فازت مصر .. في خسارة صفق لها العالم

ودموع في عيون وجلَة

المونديال ليس مجرد بطولة تتقاذف فيها الأقدام كرة تسحر القلوب, فتصنع ذاكرة الشعوب، بل هو عيد كوني ينتظره العالم؛ ليحتفي بالموهبة حين تزهر، وبالإرادة حين تتحدى، وليؤمن أن العدالة ما زالت قادرة على أن تُصافح الحلم فوق البساط الأخضر, حتى وإن توارت خارج أسواره. هناك، تمحى الفوارق بين الأمم، وتذوب على العشب المسافات بين العريق وحديث العهد، فلا يبقى سوى قانون اللعبة، وما تجود به الأقدام من إبداع.

بقلم: محمود علام
 
والوعد الأبدي الذي قطعه المونديال على نفسه أمام البشرية؛ أن الكرة لا تعترف إلا بمن يحترمها، وأن صافرة قاضي المباراة لا تنحاز إلا لقانون اللعبة، وأنّ ميزان العدالة لا يميل بتبدّل الألوان، ولا يختل تحت وطأة الأسماء، وأنّ تقنية الفيديو لم تُستحدث إلا لتكون عينًا ثانيةً للحقيقة؛ تُبصر ما قد تغفل عنه عين البشر، وتُعيد إلى العدالة حقّها إن غابت وسط أهازيج المدرجات وصخب اللحظة, وضجيج التوقعات.
 
غير أن "أتلانتا" لم تكن، في تلك الليلة، مجرد مدينة احتضنت مباراة، بل تحولت إلى مختبر عسير لتلك الوعود. فبينما كانت الجماهير تصفق لكرة مصرية كتبت واحدة من أجمل حكايات البطولة، كانت الأسئلة تتسلل من بين الصفوف، وتكبر مع كل صافرة، ومع كل لقطة غابت عنها عين التقنية أو حضرت، حتى بدا وكأنّ المباراة لم تُلعب بين مصر والأرجنتين وحدهما، بل بين الحلم والشك، وبين ما رآه الجميع .. وما اختارت التقنية ألا تراه.
 
لم تكن مصر تواجه منتخبا يدافع عن لقب عالمي فحسب، بل كانت تواجه تاريخًا، وضغطًا، وتوقعاتٍ تُثقل كاهل أيِّ فريق.
 
وحين بسط العلم المصري فوق نصف المستطيل الأخضر، وخفق بين المدرجات، لم يكن رايةً ترافق أحد عشر لاعبًا، بل كان وطنًا كاملاً يمشي على العشب، مؤزّرًا بأحلام شعبه، ومسبوقًا بدعوات أبناء عروبته، ليكتب واحدةً من أجمل صفحات الكرة المصرية. تقدّمت مصر، وأدهشت، وباغتت, بل وأحرجت بطل العالم، حتى خُيّل إلينا أنّ عقارب الساعة تُسابق الحلم نحو معجزةٍ جديدة.
 
ومع مرور الدقائق، لم تكن لوحة النتيجة وحدها هي التي تتبدل، بل كانت الأسئلة تتكاثر. أسئلة بدأت من صافرة، ومرت عبر شاشة تقنية الفيديو، ثم اتسعت مع كل قرار، حتى غادرت الملعب مع صافرة النهاية، وحطَّت فوق صفحات الصحف العالمية، ووكالات الأنباء، وشاشات التحليل، ومنصات التواصل, لتغدو المباراة حديثًا عن العدالة بقدر ما كانت حديثًا عن كرة القدم.
 
فليست كل الهزائم تكتب في جدول النتائج، وليست كل الانتصارات يرفع أصحابها الكأس. فثمّة ليالٍ يخرج فيها فريقٌ من الملعب، لكنه يبقى مقيمًا في ضمير الجماهير، ويغادر فيها آخر منتصرًا على الورق، بينما يحمل على كتفيه من الأسئلة ما يُثقله أكثر مما تخففه نشوة الفوز.
 
ومنذ هذه الليلة، لم يعد السؤال الأهم: مَن تأهل إلى الدور التالي..؟ بل أصبح السؤال الذي طارد العالم كله: هل ظلت العدالة هي السيدة الوحيدة فوق العشب الأخضر، وهل بقيت معصوبة العينين كما ينبغي لها، أم أن بعض الألوان أصبح أقدر على لفت انتباهها من غيره..؟ وكيف لبعض المباريات أن تترك وراءها من علامات الاستفهام أكثر مما تسجله من أهداف..؟ قد يحتفظ التاريخ بنتيجة كتبت على لوحة الملعب، لكن الذاكرة ستحتفظ بشيء آخر؛ بمنتخب رفض أن ينحني، وبأداء انتزع احترام العالم، وبصافرة ستظل، طويلا، محل نقاش وجدل.
 
