تُنبئنا أدبيات التاريخ العسكري، في الموروث السياسي للحروب التقليدية السالفة، أن الحروب التي تُستهل بقرع "الطبول"، تضع أوزارها إما بإغماد السيوف عقب إبرام المعاهدات أو بنصل سلاح الجوع أو بمرارة الاستسلام والخنوع.
وفي زمن القواعد الكلاسيكية الصارمة للحروب، كانت ملامح النصر والهزيمة تبدو جلية، وكانت النهايات تُرسم كأشكال رمزية وحاسمة؛ بأن تُطوى صفحات القتال على طاولة تفاوض تُغلِّب حكمة العقل على فوران البارود، انطلاقًا من اليقين بأن الحرب ليست سوى "سياسة توظيف لأدوات القوة الصلبة".
وغالبًا ما كانت تلك النهايات تدوّن فوق ورق المعاهدات العتيد قبل أن تُمهر بالتوقيعات؛ تمامًا كما جرى في "قاعة المرايا" بقصر فرساي عام (1919م)، حين أُعيدت صياغة خرائط العالم فوق أنقاض الحرب العالمية الأولى. أو كما حدث في اتفاقيات "كامب ديفيد" عام (1978م)، قبل أن يُتوج ذاك المسار في حديقة البيت الأبيض بالتوقيع على معاهدة السلام، معلنًا طي أمد من الصراع المسلح، انتهى بمداد السلام في لحظة فارقة غيرت وجه الشرق، بعد النصر المصري المبين في حرب العزة والكرامة.
أما المسار الثاني لإنهاء الحروب فهو ما يمكن تسميته بــ "فلسفة الإنهاك"؛ وبمقتضاها يتوقف قرع السيوف حين لا يجد المحاربون ما يقتاتون عليه، فتنتهي المعارك جراء ضراوة الجوع لا بصمت المدافع. ولعل حصار "لينينجراد" (1941ــ 1944) يظل النموذج الأكثر قسوة لـ "حروب الجوع"؛ إذ فرضت القوات الألمانية ــ ومعها بعض القوات الفنلندية ــ حصارًا مريرًا استمر قرابة (900) يوم، انقطعت خلالها إمدادات الحياة، لتتحول المدينة السوفيتية إلى ساحة صراع وجودي قاسية. هناك، صار البرد والجوع سلاحًا فتاكًا تجاوز في أثره وقوته شظايا القذائف، وبالرغم من الصمود الأسطوري والخسائر البشرية المفجعة، انتهى المشهد بانسحاب القوات الألمانية عام (1944م) دون تحقيق هدفها الاستراتيجي، بعد أن نال الإنهاك من عزيمة "هتلر" الحديدية.
ومن قبلها لنا في حملة "نابليون بونابرت" على روسيا (1812م) مثال آخر على انكسار الإرادة أمام سطوة الطبيعة؛ فحين توغل الجيش الفرنسي بآلاف الجنود نحو العمق السوفيتي، لم تكن الهزيمة على يد المدافع وحدها، بل كانت أيضًا بفعل الشتاء الروسي الفتاك. فانسحب "نابليون" وجيشه منهكين، فاقدين أكثر من نصف القوات بسبب الجوع والبرد لا بسبب المواجهات المباشرة، لتنتهي الحملة بكارثة استراتيجية دوّنها التاريخ كشاهد على أن الحرب لا تُحسم دائمًا بمن يطلق الرصاصة الأخيرة، بل قد تُحسم تحت وطأة الإنهاك؛ ذاك الذي يعد بمثابة الهزيمة الصامتة التي تسبق سقوط السلاح، حين يعجز الجسد عن مواصلة ما بدأته الإرادة.
بيد أن النهايات لا تأتي دائمًا عبر بوابات الوفاق، أو بسلاح البرد والجوع، بل قد تفرض حضورها القاسي بمنطق "الاستسلام المشروط أو غير المشروط"؛ حيث تُنكس الأعلام التي خفقت طويلاً، وتُغمد السيوف، وتُسلم مفاتيح القلاع في إقرار صريح بانكسار الإرادة العسكرية والهزيمة النكراء.
