وادى النطرون مقصد المتوحدين الأوائل

وادى النطرون هي ثالث منطقة باركتها العائلة المقدسة بعد سيناء والدلتا ورغم قرب موقع حصن بابليون من الدلتا لكن العائلة المقدسة فضلت الاتجاه إلى وادى النطرون لوجود حامية رومانية بحصن بابليون خشية أن يقبض عليهم.

د. عبد الرحيم ريحان
عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة


وشهد وادى النطرون معجزة نبع الحمراء حين عطش الطفل ولم تجد السيدة العذراء مصدرًا للماء سوى بحيرة شديدة الملوحة فخاضت داخلها لأمتار وأخذت بعض الماء منها لتروي طفلها ليتحول الماء المالح إلى عذب ويتفجر في نفس الوقت ينبوع مياه عذبة بارتفاع 1.5 متر عن سطح المياه العادية، والتدفق لازال حتى اليوم وهى معجزة "نبع الحمراء" في التراث المسيحي وهذه المياه مباركة ولها معجزات سواءً المالحة منها أو النبع العذب فهي تشفي أمراض الروماتويد والروماتيزم وجميع أمراض الحساسية بأنواعها.

مقصد المتوحدين

تحول وادى النطرون بعد زيارة العائلة المقدسة مقصدًا للرهبان للتبرك بالمكان وأطلق علي مدينة وادي النطرون عدة مسميات كان أشهرها "سِخِت حِمًات" وهي تسمية هيروغليفية تعني" حقل الملح" نظرًا لتوفر ملح النطرون في هذا المكان والذي كان يُستخدم في عمليات التحنيط عند المصري القديم وقد اشتهرت في القرن الرابع الميلادي بـ" برية شيهات" وهي تسمية قبطية تعني ميزان القلوب لكونه محل عبادة ونسك وإصلاح السيرة.

مغارات الرهبان

دراسة تاريخية أثرية عن وادى النطرون للباحث الآثارى عبدالفتاح عبدالحليم زيتون والدكتور عثمان الأشقر تحت عنوان " وادي النطرون تاريخ وآثار" تشير إلى تسمية وادى النطرون "الأسقيط" وهي تسمية قبطية تعني الناسك أو النسّاك، وعُرف أيضًا بـ " وادي هُبيب" وفي الحقيقة أن كتب التاريخ اختلفت في هذه التسمية فيذكر المقريزي في خططه أن هُبيب رجل أعرابي كان يُقيم في هذا المكان قديمًا فتسمي المكان علي إسمه، وهناك من يذكر أن هبيب كلمة قبطية مكونة من مقطعين " ها" وتعني متعدد أو كثير، و" بيب" وتعني مغارات أي المكان المتعدد المغارات أو كثير المغارات والتي كان يتعبد فيها الرهبان قديمًا
نسّاك الوادى.

بدأ القديس (مكاريوس الكبير) حياته النسكية مؤسسًا أول تجمع رهباني في هذه المنطقة، ويشير بلاديوس إلى أن القديس مكاريوس الكبير ذهب إلى الصحراء في سن الثلاثين وعاش هناك ستون عامًا إلي عام 390م أي أنه ذهب إلي شيهات حوالي سنة 330م، وتجمع حوله الكثير ممن أرادوا حياة التجرد والنسك والصلاة حتي قيل عن هذا المكان سنة 356م كان مأهولًا بالرهبان لدرجة أن محبي الوحدة من النساك اعتبروه مزدحمًا.

ومن أشهر قديسي تلك الفترة الذين تتلمذوا علي يدي أبو مقار القديسان مكسيموس ودوماديوس ابنا ملك الروم فالنتينوس (364-375م)، والقديس إيسيذورس قس القلالي، والقديس القوي التائب الأنبا موسي الأسود الذي أتي إلي الأسقيط ليطلب خلاص نفسه والقديس الأنبا أرسانيوس معلم أولاد ملوك روما، والقديس الأنبا بفنوتيوس أب شيهيت، وكثيرًا غيرهم ممن تركوا ذويهم وأقبلوا علي حياة الوحدة.

الرحّالة الأجانب

أشارت الدراسة إلى زيارة هذه المنطقة العديد من الرحالة الأجانب وآباء الكنيسة الغربية ليقفوا علي الحياة الرهبانية ويأخذوا بركة سكانها، وعادوا إلي بلادهم حاملين معهم ما استطاعوا من تراثها كاتبين عنها المؤلفات الضخمة، منشئين علي غرارها الأنظمة الرهبانية الغربية، ولعل من أشهر من زاروا المنطقة في ذلك العصر بلاديوس صاحب بستان الرهبان والقديس باسيليوس أسقف قيصرية والمؤرخ روفينوس والقديس يوحنا كاسيان، كذلك الكثير من النساء اللواتي أتين لمشاهدة النساك المصريين وتحملوا في ذلك أتعاب ومشقة السفر مثل القديسة ميلانيا الأسبانية والقديسة باولا الإيطالية التي رافقت القديس ايرونيموس، فضلاً عن تلك الأميرة المشهورة في قصة القديس أرسانيوس هذا بخلاف العديد من الجنسيات الاخري الذين أتوا ليسكنوا في هذه البرية ليحيوا حياة نسكية مثل المصريين.