العشب ينبت حلمًا .. ويربك أباطرة اللعبة
 
منذ أن انطلقت المباراة، ولامست الكرة أقدام المصريين، بدا واضحًا أنّهم لم يدخلوا الملعب ليؤدوا دور الضيف أمام بطل العالم، ولا ليكتفوا بشرف الحضور في ليلة كبرى. لم تثقلهم التوقعات، ولم تثنيهم نبوءات المحللين، بل دخلوا وكأنهم أصحاب الأرض وصناع الحلم. وكأن الفراعنة قد تعاهدوا، قبل أن تدور الكرة، ألا يعترفوا بفارق الأسماء، ولا بسطوة التاريخ، ولا بثقل النجوم. تحركت الكرة بين أقدامهم بثقة من يعرف طريقه إلى المجد، وتقدّمت الخطوط في جرأة لم تمهل بطل العالم فرصة لالتقاط أنفاسه، حتى بدا وكأن الأرجنتين هي التي تطارد المباراة، لا التي تقودها.
 
وجاءت اللحظة التي اهتزَت لها مدرجات أتلانتا، قبل أن تنفجر القلوب المصرية فرحًا. ارتقى المدافع ياسر إبراهيم، كأنّه يستعير من النيل شموخه، ليستبق ليساندرو مارتينيز إلى موعدٍ كتبه القدر، ليُودِع عرضية مروان عطية الشباك برأسيةٍ بديعةٍ في الدقيقة الخامسة عشرة. لم يكن ذلك الهدف مجرّد كرةٍ عانقت الشباك, بل كان الترجمة الطبيعية لتفوّقٍ فرضته مصرُ دقيقةً بعد أخرى، وإعلانًا صريحًا بأنّ الفراعنة لم يحضروا إلى أتلانتا ليكتبوا سطرًا جديدًا في سجلّ المشاركات، وإنما ليُعيدوا صياغة الحكاية. كانت الهجمة تُنسج بإيقاع قصيدة، ليُذيّلها ياسر إبراهيم بتوقيع من آمن بأنّ الأحلام لا تستأذن، بل تُولد من رحم التحدي.
 
لم يكد بطل العالم يستفيق من صدمة الهدف الأول، حتى وجد نفسَه أمام فرصةٍ بدت، في نظر الجميع، الطريق الأقصر إلى التعادل. أشار الحكم إلى نقطة الجزاء، وتقدّم ليونيل ميسي ليتولي أمرها، فيما خيّم الصمت على أتلانتا؛ صمتٌ لا يقطعه إلا انتظار الملايين، وقد ظنّ كثيرون أنّ الكرة تعرفُ تلك الأقدام, وحتمًا ستجد طريقها المعتاد إلى الشباك.
 
لكنّ مصطفى شوبير كان له رأيٌ آخر.. وقف الحارس المصريّ أمام أحد أعظم مداعبي الكرة، لا بعين الخائف، بل بثبات من يُدرك أنّ الأوطان قد تختصرُها أحيانًا لحظةٌ واحدة. انطلقت الكرة، فانطلقت معها يداه، لتصدّها في مشهدٍ دوّى في أرجاء الملعب. لم يكن ذلك مجرّد تصدٍّ لركلة جزاء، بل كان إعلانًا جديدًا بأنّ مصر جاءت إلى أتلانتا لتكتب فصلاً تاريخيًا لا ترهبه الأسماء، وأنّ الحلم الذي بدأه ياسر إبراهيم لن يسمح له شوبير أن يتبدّد بسهولة.
 
وفي تلك اللحظة، لم يهزم شوبير ركلة جزاءٍ فحسب، بل انتزع من ميسي يقين الهدف، ومنح زملاءه جرعةً من الإيمان، وألقى في قلوب راقصي التناجو أول بذور القلق، بعدما أدركوا أنّ الطريق إلى مرمى مصر لن يكون مفروشًا بأمجاد الماضي، بل محفوفًا بعناد رجالٍ قرروا أن يجعلوا من المستحيل احتمالاً قائمًا.
 
ظلّت لوحة النتيجة تُعلن تقدّم مصر، لكنّ الفراعنة لم يكتفوا بإرباك بطل العالم، بل مضوا يبحثون عن هدفٍ يُضاعف الحلم. ففي مطلع الشوط الثاني، انطلقت هجمةٌ مصريةٌ بديعة، بدأت بتمريرةٍ من هيثم حسن إلى محمد صلاح، الذي هيَّأ الكرة ببراعةٍ إلى مصطفى زيكو، فلم يتردد الأخير في إسكانها شباك إيميليانو مارتينيز، لتشتعل المدرجات، وتتعانق القلوب قبل الأيدي، ويظنّ الجميع أنّ التاريخ قد فتح صفحاته لمعجزةٍ جديدة.
 
غير أنّ الفرحة توقّفت فجأةً أمام شاشة تقنية الفيديو. دقائق انتظارٍ أثقل من أعوام، وأعينٌ شاخصةٌ بين الملعب والشاشة، قبل أن يُعلن الحكم الفرنسي إلغاء الهدف، بدعوى وجود مخالفةٍ في مستهلّ بناء الهجمة. انطفأ الهتاف في المدرجات، لكنّ شيئًا لم ينطفئ في نفوس المصريين؛ فلم يتراجعوا، ولم ينكسروا، بل عادوا إلى مواقعهم وكأنّهم يقولون: إذا سُلِب منّا هدفٌ، فسنكتب غيره بأقدامنا.
 