وليس أدل على هذا النمط الحزين للنهايات مما شهده العالم إبان الحرب العالمية الثانية حين أعلنت اليابان استسلامها الرسمي في منتصف أغسطس عام (1945م)، تحت وطأة الجحيم الذري فى مدينتي "هيروشيما" و"ناجازاكي".
وكانت خاتمة تلك الحرب العالمية الضروس على متن البارجة الأمريكية (يو إس إس ميسوري) في مشهد تجاوز مجرد التوقيع على وثيقة الاستسلام ، بل كان إعلانًا بانهيار إمبراطورية عسكرية عظمى، وتسريحًا لجيش عابر للقارات، تمددت فيالقه حتى أرهق الخريطة، وظل لعقود الرقم الصعب في معادلة التوازنات الكبرى، إلا أن هذا الانهيار لم يكن محوًا كاملاً من خرائط الجغرافيا، بل كان تحولاً جذريًا في فلسفة الدولة أدى إلى تجرد الإمبراطور "هيروهيتو" من سُلطاته المطلقة ليبقى رمزًا لوحدة الشعب لا صانعًا لقراراته، ولتولد من ركام القنابل الذرية ديمقراطية جديدة صاغها الدستور الياباني عام (1947م).
خريف القواعد الكلاسيكية . وضبابية حروب "المناطق الرمادية"
أما في الحروب المعاصرة، التي نعايشها اليوم، فإن المشهد يختلف تمامًا ؛ فهي لا تبدأ بإعلان رسمي، ولا تنتهي بتوقيعات واضحة. غير أن "الطبول" استبدلت بـ "التغريدات"، وتحولت النهايات من معاهدات أو إنهاك أو استسلام إلى محاولات مستمرة لإعادة رسم الخرائط وفرض "شروط تعجيزية" تُلقى على طاولة المفاوضات بينما تظل فوهات المدافع ساخنة ومنصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات متأهبة. وجعل هذا الواقع الجديد النهايات غير معلومة أو متوقعة، وغدا التفاوض "هدنة قلقة" تُدار بالكامل في منطقة رمادية، حيث يختلط الميدان بالطاولة، وتتحول القذيفة من أداة تدمير إلى رسالة سياسية خشنة، ويصبح المفاوض مجرد ظهير وامتداد للمقاتل في الجبهة. نحن نعاصر حروبًا تلاشت فيها القواعد التقليدية، وبات فيها الهدوء المؤقت مجرد "فاصل تقني" بانتظار "تغريدات" جديدة تعيد إشعال المواجهة.
صراع الإرادات .. تفاوض في مرمى النيران
في قلب هذا المشهد، تتشكل ملامح المواجهة الحالية والمتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل؛ وهي مواجهة لم تعد تقتصر على جبهة واحدة، بل بدأت تتشعب بين لبنان ودول الخليج ومؤخرًا سوريا، وتُدار بأدوات تتجاوز القوة العسكرية الصرفة إلى الاقتصاد والنفوذ وحسابات الردع المتبادل. فحين يصبح التفاوض في حد ذاته هدفًا عسكريًا، فالمفاوضات لا تعد مسارًا سياسيًا خالصًا، بل تتحول إلى جزء أصيل من معادلة الضغط الميداني، وهو ما يمكن نعته بــ "دبلوماسية البارود"؛ حيث تجرى المباحثات ــ وفق بعض التقديرات ــ وسط مخاوف أمنية غير مسبوقة، دفعت بمقاتلات باكستانية إلى الإقلاع لتأمين طائرة الوفد الإيراني، تحسبًا لاستهداف إسرائيلي للقادة الإيرانيين المفاوضين، في إشارة إلى أن التفاوض ذاته بات هدفًا مشروعًا في لعبة كسر الإرادات.
ورغم الإصرار الإيراني الأولي على رفض التفاوض، إلا أن الوقائع دفعت طهران للطاولة حاملة في جعبة مفاوضيها أربعة خطوط حمراء: (تثبيت رسوم العبور في مضيق هرمز، ضمان حماية الوكلاء الإقليميين، الحصول على تعويضات عن الأضرار التي خلفها الدمار، وفك الحجز الكامل عن الأموال الإيرانية المجمدة)، وبهذا, وضعت "المقايضة الكبرى" على الطاولة: وقف شامل للحرب على كافة الجبهات، مقابل ضمان استمرار الملاحة وفتح مضيق هرمز، مما يحول الممر المائي الأهم عالميًا إلى ورقة رابحة على طاولة التفاوض.
