المقهى الدبلوماسي.. الإنسان.. بني أدم.. البشر

بالرغم من اكتظاظ الساحة بالأحداث التي تشغل الرأي العام محليا وإقليميا ودوليا.. فالاستعدادات لإقامة المنتدى الحضري العالمي الذي ينطلق في 4 نوفمبر بالعاصمة الإدارية بالقاهرة تجري على قدم وساق.. في ظل وضع اقتصادي وأجواء في حاجة لدعامات وضمادات وفترة نقاهة تضاهي تلك التي عشناها بعد نكسة 1967.. كما يراها البعض..

والحرب الروسية الأوكرانية لم تصل بعد لنهايتها.. ومازال الاحتلال الإسرائيلي يستمتع بمجازره في غزة .. بل ووسع النطاق ليطال الجنوب اللبناني.. وسط صمت الخرفان وخزي الحملان الذي يرفل فيه قادة العالم الأصم الكسيح..

بينما يفصلنا أيام عن الانتخابات الأمريكية والسباق إلى البيت الأبيض بين المرشح الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية دونالد ترامب وبين المرشحة الديموقراطية نائبة الرئيس الأمريكي كامالا هاريس..

فرغما عن كل هذه الأحداث وغيرها .. لا أجد في نفسي أية رغبة للحديث عن أي منها.. وأجد إحجاما وصدودا عن الخوض في أي من هذه المواضيع..

وبينما أنا في هذه الحالة .. وبين يدي فنجان القهوة الفرنسية المفضلة لدي.. وأنا متقوقع على مقعدي بالمقهى الدبلوماسي.. فإذا بصديقي العزيز يلقي علي التحية ويجلس إلى جواري.. وبدلا من ان يسألني عن أمر من الأمور التي تشغله.. وجدته صامتا شاخصا ببصره في اللا شيء..

فبادرته انا بالسؤال..مالك فيه إيه.. مش بعادتك يعني.. خير.. فيه حاجة مضايقاك..
فإذا به يجيبني متنهدا.. يا أخي الإنسان ده حاجة غريبة جدا.. لغز فعلا ماحدش فاهمه.. فقلت له.. ليه بس إيه اللي حصل.. ليه بتقول كده..

فقال لي.. أبدا.. مافيش حاجة محددة.. بس كنت ببص حواليه بلاقي أحوال الناس غريبة قوي.. يعني ما تلاقيش حد راضي بحاله أبدا.. لا راجل ولا ست.. ولا حتى شباب صغير.. والغريب انه كله بينتقد غيره وماحدش خالص شايف نفسه.. الناس كلها بقت مشايخ ودكاترة وقضاة وبيفهموا في كل حاجة.. الكل بيوعظ وبينصح غيره.. وماحدش بينصح نفسه.. كله شايف غيره غلط وهو بس اللي صح.. أومال البلاوي اللي بتحصل دي مين اللي بيعملها .. والحال اللي وصلنا له ده بسبب مين.. والبوظان اللي في كل حتة مين اللي بيعمله.. أنا بصراحة ما بقتش فاهم حاجة..

فأجبته قائلا.. في الموضوع ده بالتحديد.. ما المسؤول أعلم من السائل.. ولكن خليني أقولك حاجة.. شوف.. بشكل عام كده.. الإنسان أو الناس يعني اللي هم البشر كلهم أو البني أدمين.. سر كبير من أسرار الله سبحانه وتعالى.. منذ بدء خلق أدم.. أبو البشر وأول إنسان وإليه نسب كل الخلق بأنهم بنو ادم عليه السلام..

فكلمة الإنسان تدل على هذا الخلق الأصلي في ذات الإنسان.. وهي تطلق على من كثر أنسه وتعني الوناسة فهو الكائن الذي أنست الأرض بوجوده وعكسها الوحش أي الوحشة ومكان موحش يعني المكان الذي يخلو من الإنسان.. لأنه الأنس والألف هو ألصق لطبيعته وأصلح لفطرته..

ولو بصينا للقرأن.. هنلاقي انه جاء ذكر الإنسان في القرآن الكريم بلفظ "الإنسان" في نحو "65" موضعاً.. وذكر بلفظ "بشر" في "37" موضعا.. وورد تعبير " يا أيها الناس " في القرآن الكريم "20" مرة في تسع سور.. وورد تعبير " يا بني آدم " في القرآن الكريم خمس مرات في سورتين ؛ أربع مرات في سورة الأعراف وحدها ومرة واحدة فقط في سورة طه ..