وبالفعل لم يطل الانتظار..ففي الدقيقة الثامنة والستين، عادت مصرُ لتنسج هجمةً أخرى لا تقلّ جمالاً ولا إصرارًا عن سابقتها. انطلق محمد صلاح بهجمةٍ مرتدةٍ خاطفة، قبل أن يرسلها لهيثم حسن, الذي أهدى تمريرته الحريرية إلى مصطفى زيكو، ليُسكن الكرة في الشباك بثقة مهاجمٍ يعرف أنّ للأحلام موعدًا لا يُؤجّل.
 
وكأنّ الكرة أبت إلا أن تمنح أصحابها فرصةً ثانيةً لكتابة القصيدة ذاتها، بالأبطال الثلاثة أنفسهم. هذه المرة لم تجد شاشة تقنية الفيديو ما يحول بينها وبين الاحتفال، فدوّى الهتاف من جديد، لا لأنّ النتيجة أصبحت هدفين مقابل لا شيء، بل لأنّ المنتخب المصريّ أعلن أمام العالم كلّه أنّ ما يُقدّمه ليس ومضةً عابرة، ولا مفاجأةً عارضة، بل عرضٌ كرويٌّ يليق بتاريخ أمةٍ عرفت طريقها.
 
وعلى الجانب الآخر، بدت الدهشة سيّدة الموقف. وقف ليونيل ميسي يُحدّق في الملعب ولوحته، كأنّه يبحث عن تفسيرٍ لما يراه، بينما تبادل رفاقه نظراتٍ امتزج فيها القلق بالحيرة، وقد أدركوا أنّ المباراة أفلتت من الإيقاع الذي اعتادوه. أما مدربهم، فغادر هدوءه المعهود إلى توترٍ لم تُخفه إشاراته المتلاحقة على خطّ التماس، فيما تسلّل القلق إلى مدرجات التانجو، بعد أن وجد بطل العالم نفسه، للمرة الأولى في البطولة، مُطالبًا بمطاردة الحلم، بعدما اعتاد أن يكون هو من يُطارَد.
 
إحدى عشرة دقيقةً .. خذلت التّسعة والسّبعين
 
حتى الدقيقة التاسعة والسبعين من عمر اللقاء، كانت المباراة تسير على الإيقاع الذي كتبه المصريون بأقدامهم. ومع تقدّم الدقائق، تراجع الفراعنة إلى مناطقهم أكثر، لا خوفًا، بل حفاظًا على حلمٍ صار قاب قوسين من أن يُلامس التاريخ. كان بطل العالم يركض خلف الكرة، بينما كانت الكرة تركض خلف الأحلام المصرية. لم يكن أحدٌ في أتلانتا يتساءل: هل تستطيع مصر الصمود..؟ بل كان السؤال الذي يفرض نفسه: كيف نجح الفراعنة في أن يجعلوا حامل اللّقب يبدو غريبًا عن صورته..؟ ولم يكن أحدٌ يدري أنّ الدقيقة التالية لن تُغيّر لوحة النتيجة فحسب، بل ستفتحُ بابًا لواحدةٍ من أكثر ليالي المونديال إثارةً للجدل.
 
لكنّ كرة القدم تعرف جيدًا كيف تُخفي أكثر فصولها قسوةً حتى اللحظات الأخيرة.. في الدقيقة التاسعة والسبعين، ارتقى كريستيان روميرو إلى عرضية ميسي، ليضعها برأسه في الشباك، مُعلنًا هدف تقليص الفارق. لم يكن الهدف، في ذاته، هو ما أقلق المصريين؛ فقد سبق لهذا المنتخب أن واجه العواصف ولم ينكسر، غير أنّ ما تبدّل بعده لم يكن النتيجة وحدها، بل ملامح المباراة كلّها. تغير الإيقاع، واشتدّ الصخب، وأصبحت كلّ صافرةٍ حدثًا، وكل احتكاكٍ قصةً، وكل قرارٍ يطرح سؤالاً جديدًا.
 
وبينما كانت مصر تُحاول التقاط أنفاسها بعد مباراةٍ استنزفت الجهد والروح، وبدأ الإرهاق يترك بصماته على حركة اللاعبين، جاءت الدقيقة الثالثة والثمانون، فسجّل ليونيل ميسي هدف التعادل وسط اضطرابٍ دفاعيّ، ليعيد بطل العالم إلى الحياة، ويمنح المباراة وجهًا آخر. عندها، لم يعد الصراع بين منتخبين، بل بين حلمٍ يُقاوم ليصمد، وخبرةٍ تُقاتل كي لا تسقط، وزمنٍ يأبى أن يسمح للمفاجأة أن تكتمل. 
 
ومع اقتراب عقارب الساعة من صافرة النهاية، تعالت احتجاجات المصريين في إحدى اللقطات داخل منطقة الجزاء، مطالبين بمراجعتها عبر تقنية الفيديو، غير أنّ اللعب استمر، وانطلقت بعدها الهجمة التي انتهت برأسية إنزو فرنانديز في الوقت بدل الضائع، لتسكن الشباك، وتُسدل الستار على واحدةٍ من أكثر مباريات البطولة غرابة. 
 