رسائل الأرض المحروقة
في المقابل، وبينما كان العالم يترقب "هدنة دونالد ترامب" كطوق نجاة، اختارت تل أبيب نهج "الأرض المحروقة"؛ لا لإنهاك الخصوم فحسب، بل لاستباق المسارات الدبلوماسية وتعطيلها بفرض واقع ميداني جديد قبل أن تكتمل ملامح التفاوض. ومع إعلان مساعي التهدئة، كشفت إسرائيل عن وجهٍ أكثر عنفًا وقبحًا، متجاوزةً الأهداف العسكرية التقليدية إلى قصف العمق السكني اللبناني، مما أثار موجات نزوح بشرية واسعة ــ تُقدر بأكثر من مليون ومئتي ألف نازح، ونحو 6500 مصاب ــ وفق تقديرات متداولة. هذه العمليات لم تكن مجرد عمل عسكري، بل حملت فى طياتها رسائل مزدوجة، أرادت تل أبيب تمريرها بين دويّ المدافع:
الرسالة الأولى ... إلى طهران: إن واشنطن لا تملك وحدها مفاتيح إيقاف الحرب، وأن الطرف الذي يواجه النفوذ الإيراني إقليميًا، وعلى نحوٍ مباشر، هو إسرائيل، لا الولايات المتحدة؛ بما يعني أن أي تهدئة لا تمر عبر قنوات تل أبيب ستظل منقوصة وقابلة للانفجار.
الرسالة الثانية ..إلى واشنطن: إن أي تفاوض مع طهران لا يمكن أن يمضي دون مراعاة المصالح الإسرائيلية، وأن التنسيق مع تل أبيب ليس خيارًا، بل "ممرًا إلزاميًا" وشرطًا بنيويًا لنجاح أي مسار دبلوماسي تخوض غماره الإدارة الأمريكية.
بهذا المشهد، سعت تل أبيب إلى تثبيت معادلة واضحة: أن الميدان لا يزال صاحب الكلمة العليا، وأنها مستعدة لتجاوز الخطوط الدبلوماسية الحمراء لفرض واقع أمني جديد، لا يخضع لحسابات البيت الأبيض وحده.
صدام "السيادة" اللبنانية مقابل"الاستعلاء" الإسرائيلي
بهذا، تحولت الجبهة اللبنانية إلى أداة ضغطٍ سياسي تتجاوز حدود الاشتباك الميداني، حيث برزت فجوة عميقة بين شروط حزب الله الأحد عشر، ومطالب إسرائيل الثلاثة عشر، بما وضع عراقيل جدية أمام أي تسوية مرتقبة.فالحزب يسعى إلى تحويل صموده العسكري إلى مكاسب سياسية تعيد تشكيل الخريطة الداخلية، مطالبًا بوقف شامل للعمليات وانسحاب كامل، في مقايضة ميدانية تمتد لتطال بنية الدولة اللبنانية، بما فى ذلك تغيير الحكومة التي يراها مناوئة لمساره، وإجراء انتخابات برلمانية تضمن له وزنًا حاسمًا في معادلة السلطة، بما يُفضي إلى فرض ما يشبه "فيتو" غير مباشر على القرارات الرئاسية المهمة.
وفي الجهة المقابلة، تتبنى تل أبيب منطق "الاستعلاء" الذي يقوم على فرض الشروط، إذ طرحت حزمةً من (13) بندًا، تستهدف في جوهرها إعادة تشكيل البيئة الأمنية اللبنانية؛ عبر المطالبة بتفكيك منشآت تصنيع السلاح، وحصر القوة العسكرية بيد الدولة، مع منح نفسها حق "الدفاع عن النفس" بما يتيح لها توجيه ضربات في أي وقت، فضلًا عن السعي إلى إنشاء آلية رقابة دولية للإشراف على تنفيذ الاتفاق، في مشهدٍ يستدعي تجارب سابقة في التعاطي مع القرارات الأممية التي تحولت بفعل "براعة المراوغة" إلى نصوص تجيد إسرائيل تعطيلها جيدًا، وتتحول مع الوقت إلى إطار قانوني مكتوب، لكن تُقرأ من خلاله وقائع ميدانية مغايرة.
