لم تعد سلامة الأغذية قضية مرتبطة فقط بما يصل إلى أطباقنا يوميًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة أشمل تتعلق بالأمن الغذائي والاستدامة والصحة العامة. فالعالم اليوم لا يواجه تحدي توفير الغذاء فحسب، وإنما يواجه أيضًا تحدي ضمان جودته وسلامته في ظل التغيرات المناخية، والضغوط الاقتصادية، وتعقيدات سلاسل الإمداد والإنتاج. وفي قلب هذه المنظومة تبرز أدوار عديدة قد لا تحظى بالقدر الكافي من الاهتمام، رغم تأثيرها المباشر في تشكيل السلوك الغذائي للأسر، ودعم الإنتاج الغذائي، وتعزيز الممارسات الصحية داخل المجتمع.
شيرين الشافعيرئيس تحرير بقناة النيل للأخبارماجستير إدارة أعمال
ولا يمكن النظر إلى سلامة الغذاء بمعزل عن التحولات العالمية المتسارعة التي أعادت تشكيل منظومات الإنتاج والاستهلاك. فالأزمات المناخية باتت تؤثر على جودة المحاصيل وكمياتها، وسلاسل الإمداد أصبحت أكثر تعقيدًا، بينما ارتفعت معدلات الاستهلاك غير الواعي في بعض المجتمعات.
وبين هذه التحديات، يبرز الغذاء كعنصر استراتيجي يرتبط بالصحة العامة والاستقرار الاجتماعي والقدرة على الصمود أمام الأزمات. ومن هنا، تصبح إدارة الغذاء بشكل آمن ومسؤول جزءًا من إدارة المستقبل ذاته، وليس مجرد إجراء يومي داخل المنزل أو السوق.
وتزداد أهمية هذا الملف في وقت تتصاعد فيه التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي عالميا، بدءًا من التغيرات المناخية، مرورا باضطرابات سلاسل الإمداد، وصولا إلى الحاجة المتزايدة لتعزيز أنماط الاستهلاك المسؤولة. وفي ظل هذه المتغيرات، يصبح الحفاظ على سلامة الغذاء مسؤولية مشتركة تبدأ من مراحل الإنتاج الأولى، وتمتد حتى وصول الغذاء إلى المستهلك.
وبين هذه الحلقات المتصلة، تتشكل ممارسات يومية تسهم في حماية الصحة العامة وتعزيز جودة الحياة، وتؤكد أن سلامة الغذاء لا تعتمد على الرقابة وحدها، وإنما على منظومة متكاملة من المعرفة والإدارة والمسؤولية.
من الحقل إلى المائدة
تبدأ رحلة الغذاء قبل وصوله إلى المستهلك بوقت طويل، داخل الحقول والمزارع ومواقع الإنتاج المختلفة. وفي هذه المرحلة تؤدي النساء دورا مهما في العديد من المجتمعات، خاصة في الأنشطة الزراعية والإنتاجية المرتبطة بالغذاء. فهن يشاركن في زراعة المحاصيل، وتجهيز المنتجات الزراعية، ورعاية الثروة الحيوانية، بما يسهم في دعم منظومة الإنتاج الغذائي وتوفير احتياجات الأسواق والأسر.
ولا يقتصر هذا الدور على العمل التقليدي في الحقول، بل يمتد إلى ما هو أوسع من ذلك، حيث أصبحت العديد من النساء جزءا من سلاسل القيمة الغذائية، سواء من خلال المشروعات الصغيرة التي تعتمد على تصنيع الأغذية المنزلية، أو عبر الدخول في مجالات التعبئة والتغليف والتسويق الغذائي.
كما ساهمت هذه الأنشطة في خلق فرص اقتصادية داخل المجتمعات المحلية، ووفرت مصدر دخل مهمًا للأسر، خصوصا في المناطق الريفية.
وخلال السنوات الأخيرة، برز دور النساء في مجالات ريادة الأعمال المرتبطة بالغذاء، مع انتشار برامج التدريب والدعم الفني التي تستهدف رفع جودة الإنتاج وتحسين معايير السلامة الغذائية.
هذا التطور لم ينعكس فقط على الجانب الاقتصادي، بل ساهم أيضًا في نشر ممارسات أكثر التزامًا بمعايير الصحة العامة، وتقليل نسب الفاقد الغذائي الناتج عن سوء التخزين أو التعامل غير السليم مع المنتجات.
وتكتسب هذه الأدوار أهمية متزايدة في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي عالميا، إذ تمثل المشاركة الفاعلة في الإنتاج الغذائي أحد العناصر المهمة لدعم الاستدامة وتعزيز قدرة المجتمعات على مواجهة الأزمات والتقلبات الاقتصادية.
ومن ثم فإن الاستثمار في بناء القدرات وتوفير فرص التدريب والدعم للعاملات في هذا القطاع لا ينعكس فقط على فرص العمل والدخل، بل يمتد أثره إلى جودة الغذاء وسلامته.