وخلال تلك الدقائق القليلة، لم تكن البطاقات الصفراء تُشهر في وجه اللاعبين فحسب، بل كانت الأعصاب تُستنزف، والاحتجاجات تتصاعد، وعلامات الاستفهام تتكاثر. أحد عشر دقيقةً كانت كافيةً لتحوّل مباراةً كادت تُكتب في سجلّ أعظم مفاجآت كأس العالم، إلى واحدةٍ من أكثر مبارياته إثارةً للنقاش. أطلق الحكم الفرنسي صافرة النهاية، لكنّه لم يطلق صافرة الختام؛ فقد بدأت، منذ تلك اللحظة، مباراةٌ أخرى .. في أرجاء الأرض.
 
تقنية الفيديو (الفار) .. بعَينٍ واحدة
 
انتهت المباراة في أتلانتا، لكنّها لم تنتهِ في ذاكرة من شاهدها. فما إن سكتت صافرة الحكم، حتى بدأت صافراتٌ أخرى ترتفع؛ من استوديوهات التحليل، وطاولات النقد, وصفحات الجرائد والمجلات، ووكالات الأنباء، ومنصات التواصل، حيث لم يعد النقاش يدور حول شجاعة المنتخب المصريّ أو عودة الأرجنتين في الدقائق الأخيرة فحسب، بل حول القرارات التحكيمية التي رافقت تلك العودة، وحول الدور الذي أدّته تقنية الفيديو في أكثر لحظات المباراة حساسية.
 
هذه التقنية وجدت لتكون امتدادًا لعين الحكم، لا بديلاً عن عدالته، ولتمنح كل فريقٍ الحق نفسه في أن تُراجع اللقطة بالمعيار ذاته. لكن المباراة خلّفت لدى كثيرين تساؤلاتٍ متتابعة: لماذا حضرت الشاشة في بعض اللقطات، وغابت عن أخرى..؟ لماذا راجعت هدف لتلغيه , ولم تراجع الآخر لتؤكده..؟ وهل كان معيار التدقيق واحدًا كلما اقتربت الكرة من منطقة الجزاء..؟
 
لذلك، لم تقتصر علامات الاستفهام على الجماهير المصرية، بل امتدت إلى وسائل إعلامٍ ومحللين وخبراء في اللعبة تناولوا عددًا من الحالات التحكيمية التي أثارت نقاشًا واسعًا بعد المباراة. ولم يعد الحديث عن النتيجة وحدها، بل عن التفاصيل التي سبقتها وصنعت مسارها؛ من الهدف المصريّ الملغى، إلى اللقطات التي طالب فيها اللاعبون بالمراجعة، وصولاً إلى القرارات التي بقيت، بالنسبة إلى كثيرين، مفتوحةً على أكثر من قراءة.
 
وهنا، لم تعد القضية: مَن فاز..؟ بل أصبحت: هل حظيت جميع اللحظات المثيرة للجدل بالقدر نفسه من المراجعة والتثبُّت..؟ ذلك هو السؤال الذي تفرضه وقائع المباراة، وتُغذّيه النقاشات التي تواصلت بعد صافرة النهاية، مستندةً إلى ما شهدته أرضية الملعب وما أثير حولها من تحليلاتٍ وقراءات.
 
لم يكن الجدل الذي أعقب المباراة وليد النتيجة وحدها، بل وُلد منذ اللحظة التي ألغت فيها تقنية الفيديو الهدف المصريّ الثاني، لتفتح أول أبواب النقاش حول معيار تدخّلها وحدود سلطتها ومدى نزاهتها. ثم توالت علامات الاستفهام فشملت ركلة الجزاء التي احتُسبت لمصلحة الأرجنتين، وما دار حولها من تساؤلاتٍ بشأن آلية اتخاذ القرار، ومدى الحاجة إلى مراجعته عبر الشاشة. ولم يلبث الجدل أن امتدّ إلى هدف كريستيان روميرو؛ إذ رأى عددٌ من المتابعين والمحللين أنّ مرحلة بناء الهدف كانت تستحقّ مراجعةً أدق، وتساءل آخرون عمّا إذا كانت هناك شبهة تسلّل، ولماذا لم تُعرض الإعادة التلفزيونية للحالة إلا بعد نحو سبع دقائق، وهل كان لتقنية الفيديو أيّ دورٍ في ذلك التأخير..؟
 
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجددت علامات الاستفهام مع اللقطة التي تعرّض فيها حمدي فتحي لجذبٍ واضحٍ داخل منطقة الجزاء، حتى تمزق قميصُه، ثم مع مطالبة لاعبي المنتخب المصري بمراجعة اللحظة التي تعرّض فيها محمد صلاح لعرقلةٍ داخل منطقة الجزاء قبل انطلاق الهجمة التي انتهت بالهدف الثالث للأرجنتين. وبين تلك اللقطات جميعًا، لم تكن الأسئلة تبحث عن إعادة كتابة النتيجة، بقدر ما كانت تبحث عن معيارٍ واحدٍ تُقاس به جميع الحالات, وتعامل به كافة القمصان.
 