وبين هذا وذاك، يبدو أن كل طرف يتشبث بموقفه؛ فإسرائيل تنشد صيغةً أقرب إلى اجتثاث الخطر من جذوره، عسكريًا وسياسيًا، بينما يتمسّك الحزب بأن ثمن وقف إطلاق النار لا يقتصر على الميدان، بل يمتد إلى إعادة ترتيب موازين السلطة في بيروت بما يضمن له غطاءً سياسيًا مستدامًا.
وفي هذا السياق، برز التحرك المصري ــ الفرنسي بمقترح "تجميد السلاح بدلًا من نزعه" كحلٍّ مرحلي ــ أسوة بالطرح ذاته في الحرب على غزة ــ في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الطرفين. غير أن رفض هذا الطرح يعكس، في جوهره، حقيقة أعمق: أن موازين القوى لم تنضج بعد لإنتاج حل وسط، وأن الورقة التفاوضية لا تزال صدىً مباشرًا لصوت المدافع، لا بديلًا عنه.
وهكذا، يتحول أي اتفاق محتمل من نموذجٍ تعاقدي بروتوكولي على شاكلة اتفاقية كامب ديفيد "التوافقية" إلى خطر الانزلاق نحو نموذجٍ أقرب إلى معاهدة فرساي "القسرية"، حيث تُفرض الشروط ولا يُتفاوض عليها، ويُكتب السلام بلغة الغالب لا بتوازن الشركاء.
الجبهة السورية .. تعقيدات الجغرافيا وفخاخ السياسة
بموازاة اللهيب المشتعل في لبنان، برزت محاولات إسرائيلية محمومة لجرّ دمشق إلى قلب المواجهة، ليس فقط باعتبارها شريان إمداد لوجستي لـ حزب الله عبر سهل البقاع، الذي يُراد وقفه لقطع خطوط الإمدادات الإيرانية للحزب، بل كطرف مباشر في عملية "تصفية حسابات" إقليمية أوسع.
فقد سعت تل أبيب ــ بعد إقناع واشنطن بجدوى هذه المقاربة ــ إلى إغراء "أبو محمد الجولاني ــ المعروف بأحمد الشرع" بتوجيه ضربات للحزب من التخوم السورية، مستغلّة رواسب الصراع السابقة بين قوى الثورة السورية وحزب الله، الذي ساند نظام الأسد. وكان الهدف الإسرائيلي واضحًا: توظيف المعرفة السورية بإحداثيات مخازن السلاح ومسارات نقلها، فضلًا عن مواقع يُشتبه في ارتباطها بصناعة المسيّرات الإيرانية، بما يسهم في تقويض قدرات الحزب بشكل جذري.
غير أن "الشرع" فطن مبكرًا إلى ما يمكن تسميته بـ "الفخ الجيوسياسي". فالدخول في هذه المواجهة لا يعني مجرد فتح جبهة جديدة، بل تحويل سوريا إلى ساحة استنزاف إيرانية مفتوحة، مما قد يعرّض البلاد، كما هو الحال في الخليج، لزخات صواريخ باليستية لا تزال طهران تمتلك منها الآلاف ــ وفقًا للاستخبارات الأمريكية ــ التي أكدت مؤخرًا وجود معلومات إسرائيلية مضللة تهدف لتوريط أمريكا في ضربة شاملة مفتوحة، ما عزّز الحذر السوري من الانجرار إلى تصعيد واسع. ورغم تحريك منصات صواريخ وقوات سورية نحو الحدود مع لبنان، ظل هذه الخطوة في إطار "تأمين الحدود" لا الخوض في القتال. فدمشق تدرك أن الانخراط في مواجهة مباشرة ضد حزب الله لصالح إسرائيل، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لـ "مرتفعات الجولان"، هو انتحار يحمل كلفة سياسية واستراتيجية باهظة.
