"المؤثرون" يغيرون قواعد اللعبة في عصر الإعلام الرقمي!

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولات جذرية في طبيعة الاتصال الجماهيري، فلم يعد الإعلام التقليدي وحده المصدر الأساسي لتشكيل الرأي العام بل ظهر جيل جديد من صناع المحتوى عرفوا باسم “المؤثرين” أو الـ Influencers وهم أفراد استطاعوا عبر المنصات الرقمية بناء جماهير واسعة تمنحهم قدرة هائلة على التأثير في السلوك والأفكار والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية.

إبراهيم الصياد
وكيل أول وزارة الإعلام رئيس قطاع الأخبار الأسبق

 

ورغم أن ظاهرة التأثير ليست جديدة في التاريخ الإنساني فإن البيئة الرقمية منحتها شكلاً مختلفاً وأكثر سرعة وانتشاراً حتى أصبح بعض المؤثرين ينافسون القنوات الفضائية والصحف الكبرى في حجم المتابعة والقدرة على صناعة ما يسمى “الترند” وتوجيه النقاش العام!

ويختلف المؤثر عن الإعلامي والصحفي من حيث الوظيفة والأدوات وطبيعة العلاقة مع الجمهور.

. الصحفي يعمل غالباً داخل مؤسسة إعلامية لها قواعد مهنية وسياسات تحريرية ويعتمد على جمع المعلومات والتحقق منها وتقديمها وفق معايير مهنية معروفة.

.أما الإعلامي يرتبط عادة بمنصة تقليدية مثل التلفزيون أو الإذاعة، ويقوم بدور الوسيط لنقل الرسالة الإعلامية إلى الجمهور.

. بينما المؤثر لا يحتاج بالضرورة إلى مؤسسة إعلامية ويستطيع عبر هاتف ذكي وحساب على منصة رقمية أن يصل إلى ملايين المتابعين معتمدا بدرجة كبيرة على شخصيته الفردية وأسلوبه الخاص وقدرته على صناعة التقارب النفسي مع الجمهور، أكثر من اعتماده على المعايير المهنية!

ومن هنا يبرز سؤال:
(هل التأثير وظيفة أم مجرد حالة مرتبطة بالإعلام الرقمي؟)
الحقيقة أن التأثير تحول إلى صناعة كاملة لها عوائد مالية ضخمة وشركات متخصصة في إدارة المحتوى والتسويق والرعاية والإعلانات. وأصبح “المؤثر” بالنسبة لكثير من الشباب حلماً مهنياً قائماً بذاته، خاصة مع اتساع اقتصاد المنصات الرقمية مثل يوتيوب وتيك توك وإنستجرام وفيسبوك.

لكن التأثير لا يقتصر على الإعلام الرقمي وحده، حيث تمتلك كل شخصية قدرة على توجيه الجمهور ويمكن اعتبارها مؤثرة، سواء كانت في السياسة أو الفن أو الرياضة أو الفكر. غير أن الإعلام الرقمي منح هذا الدور زخماً غير مسبوق بسبب سرعة الانتشار وانخفاض تكلفة الوصول للجمهور.

إن العلاقة بين المؤثر والمحاور أو مقدم برامج “التوك شو” أصبحت معقدة ومتشابكة!

في الماضي كان الإعلام التقليدي يصنع النجوم ويمنحهم مساحة الظهور، أما اليوم أصبح كثير من مقدمي البرامج يسعون لاستضافة المؤثرين للاستفادة من جماهيريتهم الواسعة.

وان بعض المؤثرين تحولوا بالفعل إلى مقدمي برامج وإعلاميين بعد نجاحهم الرقمي!

وتتمثل أدوات المؤثر في عدد من العناصر أهمها:
القدرة على صناعة المحتوى الجذاب وفهم خوارزميات المنصات الرقمية والمهارة في الإقناع والظهور المستمر والتفاعل المباشر مع الجمهور إضافة إلى توظيف الصورة والموسيقى والاعتماد على اللغة البسيطة القريبة من الناس.