وهكذا، لم ينصرف الحديث بعد صافرة النهاية إلى براعة الأرجنتين في العودة وحدها، ولا إلى الأداء البطولي الذي قدّمته مصر فحسب، بل امتدّ إلى معيار استخدام تقنية الفيديو، واتساق القرارات، وحدود تدخّلها في اللحظات الحاسمة. وتحولت المباراة من منافسةٍ فوق العشب الأخضر إلى محاكمةٍ مفتوحةٍ للصافرة والشاشة، حيث لم يعد السؤال الأكبر: مَن تأهل للدور التالي..؟ بل: هل رأت العدالة كلّ ما كان ينبغي أن تراه، أم أنّ بعض اللقطات غابت عن العين التي وُجدت أصلاً كي لا يغيب عنها شيء..؟
 
شُهودُ العالم .. ضجيج الصّحُف حول غضّ طرف الصّافرة
 
لم يبق الجدل حبيس غرف الملابس، ولا أسير المدرجات والشاشات. فما إن أسدل الليل ستاره على أتلانتا، حتى حملت وكالات الأنباء العالمية والصحف الدولية المباراة إلى العالم، لا بوصفها واحدةً من أكثر مباريات المونديال إثارةً فحسب، بل باعتبارها أيضًا واحدةً من أكثرها إثارةً للنقاش التحكيمي.
 
كانت وكالة رويترز أولى من التقطت خيط الحكاية، فكتبت أنّ المنتخب المصريّ والاتحاد المصريّ لكرة القدم وجّها انتقاداتٍ مباشرةً إلى آلية استخدام تقنية الفيديو، مشيرةً إلى أنّ الجدل لم يقتصر على الجماهير، ولا على الشارع المصري فقط، بل أشارت الوكالة إلى أن عددًا من أبرز نجوم الكرة الإنجليزية السابقين والمحللين، يتقدمهم آلان شيرر، وإيان رايت، وجيمي كاراجر، وروب جرين، انتقدوا اتساق تطبيق تقنية الفيديو، في عددٍ من اللقطات المؤثرة, معتبرين أن بعض قراراتها في المباراة أثارت علامات استفهام واسعة, وفي مقدمتها إلغاء هدف مصطفى زيكو، وعدم احتساب مطالبة مصر بركلة جزاءٍ في الدقائق الأخيرة.
 
وعادت رويترز في تقريرٍ آخر لتنقل كلمات حسام حسن، الذي لم يُخف مرارته، مؤكدًا أنّ منتخبه كان الأجدر بما انتهت إليه المباراة، ومتسائلاً عن أسباب إلغاء الهدف المصري، وعدم احتساب ركلة الجزاء التي رأى أنها كانت مستحقة، قبل أن يعلن، في لحظة انفعالٍ صادقة، أنه لن يُكمل متابعة مباريات البطولة المتبقية بعد ما جرى.
 
أما صحيفة الجارديان البريطانية، فلم تتعامل مع القضية بوصفها ردَّ فعلٍ مصريًا فحسب، بل أبرزت أنّ احتجاج الاتحاد المصريّ على طاقم التحكيم أصبح أحد أبرز ملفات اليوم التالي في المونديال، مع مطالباتٍ بالتحقيق في أداء الحكم الفرنسيّ فرانسوا لوتيكسييه، ومراجعة قرارات طاقم تقنية الفيديو.
 
ولم يتوقف النقاش عند الإعلام التقليدي. فقد رصدت تقاريرٌ دوليةٌ عاصفةً من التفاعلات على منصات التواصل، حيث رأى كثيرٌ من المشجعين أنّ المنتخب المصريّ خسر النتيجة، لكنه كسب احترام جماهيرٍ محايدة، بينما انصبّ الجزء الأكبر من الجدل على اتساق استخدام تقنية الفيديو، لا على أحقية الأرجنتين في العودة ذاتها.
 
وهكذا، خرجت المباراة من حدود أتلانتا، ولم تعد ملكًا لطرفيها، بل أصبحت قضيةً كرويةً عالمية. اختلفت الآراء، وتباينت القراءات، لكن شيئًا واحدًا بدا محلّ اتفاق: أنّ مواجهة مصر والأرجنتين لم تكن مجرد مباراةٍ انتهت بثلاثة أهدافٍ مقابل هدفين، بل ليلةً ستظلّ حاضرةً في ذاكرة هذا المونديال، ليس بسبب الإثارة وحدها، وإنما بسبب الأسئلة التي بقيت معلقةً بعد أن صمتت الصافرة.
 
ثمن الحُلم .. حين تصبح المُباراة أكبر من المباراة
 
ليست كل مباريات البطولة تلعب داخل المستطيل الأخضر وحده. فهناك مبارياتٌ تحمل فوق أكتافها من الرموز والأحلام والضغوط ما يجعلها تتجاوز حدود التسعين دقيقة، لتصبح جزءًا من نقاشٍ أوسع تتقاطع فيه الرياضة مع الإعلام، والاقتصاد، والتسويق, والسياسة، وصناعة الصورة.
 
وفي مثل هذه الليالي، لا تكتفي الجماهير بمتابعة ما جرى، بل تبدأ في البحث عن تفسيرٍ لما جرى. تتعدد الروايات، وتتنازع القراءات، ويصبح كلّ قرارٍ قابلاً لأن يُقرأ من أكثر من زاوية. فهناك من ينظر إلى المباراة بوصفها مواجهةً كرويةً خالصة، وهناك من يراها انعكاسًا لعالمٍ أصبحت فيه كرة القدم صناعةً كبرى.
 