ذكر الله عز وجل في هذه المواضع أشياء كثيرة تتعلق بالإنسان، منها: بدء خلق الإنسان، وكيف خلق، وممّ خلق، وعلى أي صفة خلق، والمراحل والأحوال التي يتقلب فيها، والمآل الذي يصير إليه، والحالات التي يكون عليها، والإنسان حين يكون مستقيماً وحين يكون منحرفاً، حين يكون غنياً وحين يكون فقيراً، حين يكون صحيحاً وحين يكون عليلاً، حين يكون مؤمناً وحين يكون كافراً في الدنيا والآخرة، الرجل والمرأة، الكبير والصغير، المأمور والأمير، الحاكم والمحكوم.. وذكرت بعض الصفات التي اتصف بها كـالكفر، والظلم، والكنود، والطغيان والخسران، والفجور..

حتى إنك إذا نظرت في القرآن الكريم تكاد تجزم أن القرآن كله يعالج قضية الإنسان.. الطريق الصحيح الذي يسلكه الإنسان.. والطريق المعوجة التي يُحذَّر الإنسان منها.. إلى غير ذلك..

ومن هذه الأيات.. "هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ [الإنسان:1] "يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ" "خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ".. [الأنبياء : 37] ..

كما تجد الكلام على الإنسان وأصله في أشياء كثيرة.. مثلاً قصة آدم عليه الصلاة والسلام، وكيف خلقه الله عز وجل، وأسكنه الجنة، وأسجد له ملائكته قال الله: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ".. [البقرة : 34] .. فأي شيء أعظم في تكريم الإنسان، ورفع الإنسان؛ وبيان مقام الإنسان؟ من أن الله عز وجل يخلق آدم أبا البشر بيده؟ كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده" فخلق الله تعالى آدم بيده من طين الأرض، ثم نفخ فيه من روحه، قال تعالى: "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي".. [الحجر : 29] نفخ فيه هذه الروح التي بها صار إنساناً، ثم أسجد له ملائكته، أشرف مخلوقاته أسجدهم لآدم عليه الصلاة والسلام، قال تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ".. [البقرة : 30] ..ولذلك كم خوطب الإنسان بقوله تعالى: يا بني آدم كقوله تعالى: "يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ".. [الأعراف:31].. "يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ".. [الأعراف : 27] ..

كما قال الله تعالى : ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ {سورة النساء: 28}.. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ {سورة التين:4،5}.. ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَـٰنَ مَا لَمۡ یَعۡلَمۡ * كَلَّاۤ إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لَیَطۡغَىٰۤ﴾{سورة العلق: 5،6}.. ﴿وآتاكم مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾{سورة إبراهيم: 34} ..
وكما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودࣱ﴾ {سورة العاديات:6} فهنا اتصف كلمة الإنسان بصفة الكنود فأصل الكنود منع الحق والخير، ولِلْمُفَسِّرِينَ فيها أقوال، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ وقَتادَةُ: الكَنُودُ هو الكَفُورُ ..
وقال أيضا: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} {سورة التين:4،5} .. كما ذكر الله تعالى في القرآن ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا﴾{سورة الإسراء: 70}..

خلاصة الكلام يا صديقي العزيز.. إن الإنسان هذا المخلوق الذي يجمع كل التناقضات .. الخير والشر.. الكفر والإيمان.. الصدق والكذب.. الوفاء والخيانة.. العدل والظلم.. هذا البني ادم.. هو سر من أسرار الله عز وجل.. وبالتالي.. فأمره كله لله إن شاء عذبه وادخله النار وإن شاء رحمه وغفر له وأسكنه جنته.. ولا يجب على أي منا أن يصدر احكاما على غيره أبدا.. وإنما ينظر إلى نفسه.. عليه نفسه فقط.. فقام صديقي وهو يتمتم قائلا.. ربنا يسترها علينا وعلى ولادنا ويصلح الحال .. فأجبته قائلا.. اللهم امين يارب العالمين..

المقهى الدبلوماسي.. حزب الله الشيعي.. والشيوعية الماركسية

حمودة كامل

حمودة كامل

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل
حمودة كامل

المزيد من مقالات

حكاية بيت المساجيري وفيلم "ابن حميدو"

"بيت المساجيري" الذى صور به فيلم " ابن حميدو" للفنان "إسماعيل ياسين" يُعتبر علامة فاصلة في تاريخ محافظة السويس "المحافظة...

هل تتذوق الرئة سمومها ؟

نتحدث اليوم عن ثورة علمية في المناعة التنفسية .. هل تتذوق الرئة سمومها وكيف تعمل الأهداب التنفسية ودور الذكاء الإصطناعي...

العملة ليست الأزمة... الاقتصاد هو الاختبار الحقيقي

في كل مرة يطرح فيها ملف تعويم العملة، ينصرف النقاش سريعا إلى الأسعار، والتضخم، والقوة الشرائية، وكأن سعر الصرف هو...

هل الذكاء الاصطناعي يتجسس علينا؟

في أحد الأيام، وبينما كنت احاضر لطلاب هندسة الذكاء الاصطناعي عن مفهوم الذكاء الاصطناعي، سألني أحدهم سؤالا أربكني للحظة، ليس...


مقالات