعة صباحًا إلى التاسعة مساءً. كما أن اللجوء للجهات المختصة عند وجود تهديد أو ابتزاز أو اختراق أو نشر بيانات خاصة هو خطوة حماية، لا وصمة.

أفضل الممارسات: حماية الهاتف تعني حماية الحياة الخاصة   

الوقاية تبدأ من سلوكيات بسيطة لكنها شديدة الأثر.

استخدمي كلمات مرور قوية وغير مكررة، وفعّلي التحقق الثنائي، ولا تشاركي كلمة المرور مع أي شخص.

راجعي إعدادات الخصوصية في تطبيقات التواصل، ولا تقبلي طلبات صداقة من حسابات مجهولة، ولا تفتحي روابط مشبوهة، ولا تمنحي التطبيقات صلاحيات لا تحتاجها.  

لا ترسلي صورًا خاصة تحت ضغط أو بدافع الثقة المؤقتة. الثقة الحقيقية لا تطلب ما قد يهددك لاحقًا. وإذا شعرتِ أن شخصًا يستخدم الحب أو الصداقة أو الخوف لدفعك إلى إرسال محتوى خاص، فهذه علامة خطر وليست علامة قرب.   

على الأسرة أن تبني الثقة لا الخوف. حين تخشى الفتاة من رد فعل أسرتها، قد تصمت حتى تتفاقم المشكلة. الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الأبناء والبنات هي: إذا تعرضت لتهديد أو ابتزاز، تعال إلينا أولًا؛ سنحميك قبل أن نلومك.  

وعلى المدرسة والجامعة أن تعلما الطلاب معنى الرضا الرقمي، وخطورة نشر الصور والمحادثات، وطرق الإبلاغ، وكيفية حفظ الدليل، وكيفية مساندة الزميل أو الزميلة دون سخرية أو فضول.

التوعية الناجحة لا تكون بالمحاضرات الجافة، بل بأمثلة واقعية ولغة يفهمها الشباب.   

أما الإعلام والمجتمع فعليهما مسؤولية واضحة: لا لوم للضحية، ولا تبرير للمعتدي، ولا تحويل الجريمة إلى مادة للإثارة. من يعيد نشر صورة أو محادثة مسيئة يشارك في الضرر، ولو لم يكن هو الجاني الأول.

مسؤولية مشتركة لمجتمع رقمي آمن    

العنف السيبراني ضد النساء والفتيات ليس قدرًا ملازمًا للتكنولوجيا. هو خطر يمكن تقليله بالقانون، والوعي، وحماية البيانات، والتربية الرقمية، والثقة الأسرية، والاستجابة المؤسسية السريعة.

والتكنولوجيا في ذاتها ليست عدوًا؛ هي مساحة للتعلم والعمل والتعبير، لكنها تحتاج إلى قواعد تحمي الإنسان.  

إن الإنترنت الآمن ليس إنترنت بلا حرية، بل إنترنت بلا ابتزاز.

والخصوصية ليست خوفًا من التواصل، بل شرط للثقة. وحماية البيانات ليست مسألة فنية معقدة، بل باب من أبواب حماية الكرامة.  

وفي زمن يتسع فيه التحول الرقمي في مصر، تصبح حماية النساء والفتيات في الفضاء الرقمي جزءًا من بناء مجتمع آمن وواثق.

مجتمع يعرف أن القانون حاضر خلف الشاشة كما هو حاضر في الشارع، وأن الكرامة لا تنتهي عند حدود الهاتف، وأن كل مستخدم يستطيع أن يكون جزءًا من الحل: لا ينشر، لا يلوم، لا يصمت عن الأذى، ويساعد الضحية على الوصول إلى الحماية.  

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حسام الدين علام
حسام الدين علام

المزيد من مقالات

العنف السيبراني ضد النساء والفتيات: وعي قانوني لحماية الكرامة والبيانات

أصبحت الشاشة جزءًا من الحياة اليومية: تعليم، عمل، تواصل، خدمات، وصداقة. لكنها قد تتحول، إذا غاب الوعي والمسؤولية، إلى مساحة...

مردوخ… كيف صنع البابليون إلهًا يحكم الكون؟

في العالم القديم، لم تكن المدن تتنافس بالجيوش فقط، بل بالآلهة أيضًا، فكل مدينة كبرى أرادت أن يكون إلهها هو...

الفتاة المصرية.. قوة رياضية على منصات التتويج تستحق مشروع دولة

مصر لا تبحث عن بطلة جديدة.. مصر تملك بطلات، وما تحتاجه هو أن تكتشفهن قبل أن يكتشفهن العالم.

حين يصبح الغد مكانًا نعيش فيه

لماذا نؤجل أهم الأشياء... رغم أننا نعرف أنها قد تغيّر حياتنا؟