وفي خضمّ تلك الأجواء، جاء رفع العلم الفلسطينيّ إلى جانب العلم المصريّ، وما أعقبه من تصريحاتٍ لحسام حسن عن حقّ الشعب الفلسطيني، ليضيف بُعدًا آخر إلى المشهد، ويمنح المباراة حضورًا تجاوز حدود الرياضة. وبين من رأى في ذلك موقفًا إنسانيًا، ومن اعتبره رسالةً رمزيةً، بقيت الحقيقة أنّ المباراة اكتسبت أبعادًا إضافيةً في أعين كثيرين، ولم تعد تُقرأ بالمنظار الكرويّ التنافسي وحده, بل تحولت إلى جزءٍ من النقاش المحيط بالمباراة..؟ وهل تبقى الرياضة، في عالمٍ تتقاطع فيه السياسة والإعلام والاقتصاد، بمنأى عن كلّ تلك التأويلات، أم أن كل موقفٍ يكتسب معناه من زاوية نظر من يقرؤه..؟
 
ومن هنا، لم تعد الأسئلة حكرًا على الجماهير المصرية والعربية، بل راحت تتردد في كلّ مكان. لماذا تتكاثر نظريات الشكّ كلما اجتمعت في مباراةٍ واحدةٍ سلسلةٌ من القرارات التحكيمية المثيرة للجدل..؟ وهل يكفي أن تكون تلك الوقائع مجرد أخطاءٍ بشريةٍ متفرقة، أم أنّ تراكمها هو ما يدفع الكثير إلى البحث عن تفسيراتٍ تتجاوز حدود المستطيل الأخضر..؟
 
وهل أصبحت كرة القدم الحديثة، بما تُحيط بها من عقود بثٍّ، ورعاةٍ، وحقوقٍ تجاريةٍ، وقيمةٍ تسويقيةٍ للنجوم، واهتمام إعلاميّ لا ينفصل عن بريق الأسماء, جعلها أكبر من مجرد لعبة..؟ وهل يمكن إنكار أنّ بقاء الأسماء الكبرى في البطولة يُمثل قيمةً إعلاميةً وتسويقيةً هائلة..؟ وبعد خروج أسماءٍ بحجم كريستيانو رونالدو وفينيسيوس جونيور، هل كان من الطبيعي أن يطرح بعض المتابعين أسئلةً حول أهمية استمرار المتبقي من النجوم الكبار في المشهد, حتى لا تفقد الأمتار المتبقية من البطولة رونقها..؟ إنها، في نهاية المطاف، أسئلةٌ تجول في الأذهان، لا أحكامٌ تُقطع بها الوقائع.
 
هذا ما يجعل الذاكرة تستدعي وقائع متفرقة، لا لإثبات وجود خيطٍ واحدٍ يجمعها، بل لفهم سبب اتساع مساحة الشك. لماذا أُثير الجدل حول تأجيل تنفيذ عقوبة أحد لاعبي المنتخب الأمريكي، بما أتاح له المشاركة في مباراة بلجيكا الماضية..؟ ولماذا ظلّت بعض الحالات التحكيمية، ومنها الجدل الذي صاحب إحدى لقطات ميسي في مواجهة المغرب، بما تحمله من إحتمالية طرده, حاضرةً في نقاشات الجماهير والمحللين..؟ وهل يكفي أن تختلف ظروف كلّ واقعةٍ حتى تتبدد الأسئلة التي تتركها في الأذهان..؟
 
ثم لماذا أثار اختيار طاقم تحكيمٍ أرجنتينيٍّ لإدارة مباراة فرنسا والمغرب القادمة كلّ ذلك الجدل، بعد إدارة الحكم الفرنسيِّ فرانسوا ليتيكسييه مواجهة مصر والأرجنتين، وما أحاط بها من نقاشاتٍ واسعة..؟ أهي مجردُ مصادفاتٍ في توزيع الأطقم التحكيمية، أم أنّ تتابع مثل هذه الوقائع يمنح المتابعين شعورًا بأنّ المشهد بأكمله يحتاج إلى مزيدٍ من الشفافية..؟ وهل هي حقًا "كراسٍ موسيقيةٌ" وتبادل أدوار، أم أنّ الأمر لا يعدو كونه تزامنًا زمنيًا يفتح الباب أمام التأويل..؟
 
وربما يبقى السؤال الأكبر: هل يكفي تكرار الوقائع المثيرة للجدل، حتى وإن اختلفت أسباب كل واحدةٍ منها، لكي يتآكل يقين الجماهير بعدالة المنافسة..؟ أم أن السبيل الوحيد لإغلاق باب الشكوك هو أن تُصبح معايير التحكيم وتقنية الفيديو أكثر وضوحًا واتساقًا، بحيث لا تترك خلفها كل هذا العدد من علامات الاستفهام..؟
هكذا، لا يخرج الناس من بعض المباريات وهم يتجادلون حول النتيجة وحدها، بل حول ما إذا كانت كرة القدم ما زالت قادرةً على أن تُقنع الجميع بأن العدالة تُدار بالمعيار نفسه، أيًّا كان اسم المنتخب، وأيًّا كان حجم النجم، وأيًّا كانت قيمة المباراة.
 
