في كل مرة يطرح فيها ملف تعويم العملة، ينصرف النقاش سريعا إلى الأسعار، والتضخم، والقوة الشرائية، وكأن سعر الصرف هو أصل الأزمة. لكن الحقيقة أكثر تعقيدا؛ فالعملة لا تفقد قيمتها بسبب قرار التعويم، بل يُتخذ قرار التعويم غالبا عندما تصبح القيمة المعلنة للعملة بعيدة عن القيمة التي يستطيع الاقتصاد الحقيقي الدفاع عنها.
نهال الشافعىماجستير علوم سياسية و استراتيجية ورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
نهال الشافعيماجستير علوم سياسية واستراتيجيةورئيس تحرير النشرة الفرنسية بقناة النيل الدولية
ولهذا، فإن التعويم ليس بداية الأزمة، ولا نهايتها، بل هو لحظة تكشف ما تراكم داخل الاقتصاد من اختلالات على مدار سنوات.
التعويم... لحظة تكشف قوة الاقتصاد
لقد تعاملت دول كثيرة مع سعر الصرف باعتباره أداة لتحقيق الاستقرار السياسي والاجتماعي، وهو هدف مفهوم في أوقات الأزمات. لكن الحفاظ على سعر صرف لا تعكسه مؤشرات الإنتاج، أو التجارة، أو تدفقات الاستثمار، لا يؤدي إلى حماية الاقتصاد بقدر ما يؤجل لحظة المواجهة. فالأسواق قد تقبل هذا الفارق لبعض الوقت، لكنها لا تتجاهله إلى الأبد.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان التعويم قرارا صائبا أو خاطئا، وإنما ما إذا كان الاقتصاد يمتلك المقومات التي تمكّنه من استعادة توازنه بعد هذا القرار.
فالسياسة النقدية تستطيع تعديل سعر العملة، لكنها لا تستطيع وحدها زيادة الإنتاج، أو رفع الإنتاجية، أو تطوير الصناعة، أو تحسين تنافسية الصادرات، أو بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات.
ولهذا، فإن الاقتصادات التي نجحت في تجاوز أزمات سعر الصرف لم تحقق ذلك لأنها غيّرت قيمة عملتها، وإنما لأنها غيّرت ما يقف خلف هذه العملة. فالعملة ليست أصلا اقتصاديا مستقلا، وإنما مرآة تعكس مستوى الثقة في الاقتصاد، وقدرته على خلق قيمة حقيقية، وإنتاج سلع وخدمات قادرة على المنافسة.
قيمة العملة تُبنى بالإنتاج لا بالسياسات النقدية
ومن الأخطاء الشائعة النظر إلى التعويم باعتباره علاجا اقتصاديا مكتملا، بينما هو في حقيقته أحد أدوات التصحيح، وليس عملية الإصلاح بأكملها. فالتصحيح النقدي قد يكون ضروريا، لكنه لا يغني عن الإصلاح الهيكلي الذي يعالج جذور المشكلة.
ولهذا، كثيرا ما تعقب التعويم موجات تضخم وإعادة تسعير واسعة، لأن السوق يعيد تقييم الأسعار وفق القيمة الجديدة للعملة. لكن هذه المرحلة لا تتحول إلى نقطة انطلاق إلا إذا تزامنت مع توسع الإنتاج، وتحسن مناخ الاستثمار، وارتفاع القدرة التنافسية للاقتصاد.
أما إذا ظل الاقتصاد يعتمد على الاستيراد أكثر من الإنتاج، وعلى الاستهلاك أكثر من الابتكار، فإن آثار التعويم تظل أكبر من مكاسبه.
ولعل أكبر خطأ في النقاش الدائر حول العملات هو التعامل معها باعتبارها هدفا للسياسات الاقتصادية، بينما هي في الحقيقة نتيجة لها. فالعملات لا تكتسب قيمتها بقرارات إدارية، وإنما بالثقة التي يبنيها الاقتصاد يوما بعد يوم. وهذه الثقة لا تُقاس فقط بحجم الاحتياطيات أو استقرار الأسواق، بل بقدرة الدولة على الابتكار، ورفع الإنتاجية، وتطوير رأس المال البشري، وخلق اقتصاد يستطيع المنافسة حتى في أوقات الأزمات.
السيادة النقدية تبدأ من الاقتصاد الحقيقي
ومن هنا، لا يصبح السؤال: كيف نحافظ على سعر العملة؟ بل: كيف نبني اقتصادا يجعل قوة العملة نتيجة طبيعية لقوته، لا نتيجة لتدخلات مؤقتة؟
ولم تعد قوة العملة في النظام الاقتصادي العالمي تُقاس فقط بقدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية، بل أصبحت جزءا من مفهوم أشمل هو الأمن الاقتصادي. فالدول التي تمتلك قاعدة إنتاجية متنوعة، وسلاسل إمداد أكثر مرونة، وقدرة على توطين الصناعات الاستراتيجية، تكون أقل تعرضا لصدمات الأسواق العالمية وتقلبات أسعار الصرف. لذلك، أصبحت السيادة النقدية امتدادا للسيادة الاقتصادية، ولم يعد استقرار العملة رهينا بحجم الاحتياطيات وحده، بل بقدرة الاقتصاد على خلق قيمة حقيقية بصورة مستدامة.