جهود الدولة

في إطار خطة الدولة لتطوير مسار العائلة المقدسة كطريق للحج المسيحى بمصر قامت بتطوير منطقة وادى النطرون كمحطة رئيسية في مسار العائلة المقدسة بطول 26كم بتكلفة 76 مليون جنيه وشملت البوابة الرئيسية لمدخل مدينة وادى النطرون وتركيب لوحات إرشادية وبانرات ورصف وتوسعة أربع طرق بطول 26كم بتكلفة إجمالية 44 مليون جنيه منها طريق الأنبا بيشوى بطول 1.5كم وطريق بيت الوادى بطول 1.2كم ورصف وازدواج طريق دير الباراموس بطول 6كم ورصف باقى الطريق الدائرى بطول 18كم مع أعمال الإنارة وزراعة النخيل وتطوير البنية التحتية وتأهيل الطرق المؤدية لأديرة الأنبا بيشوى والأنبا مقار والباراموس والسريان وتم تحديد أماكن التخييم بطريق دير الأنبا بيشوى والسريان وتشمل ثلاثة مخيمات بتكلفة 9 مليون جنيه فى ثلاثة مناطق، وأطلقت الدولة مؤخرًا جولة افتراضية لزيارة مسار العائلة المقدسة بوادى النطرون.

أديرة الوادى

يضم وادى النطرون دير الأنبا مقار ويُنسب إلى الأنبا مقار الكبير تلميذ الأنبا أنطونيوس الكبير مؤسس الرهبانية المسيحية وقد ترهب مقار الكبير واعتكف بصحراء وادي النطرون وبدأ بإنشاء صومعته في الثلث الأخير من القرن الرابع الميلادي وكان يرأس الدير البابا شنودة الثالث.

ودير الأنبا بيشوى تأسس علي يد الأنبا بيشوي الذى عاش خلال القرن الرابع الميلادي (320-417م)، وكان الدير عبارة عن مجموعة من القلالي تحيط بالكنيسة ولم يكن له أسوار، أمّا الأسوار الحالية فتعود إلى القرن التاسع الميلاد.

ودير السريان الذى يعود إلى أواخر القرن الخامس الميلادي واشتهر باسم دير السريان بسبب سُكني بعض الرهبان القادمين من سوريا وبلاد المشرق داخل الدير بجانب الرهبان الأقباط في الفترة من القرن الثامن حتي القرن السادس عشر الميلادي.

ودير البراموس، وكلمة براموس مشتقة من الكلمة القبطية " بي روميئوس" والتي تعني الرومي أو باروميئوس والتي تعني الذي للروم نسبة للقديسين الروميين مكسيموس ودوماديوس إبنا ملك الروم فالنتينوس (364-375م)، وهم من آباء القرن الرابع الميلادي، أنشئ الدير عام 340م علي يد الأنبا مكاريوس بعد أن ازدحمت برية شيهات بالنساك والمتوحدين.

كشف اثري بوادي النطرون
كشف اثري بوادي النطرون
كشف اثري بوادي النطرون
كشف اثري بوادي النطرون
كشف اثري بوادي النطرون
كشف اثري بوادي النطرون
كشف اثري بوادي النطرون

سماء المنياوي

سماء المنياوي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

رمضان جانا
القطايف
المسجد الاقصى
قلعة الجندي

المزيد من مقالات

العلاقات الدولية في عصر الذكاء الاصطناعي: الفرص والتحديات وحدود القانون

لم يعد الحديث عن تأثير التكنولوجيا على العلاقات الدولية حديثا عن أدوات مساعدة أو وسائل اتصال أكثر سرعة فحسب، بل...

حين يكبر الطفل قبل أوانه: متلازمة الابن الأكبر

في كثير من البيوت لا يُقال شيء بشكل صريح، لكن الأدوار تُفهم ضمنيًا؛ فالابن الأكبر لا يكون مجرد ترتيب في...

اقتصاد المشاعر | هكذا تُدار الأمم .. عبر ما تشعر به لا ما تعرفه

لم يعد العالم يُدار فقط بما نراه، بل بما نشعر به تجاه ما نراه. هذه ليست جملة إنشائية بقدر ما...

وادى النطرون مقصد المتوحدين الأوائل

وادى النطرون هي ثالث منطقة باركتها العائلة المقدسة بعد سيناء والدلتا ورغم قرب موقع حصن بابليون من الدلتا لكن العائلة...