دموعٌ في عُيونٍ وَجلة
 
ليست كل الدموع دموع هزيمة، ولا كل الابتسامات دليل انتصار. ففي أتلانتا، وبينما كانت لوحة الملعب تُعلن تأهل الأرجنتين، كانت وجوه لاعبيها تحكي روايةً أخرى؛ رواية منتخبٍ نجا من السقوط، أكثر مما انتصر.. كان ليونيل ميسي، الذي اعتاد أن يغادر الملاعب مكللاً بالورود, محاطًا بالتصفيق، يقف وقد غزت الدموع عيناه, وارتسمت على وجهه ملامح رجلٍ عبر عاصفةً كادت تبتلع كلّ أحلامه. لم يكن يُحدق في المدرجات احتفالاً، بل في المستطيل الأخضر الذي أجبره، للمرة الثانية في هذه البطولة، على أن يستنزف كل ما يملك من خبرةٍ ومهارة.
 
ولعلّ أكثر ما بقي عالقًا في الأذهان، لم يكن دموعه ذاتها، بل السؤال الذي تركته خلفها. أكانت دموع انتصارٍ بعدما كاد الحلم أن يفلت من بين أصابعه في اللحظة الأخيرة..؟ أم كانت دموع وجلٍ من منتخبٍ مصريٍّ دفعه إلى حافة الخروج المفاجىء، وجعل بطل العالم يرى الإقصاء ماثلاً أمام عينيه..؟ أم كانت دموع ارتياحٍ لأن القدر ابتسم له في النهاية، بعد أن ظلّ أكثر من سبعين دقيقةً يطارد مباراةً لم تكن تُطيعه..؟ أم كانت، ببساطة، دموع لاعبٍ أدرك أنّ المجد الكبير لا يُنال إلا حين يمرّ من فوق أكثر الطرق وعورةً..؟
 
مهما تكن الإجابة، فإنَّ شيئًا واحدًا بدا يقينًا؛ أن تلك الدموع لم تولد من مباراةٍ سهلة، ولم تُسكب بعد نزهةٍ كروية، بل كانت اعترافًا صامتًا بقيمة الخصم، وبمساءٍ جعل أعظم لاعبٍ في جيله يختبر من القلق والرهبة ما لم يختبره في كثيرٍ من مبارياته الكبرى.
 
ولم يكن ميسي وحده. فسكالوني، الذي عرف كيف يقود الأرجنتين إلى المجد، بدا على خطِّ التماس أسير توترٍ لم تستطع ابتسامته الأخيرة أن تخفيه. أما مقاعد البدلاء، فقد عاشت دقائقها الأخيرة وهي تنظر إلى الساعة أكثر مما تنظر إلى الكرة، وكأنّ الزمن وحده كان الحليف الذي تبقى لها.
 
لقد جعلت مصر بطل العالم يعيش أكثر من ساعةٍ وهو يطارد المباراة، لا يقودها. جعلته يركض خلف حلمٍ مصريٍّ بدا، حتى الدقيقة التاسعة والسبعين، أقرب إلى الحقيقة منه إلى الخيال. ولم يكن ذلك نتاج صدفةٍ، ولا هديةً من القدر، بل ثمرة أداءٍ شجاعٍ، وانضباطٍ تكتيكيٍّ، وإيمانٍ بأن الأسماء الكبيرة تُحترم، لكنها لا تُرهب.
وحين انتهت الليلة، بقيت النتيجة للأرجنتين، لكن الانطباع بقي لمصر. صعد ميسي إلى الدور التالي، غير أنّه ذهب وهو يعرف أن الطريق إلى هناك لم يكن منثورًا بالنجوم، بل مرّ فوق قلوب رجالٍ ارتدوا الأحمر، وكتبوا واحدةً من أكثر مباريات المونديال بطولةً، حتى وإن لم يكتبوا أسماءهم في جدوال المتأهلين.
 
وربما لهذا السبب، ظلّت صور الوجوه الأرجنتينية بعد الصافرة أقرب إلى وجوه من نجا، منها إلى وجوه من انتصر. فثمّة انتصاراتٌ تُرفع معها الكؤوس، وثمّة مبارياتٌ يخرج منها المنتصر وهو يدرك، في قرارة نفسه، أنّه كان على بُعد خطوةٍ واحدةٍ من السقوط.
 
وختامًا .. لعلّ أجمل ما خرجت به مصر من تلك البطولة وهذه الليلة، لم يكن هدفًا، ولا بطاقة تأهُّل، بل احترامًا انتزعته من قلوب الملايين. فمهما اختلفت القراءات، وتباينت التفسيرات، يبقى يقينٌ واحدٌ لا يختلف عليه أحد؛ أنّ المنتخب المصريّ قدّم مباراةً ستظلّ بين أكثر مباريات البطولة حضورًا في الذاكرة، وأنّ ما أثارته من نقاشاتٍ تجاوز حدود النتيجة، ليصبح جزءًا من السردية الكبرى لهذا المونديال.
 