لقد حسمت دمشق موقفها برفض التحول إلى ما يشبه "حارس حدود" للمستوطنات الإسرائيلية، واكتفت بإجراءات دفاعية تهدف إلى تأمين الحدود ومنع الانزلاق إلى ما هو أكثر من ذلك، لا سيما مع إدراكها الجيد لطبيعة الذرائع الإسرائيلية التي دمرت الجنوب اللبناني، في حال دخول أفراد من حزب الله للأراضي السورية. وبذلك، أبقت سوريا نفسها خارج "صندوق الاستدراج"، مدركة أن البقاء في المنطقة الرمادية ــ على صعوبته ــ أقل كلفة من الانخراط في مقامرة عسكرية غير مأمونة العواقب.
مضيق هرمز.. شريان الطاقة ومفتاح الخناق الاستراتيجي
في خلفية هذا الصراع، يبرز مضيق هرمز بوصفه أخطر أوراق اللعبة وأكثرها تأثيرًا على طاولة التجاذبات الدولية. فهذا الممر الحيوي، الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية، لم يعد مجرد شريان ملاحي، بل تحوّل إلى أداة ضغط استراتيجية في يد طهران، تلوّح بها في مواجهة الضغوط الغربية كورقة ردع وكلفة محتملة لأي تصعيد شامل.
وفي هذا السياق، جاءت الدعوة البريطانية لقرابة أربعين دولة للتشاور بشأن "رسوم العبور" كخطوة أربكت الأسواق وأعادت خلط الحسابات. هذه الخطوة ليست مجرد تحرك اقتصادي، بل مناورة سياسية محسوبة، حملت في طياتها رسالة غير مباشرة إلى واشنطن مفادها: إن استمرار انسيابية الملاحة مرهون بإعادة ضبط العلاقة مع إيران.
هذا الحراك الأوروبي، الذي قادته لندن، عكس عمق القلق من التداعيات الاقتصادية للصراع، ووضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة شديدة التعقيد: إما الانخراط في مسار تهدئة مع طهران، أو المجازفة باضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية .
وفي موازاة ذلك، يواصل الحرس الثوري الإيراني ترسيخ معادلة الردع، مؤكدًا امتلاك طهران لأدوات التأثير في حركة الملاحة الدولية، واستخدامها كورقة تفاوضية لفرض شروطها. هكذا، تؤكد إيران مرة أخرى أنها لا تجلس على طاولة التفاوض من موقع الدفاع، بل من موقع القادر على إيلام الخصوم في عمق مصالحهم الحيوية؛ مما حوّل مبدأ "حرية الملاحة" من قاعدة لها قدسيتها في النظام الدولي إلى ورقة مساومة كبرى، وأعاد تشكيل الدبلوماسية بوصفها ساحة اشتباك اقتصادي موازٍ لا يقل حدة عن ميادين القتال.
تراجعات البيت الأبيض .. بين إغراء الصفقات وضغوط الميادين
كشفت التطورات الأخيرة عن تذبذب لافت في استراتيجية دونالد ترامب، إذ تحركت مواقف واشنطن في مسار هو أقرب إلى التذبذب منه إلى الاستقرار، فرضته ضغوط الميدان واختلاف رؤى الحلفاء، أكثر مما صاغته رؤية كنا نعتقد أنها راسخة داخل البيت الأبيض. فقد استهل ترامب خطابه بإعلان حازم اعتبر فيه الشروط الإيرانية "منطلقًا حسنًا للتفاوض"، قبل أن يتراجع سريعًا عن هذا التوصيف تحت وطأة هجوم داخلي قاده الحزب الديمقراطي، الذي اتهمه بتقديم تنازلات مجانية لطهران.
وفي سياق اشتعال الجبهة اللبنانية، بدأ ترامب يؤكد ضرورة إدراج "الوكلاء الإقليميين" ضمن أي تسوية مرتقبة، لكنه سرعان ما آثر التراجع؛ إذ أعاد فك الارتباط بين ملف إيران وبين أذرعها الإقليمية، استجابةً لضغوط إسرائيلية فضّلت عزل مسار الحسم العسكري في ملف حزب الله بعيدًا عن دهاليز التفاوض مع طهران. ولم يقف التذبذب عند هذا الحد؛ فبعد إبداء مرونة أولية تجاه مقترح "رسوم مضيق هرمز"، عاد ترامب إلى مربع الرفض، مدفوعًا بتحرك بريطاني ــ أوروبي مكثف قدّم استقرار أسواق الطاقة العالمية على الحسابات السياسية لواشنطن.