ولم يعد الحديث عن العملة يقتصر على سعر الصرف أو معدلات التضخم، بل أصبح جزءا من مفهوم أشمل هو السيادة النقدية. فالدول لم تعد تتنافس فقط على حجم احتياطياتها من النقد الأجنبي، وإنما على قدرتها على حماية اقتصاداتها من التقلبات الخارجية، وتنويع مصادر الدخل، وبناء قاعدة إنتاجية قادرة على توليد قيمة مضافة بصورة مستدامة.
ولهذا، فإن قوة العملة لم تعد تُصنع داخل البنك المركزي وحده، بل في المصنع، والجامعة، ومركز الأبحاث، وشبكات الابتكار، وسلاسل الإمداد، والاقتصاد الرقمي. فكل استثمار في المعرفة، وكل تقدم في الإنتاجية، وكل توسع في الصناعات ذات القيمة المضافة، ينعكس في النهاية على قدرة العملة على الصمود أمام الأزمات.
وقد أثبتت التحولات التي شهدها الاقتصاد العالمي خلال السنوات الأخيرة أن الاقتصادات الأكثر مرونة لم تكن بالضرورة تلك التي امتلكت أكبر الاحتياطيات المالية، بل تلك التي استطاعت الحفاظ على قدرتها الإنتاجية، وتقليل اعتمادها على الخارج، والتكيف السريع مع المتغيرات الدولية. فمن جائحة كورونا إلى اضطرابات سلاسل الإمداد، مرورا بالحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية، أصبح واضحا أن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط بمعدلات النمو، وإنما بقدرته على الاستمرار عندما تتغير قواعد اللعبة.
العملة القوية... نتيجة وليست هدفا
ومن هنا، فإن المنافسة الاقتصادية لم تعد تدور حول جذب رؤوس الأموال فحسب، بل حول بناء اقتصاد قادر على الاحتفاظ بها، وتحويلها إلى إنتاج، وإنتاجية، وفرص عمل، وقيمة مضافة. فالاستثمار لا يبحث فقط عن سعر صرف مناسب، بل عن مؤسسات مستقرة، وتشريعات واضحة، وقضاء كفء، وبيئة أعمال تضمن استدامة النمو.
ومع التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، لم تعد المنافسة بين الدول تدور حول جذب الاستثمارات فقط، بل حول القدرة على تحويلها إلى تكنولوجيا، ومعرفة، وصناعات متقدمة، وقيمة مضافة. فالدول التي تستثمر في البحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ورأس المال البشري، لا تعزز معدلات النمو فحسب، بل تبني أيضا عملات أكثر استقرارا واقتصادات أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.
ولذلك، فإن النقاش حول التعويم ينبغي ألا يقتصر على أثره في الأسعار أو في سوق الصرف، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأكثر أهمية: كيف تُبنى القيمة الحقيقية للعملة؟
الإجابة لا تبدأ من البنك المركزي وحده، بل من المصنع، والجامعة، ومركز الأبحاث، والميناء، والشركة الناشئة، والسياسات التي تجعل الاقتصاد أكثر قدرة على إنتاج ما يستهلك، وتصدير ما ينتج، وتحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية. فالعملة ليست سوى انعكاس لما ينتجه المجتمع من ثروة حقيقية.
وفي النهاية، قد ينجح أي قرار نقدي في تهدئة الأسواق لفترة، لكن الاقتصادات لا تُقاس بقدرتها على إدارة الأزمات فقط، بل بقدرتها على تقليل الحاجة إلى تكرارها. فالتاريخ الاقتصادي يثبت أن العملات القوية ليست سببا في ازدهار الدول، وإنما إحدى نتائج الاقتصادات التي نجحت في بناء قاعدة إنتاجية متينة، ومؤسسات كفؤة، ورأس مال بشري قادر على الابتكار.
ولذلك، فإن القضية ليست كيف نحافظ على قيمة العملة، بل كيف نبني اقتصادا يجعل هذه القيمة نتيجة طبيعية لقوته. فحين يصبح الإنتاج أكثر تنوعا، والابتكار أكثر حضورا، والاستثمار أكثر جودة، والثقة أكثر رسوخا، تتحول العملة إلى مرآة تعكس قوة الاقتصاد، لا إلى أداة تُستخدم لإخفاء نقاط ضعفه.
فاستقرار العملة لا يُصنع في أسواق الصرف وحدها، بل يُصنع أولا في المصانع، والجامعات، ومراكز البحث، وكل موقع يُنتج فيه المجتمع قيمة حقيقية قادرة على المنافسة في عالم تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاستراتيجية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
نتحدث اليوم عن ثورة علمية في المناعة التنفسية .. هل تتذوق الرئة سمومها وكيف تعمل الأهداب التنفسية ودور الذكاء الإصطناعي...
في كل مرة يطرح فيها ملف تعويم العملة، ينصرف النقاش سريعا إلى الأسعار، والتضخم، والقوة الشرائية، وكأن سعر الصرف هو...
في أحد الأيام، وبينما كنت احاضر لطلاب هندسة الذكاء الاصطناعي عن مفهوم الذكاء الاصطناعي، سألني أحدهم سؤالا أربكني للحظة، ليس...
يبقى الثالث من يوليو واحدًا من أكثر الأيام تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، إذ يمثل في وجدان ملايين المصريين لحظة...