لكن الطريق ليس سهلاً، وهناك تحديات كبيرة تواجه المؤثرين مثل المنافسة الشرسة وسرعة تبدل اهتمامات الجمهور وضغوط الحفاظ على نسب المشاهدة وخطر فقدان المصداقية إضافة إلى القوانين المتزايدة التي بدأت بعض الدول تفرضها لتنظيم المحتوى الرقمي والإعلانات غير المباشرة!

وهنا تبرز قضية جوهرية: ( هل كل مؤثر يؤثر بالفعل؟)

الإجابة بالتأكيد لا حيث أن عدد المتابعين لا يعني بالضرورة وجود تأثير حقيقي و هناك من يملك ملايين المتابعين دون قدرة فعلية على تغيير السلوك أو تشكيل الوعي بينما يمتلك آخرون تأثيراً عميقاً رغم محدودية جمهورهم
إن المؤثر الحقيقي يحتاج إلى عدة صفات أهمها المصداقية والقدرة على التواصل والاستمرارية، وفهم الجمهور وامتلاك محتوى يحمل قيمة أو فكرة أو أسلوباً متميزاً!

غير أن الوجه الآخر للظاهرة يكمن في استخدامها أحياناً في التضليل الإعلامي والترويج الدعائي وكثير من المؤثرين أصبحوا أدوات غير مباشرة للتسويق السياسي أو التجاري أو حتى الأيديولوجي، سواء عن قصد أو دون وعي!

وقد ساهم بعضهم في نشر الشائعات والمعلومات المضللة سعياً وراء المشاهدات أو الأرباح أو خدمة جهات معينة.

لذلك أصبحت العلاقة بين خطاب المؤثرين وخطاب الإعلاميين التقليديين علاقة تنافس وتداخل في آن واحد ويتهم الإعلام التقليدي بعض المؤثرين بالسطحية والفوضى وغياب المهنية بينما يرى المؤثرون أن الإعلام التقليدي فقد قدرته على مخاطبة الناس بلغة العصر!

وربما يفسر ذلك لماذا تفوقت شهرة بعض المؤثرين على شهرة الإعلاميين والرياضيين والممثلين!

يعيش المؤثر يومياً مع جمهوره و يشاركه تفاصيل حياته الصغيرة ويتفاعل معه بشكل مباشر، ما يخلق حالة من القرب النفسي والشعور بالألفة لا توفرها وسائل الإعلام التقليدية.

كما أن عنصر “المصداقية” أو الـ Credibility يلعب دوراً محورياً في انتشار المؤثرين إذ يشعر كثير من المتابعين أن المؤثر شخص يشبههم ويتحدث بلغتهم بعيداً عن الرسمية والتكلف!

ومع تطور الذكاء الاصطناعي والمنصات الرقمية، يبدو أن دور المؤثرين مرشح للتوسع مستقبلاً، لكن نجاح هذا الدور يظل مرهوناً بقدرتهم على الجمع بين التأثير والمسؤولية.

ولن يعتمد إعلام المستقبل فقط على من يملك الصوت الأعلى أو المتابعين الأكثر، بل على من يستطيع تقديم محتوى موثوق و واعٍ يحترم عقل الجمهور ويساهم في بناء إطاره المعرفي بلا ضجيج!

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد
ابراهيم الصياد

المزيد من مقالات

المرأة قلب الأسرة النابض.. من رحمها يبدأ أمن المجتمع

لم تعد معركة الأسرة الحديثة تُخاض عند الأبواب، بل أصبحت تدور في صمتٍ داخل الغرف المغلقة، حيث يجلس الأبناء لساعات...

النفط بين الحصار والصبر الاستراتيجي.. إدارة الاختناق في أسواق الطاقة

لم تعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية مجرد فصل جديد في صراع سياسي ممتد، بل أصبحت نموذجا مكثفا لتحول...

قصة حب ايزادورا الشهيدة

ايزادورا هي فتاة منعمة بنت حاكم مدينة "انتينوبولس"، الإسم القديم لمدينة "الشيخ عبادة" حاليا، عاشت في عهد الإمبراطور "هادريان"، من...

"المؤثرون" يغيرون قواعد اللعبة في عصر الإعلام الرقمي!

شهد العالم خلال العقدين الأخيرين تحولات جذرية في طبيعة الاتصال الجماهيري، فلم يعد الإعلام التقليدي وحده المصدر الأساسي لتشكيل الرأي...