هذا المسار المتتابع من التراجعات يعكس تحوّل القرار الأمريكي من حالة "الفعل" إلى حالة "رد الفعل"، إذ أنه لم يعد يُنتج داخل دوائر صنع القرار التقليدية، بل بات أسير شبكة معقدة من الضغوط المتقاطعة التي تفرضها التطورات الميدانية من جهة، وأوراق الضغط التي تملكها أطراف عديدة من جهة أخرى. وبذلك، لا يبدو تذبذب ترامب مجرد ارتباك تكتيكي، بقدر ما هو تعبير عن واقع استراتيجي جديد، باتت فيه الجبهات المشتعلة ومعادلات الطاقة وحسابات الحلفاء هي القوى الفاعلة التي تعيد رسم إحداثيات الموقف الأمريكي، وتفرض على البيت الأبيض إعادة ضبط خطابه مع كل تطور ميداني أو استخباراتي أو تفاوضي.
التوازن القلق .. والنهايات المفتوحة
إن المشهد الحالى، بكل تعقيداته وتشابكاته، لا يشير إلى تسوية نهائية قريبة بقدر ما يكشف عن عملية "إعادة تموضع" كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي والدولي. فبينما تدخل طهران مسارات التفاوض محاطة بهواجس أمنية مشددة، تحت حماية المقاتلات الباكستانية لتأمين وفودها، تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية العنيفة في الجنوب اللبناني لفرض وقائع ديمجرافية وأمنية جديدة على الأرض، في حين يراقب "الشرع" الحدود بحذر شديد خشية الانزلاق فى هاوية المواجهة. وكلما ظلت لغة "الشروط التعجيزية" مهيمنة على طاولات التفاوض، واستمر التذبذب في الموقف الأمريكي مع كل تطور ميداني، بدا أن الحرب لا تزال قائمة في جوهرها، حتى وإن خفتت حدتها مؤقتًا. فالرماد الذي يخيّم على المشهد لا يخفي سوى جمرٍ قابل للاشتعال في أي لحظة.
إن ما يجري يعكس حقيقة واحدة: إن المنطقة لم تعد تعيش حربًا تقليدية بملامح واضحة، بل صراعًا متعدد الطبقات تتداخل فيه نيران الميدان مع ضغوط الاقتصاد، وتتشابك فيه الحسابات العسكرية مع رهانات التفاوض. وفي هذا السياق الضبابي، لا تلوح فى الأفق بوادر نهاية وشيكة للحرب، ولا حتى ممكنة بالأدوات التقليدية؛ إذ إن أي هدنة محتملة لن تكون سوى "فاصل تقني" هش بين جولة وأخرى.
ومن ثم، يواصل الشرق الأوسط سرد رواية مفتوحة على كل الاحتمالات: تهدئة مؤقتة تحفظ ماء الوجه، أو تصعيد محدود يبقى تحت سقف السيطرة، أوانفجار أوسع إذا اختلّت التوازنات. لكن المؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال المطروح: من ينتصر..؟ بقدر ما أصبح: من يستطيع الحيلولة دون الانفجار الكامل..؟ ننتظر ونرى ..
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
لم يعد الطفل يلتقي العالم من باب المدرسة والشارع والبيت فقط، بل صار يلتقيه أيضا من شاشة صغيرة تحمل المعرفة...
في بعض العلاقات، لا يكون التعب هو الأكثر إيلاما، بل الإصرار على الاستمرار رغم هذا التعب. قد تجد نفسك تبذل...
في كل عام، ومع حلول 25 أبريل، لا يستعيد المصريون مناسبة وطنية عزيزة فحسب، بل يستحضرون معنى مكتملا للسيادة واسترداد...
مع بداية فصل الربيع، يزداد انتشار بعض الفيروسات التنفسية نتيجة تقلبات الطقس وارتفاع درجات الحرارة تدريجيا، ما يخلق بيئة مناسبة...