ولم يكن غريبًا، بعد ذلك، أن تتوالى كلمات الإشادة من خارج مصر قبل داخلها، وأن يُثمّن رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء الأداء البطوليّ الذي قدّمه الفراعنة، وأن تتعالى أصوات الجماهير العربية والإفريقية، وهي ترى في هذا المنتخب صورةً لفريقٍ قاتل حتى اللحظة الأخيرة، وأعاد إلى الكرة العربية جزءًا من بريقها، وإلى الكرة الإفريقية كثيرًا من كبريائها. وإذ تُطوى صفحة هذه المواجهة، تبقى الأمنيات صادقةً بأن يُكمل المنتخب المغربيّ المسير، وأن يبقى الحضور العربيّ والإفريقيّ حاضرًا في قلب هذا الحدث.
 
أما مصرُ... فقد خرجت من البطولة حسابيًا، لكنها لم تغادرها من ذاكرة الناس. خسرت نتيجةً، وربحت قضيةً، خسرت بطاقة العبور، وربحت احترامًا لا تمنحه لوحات النتائج. وإذا كان للأرجنتين حقّ الاحتفال بالتأهل، فإنّ لمصر حقّ الفخر بما قدّمت، وللعالم حقّ أن يواصل طرح الأسئلة التي وُلدت في أتلانتا، ولم تكف مع صافرة النهاية.
 
وربما لن يتذكر التاريخ بعد أعوامٍ تفاصيل كلِّ هدفٍ، ولا أسماء الحكام، لكنه سيتذكر أنّ هناك منتخبًا جاء من ضفاف النيل، ووقف في وجه بطل العالم،باغته, أرهقه, أربكه, أبكى أسطورتَه، وأشعل نقاشًا لم ينطفئ.
ويبقى السؤال الأخير معلّقًا في سماء المونديال: هل كانت الخاسرة هي مصر فعلاً..؟ أم أنّ الخاسر الأكبر كان ذلك الشعور الجمعيّ بالثقة المطلقة في نزاهة المنافسة، حين غادرت المباراة ملعبها، وبقيت العدالة الكروية نفسها محلّ سؤال..؟
 
انتهت المباراة .. وانتهى الحضور .. لكن الحكاية لم تنتهِ. سيظلُّ الأملُ قائمًا بأن يبقى المونديال يومًا عيدًا للعالم كلِّه؛ عيدًا لا يكتبه إلا العشب، ولا تحسمه إلا الأقدام، ولا تنتصر فيه إلا العدالة.. وسيبقى المنتخب المصريّ عنوانًا لكلّ حلمٍ كبيرٍ يؤمن بأن قيمة الرجال لا تُقاس دائمًا بما تُعلنه الصافرة، ولا بما تُثبته لوحات النتائج، بل بما يبقى بعدها في ضمير التاريخ، وفي وجدان الشعوب ..
 
سيبقى حكايةً يرويها هذا المونديال طويلاً، لا لأنّه بلغ محطةً بعينها، ولا لأنّه أضاف رقمًا جديدًا إلى سجلّ البطولة، بل لأنّه جعل العالم يتوقّف أمام شجاعته، وأدائه، وإيمانه، الذي أيقظ الإعجاب، وفرض الاحترام .. سيبقى قصيدةً كتبها العشب الأخضر، وردّدتها الجماهير، وحفظها التاريخ؛ فبعض الفرق لا تأتي إلى المونديال لتُحصي الانتصارات، وإنما لتذكّر العالم بأنّ البطولة الحقيقية قد تكون موقفًا، وشجاعةً، وحلمًا، وإرادةً, تحفظها قلوب كلّ من آمن يومًا أنّ الشرف لا يُقاس بما يُعلّق في خزائن الأبطال، بل بما يبقى خالدًا بعد أن تُطوى الصفحات، وتُطفأ الأضواء، وتغيب الصافرات.. 
 
فشكرًا للأبطال .. شرَّفتم الوطن .. ورفعتم الرؤوس
 
 

أخبار مصر

أخبار مصر

موقع أخبار مصر هو موقع أخبارى سياسى اجتماعى فنى رياضى يصدره قطاع الأخبار -بالهيئة الوطنية للإعلام - التليفزيون المصرى سابقاً

أخبار ذات صلة

المزيد من مقالات

فازت مصر .. في خسارة صفق لها العالم

المونديال ليس مجرد بطولة تتقاذف فيها الأقدام كرة تسحر القلوب, فتصنع ذاكرة الشعوب، بل هو عيد كوني ينتظره العالم؛ ليحتفي...

الخريطة ليست الأرض... لماذا لا نرى العالم كما هو؟

يحدث أحيانًا أن يجلس شخصان في المكان نفسه، ويشهدان الموقف نفسه، ثم يخرجان منه بقصتين مختلفتين تمامًا. كل واحد منهما...

القاهرة أقدم مدن التراث الحى

احتفلت محافظة القاهرة في 6 يوليو بعيدها القومي، وهي المناسبة التي تستعيد فيها المدينة صفحات من تاريخها الممتد لأكثر من...

الجغرافيا التي لا تظهر على الخرائط

لم تعد الثروة تبحث عن أقرب ميناء أو أكبر حقل نفطي، بل عن أسرع مسار للبيانات وأقوى بنية رقمية. وبينما...


مقالات