عادات تحمي الصحة
إذا كانت سلامة الغذاء تبدأ في مراحل الإنتاج، فإنها تستمر داخل المنازل من خلال الممارسات اليومية المرتبطة باختيار الطعام وتخزينه وإعداده واستهلاكه. فالكثير من المخاطر الغذائية لا ترتبط فقط بجودة المنتج، وإنما بكيفية التعامل معه بعد شرائه.
ومن هنا تبرز أهمية العادات الغذائية السليمة والممارسات الصحية التي تسهم في الحد من الأمراض المنقولة عبر الغذاء. وتشمل هذه الممارسات الالتزام بالنظافة أثناء إعداد الطعام، والتخزين الآمن للمواد الغذائية، والحرص على صلاحية المنتجات، والالتزام بطرق الطهي المناسبة، إلى جانب الحد من الهدر الغذائي وترشيد الاستهلاك.
وفي هذا السياق، تلعب الأمهات دورا محوريا في تشكيل السلوك الغذائي للأبناء منذ السنوات الأولى من العمر. فالعادات التي يكتسبها الأطفال داخل الأسرة غالبًا ما تستمر معهم لسنوات طويلة، وهو ما يجعل القرارات اليومية المتعلقة بالغذاء جزءًا من عملية بناء رأس المال البشري وتحسين الصحة العامة.
ولا يقتصر الأمر على توفير غذاء آمن فحسب، بل يمتد إلى ترسيخ ثقافة غذائية متوازنة تساعد على الوقاية من الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، وتدعم جودة الحياة على المدى الطويل. لذلك فإن سلامة الغذاء ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمعرفة والممارسات اليومية بقدر ارتباطها بالإنتاج والرقابة.
من الأسرة إلى المجتمع
لم يعد تأثير النساء في ملف سلامة الأغذية مقتصرا على الأسرة أو المشروعات الصغيرة، بل أصبح يمتد إلى مجالات أوسع تتعلق بالتوعية المجتمعية والعمل الصحي والتنموي.
فهناك حضور متزايد للمتخصصات في مجالات التغذية والصحة العامة والعلوم الزراعية، إلى جانب المشاركة في المبادرات المجتمعية التي تستهدف نشر الثقافة الغذائية السليمة وتعزيز السلوكيات الصحية.
كما لم تعد المعرفة الغذائية حبيسة الإطار الأكاديمي أو المؤسساتي، بل أصبحت جزءا من الخطاب المجتمعي اليومي، خاصة مع اتساع دور المنصات الرقمية التي ساهمت في نشر المعلومات المرتبطة بالتغذية وسلامة الغذاء بشكل مبسط وسريع الوصول.
هذا التحول ساعد على رفع مستوى الوعي الغذائي لدى فئات واسعة، وأسهم في تعزيز أنماط استهلاك أكثر توازنا.
وفي الوقت نفسه، يكتسب دعم هذه الجهود أهمية خاصة في المناطق الريفية والأكثر احتياجًا، حيث يمكن للتوعية والتدريب ونقل الخبرات أن تسهم في تحسين الممارسات الغذائية وتعزيز سلامة الغذاء على مستوى الأسرة والمجتمع.
كما يرتبط هذا الدور ارتباطًا مباشرًا بأهداف التنمية المستدامة، خاصة ما يتعلق بالصحة الجيدة، والقضاء على الجوع، وتمكين المجتمعات المحلية.
وفي ظل ما يشهده العالم من تحولات متسارعة تمس منظومات الغذاء والإنتاج والاستهلاك، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة النظر في الأدوار التي تسهم في حماية الغذاء عبر مختلف مراحله، ليس فقط من منظور الإنتاج أو الرقابة، بل من منظور بناء السلوك الغذائي وتعزيز الممارسات الصحية داخل المجتمع.
فسلامة الغذاء تبدأ من الحقل، لكنها لا تكتمل إلا بالمعرفة والمسؤولية وحسن الإدارة. وبين هذه الحلقات المتصلة، تظل مساهمات النساء أحد العناصر المؤثرة في دعم الأمن الغذائي وتحقيق أهداف التنمية المستدامة، بما يتجاوز حدود الدور التقليدي إلى شراكة حقيقية في بناء مجتمعات أكثر صحة واستقرارًا.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
تبدو الحرب للوهلة الأولى لحظةً ينكسر فيها النظام وتعلو فيها لغة القوة، لكن التجربة الإنسانية الطويلة علّمت العالم أن أخطر...
في فجر الحضارات الأولى، لم يكن الإنسان يخاف الحرب وحدها، بل كان يخاف السماء أيضا. كان سكان بلاد الرافدين يعيشون...
لم تعد سلامة الأغذية قضية مرتبطة فقط بما يصل إلى أطباقنا يوميًا، بل أصبحت جزءًا من منظومة أشمل تتعلق بالأمن...
منذ الصغر، نتعلم أن الصبر فضيلة. نسمع عنها في النصائح، وفي الحكايات، وفي المواقف اليومية. يُطلب منا أن نصبر حين...