press_center
لو أن السيد المحافظ اهتم بالنزول لأهالي قرية البرلس لكي يشرح لهم قراراته بشأن الدقيق, وأفضل أساليب توزيعه, ولو أنه اهتم بأن يسمع منهم رأيهم, وكيف أن ما يصلح لأهالي بني سويف أو المنيا قد لا يصلح للصيادين في البرلس, لو حدث هذا, لكانت أشياء كثيرة في حياتنا قد أصبحت أفضل مما هي عليه, فأهالي البرلس الغلابة علي رأسهم ريشة لأن لهم ظروفا خاصة جدا ليس من بينها أنهم أولاد ذوات, أو أن واحدا منهم ابن مين؟(1) في أول اجتماع لمجلس المحافظين بعد تشكيله الجديد, طلب الرئيس مبارك من المحافظين ضرورة النزول للناس, والاختلاط بالأهالي, والبقاء في ديوان المحافظة, وليس الاكتفاء بإدارتها بالتليفون من القاهرة. ولكن يبدو أن هذا المطلب ليس سهلا, إذ أن الغالب أن يميل السادة قيادات الحكم المحلي, وفي مقدمتهم المحافظون إلي الاكتفاء بإصدار الأوامر بشكل بيروقراطي من أعلي إلي أسفل, فهذا هو أسهل الأشياء لأنهم يتلقون علي الفور التمام بتنفيذ الأمر.
والتنفيذ هنا, يعني مجرد التبليغ بمعني أن اشارة صدرت من ديوان المحافظة, إلي كل الجهات, بأنه اعتبارا من يوم كذا, سيتم تنفيذ كذا, وبالطريقة الفلانية, ولهذا فإن السادة البكوات مديري مكاتب الباشوات المحافظين, أو السكرتيرين العامين للمحافظات, يبادرون إلي الدخول إلي مكتب السيد الوزير المحافظ قائلين: تمام يا أفندم, تم التنفيذ, وتم تبليغ الجميع بالأمر, وليس هناك ما يمنع, من أن يتغني السيد الأستاذ مدير المكتب, أو البيك السكرتير العام, بعبقرية وبعد نظر المحافظ, وكيف أن هذا القرار, جاء ليضع الأمور في نصابها.(2) ولكن الحقيقة, هي أن كل شئ لا يمكن أبدا أن يكون مضبوطا في حالة الصيادين بالذات, فهم في منطقة البرلس مثلا يخرجون في رحلات صيد تستغرق بين أسبوع وأسبوعين, وقد اعتادوا منذ سنين طويلة علي أن يأخذوا الدقيق معهم ليخبزوه بأنفسهم علي متن قواربهم, أو لنشاتهم خلال رحلات الصيد. فقد ثبت لهم أن أخذ الخبز في الزوادة جاهزا من البداية يؤدي إلي فساده واصابته بالعفن, وبذلك لا يصلح للأكل.
وقد وصل تفهم الدولة بأجهزتها البيروقراطية العتيدة لهذه الظروف, حدا جعلها تضع بند الدقيق علي بطاقات التموين الخاصة بهم! فكيف يمكن تغيير عرف أو تقليد مستمر منذ سنوات؟! ويعتمدون عليه في حياتهم هكذا بين يوم وليلة بمجرد جرة قلم؟ ودون تمهيد أو شرح!!
وإذا كان الناس في كل مكان من بر مصر يتحدثون عن تهريب الدقيق وبيعه في السوق السوداء, فإن هذا بالذات لا ينطبق علي قرية البرلس. لماذا؟ لأن الصيادين هم الذين يقفون بالمرصاد لأصحاب المستودعات التي تتولي توزيعه عليهم.
أضف إلي هذا, أن القرار جاء في وقت, يتعطل فيه الصيادون عن العمل منذ أكثر من شهرين, لماذا؟ لأنه صدر قرار بالاتفاق بين كل الدول المطلة علي البحر المتوسط يحذر من أن محصول أسماك هذا البحر يتعرض للنضوب بسبب الصيد الجائر, ولذلك فقد تم الاتفاق علي وقف الصيد لفترة حتي تستعيد الأسماك عافيتها, وتزداد, إلي جانب الشروع في تحديد وسع شباك الصيد ليتم تفادي صيد السمك الصغير, ولإعطاء الفرصة للأسماك البالغة لكي تتكاثر. فتصور, أن يصدر قرار بتغيير عادات مستقرة منذ سنوات عن الخبز, بحيث تأخذ الأسرة10 أرغفة كل يوم؟ في ذات الوقت الذي يتوقف فيه الناس عن العمل!(3) الغضب في مثل هذه الظروف هو رد الفعل الطبيعي, فكيف لا يغضب الناس, والقرارات التي تصدر لا تقيم أي وزن أو اعتبار لظروفهم ولأسلوب حياتهم, في حين أنهم هم المطلوب منهم تنفيذها؟ التظاهر, والاعتصام أمام مبني المحافظة في كفر الشيخ, أو أمام مجلس المدينة, والتعبير عن أسباب الغضب في الفضائيات وكل الصحف, كل هذا طبيعي وصحيح, لكن غير الصحيح, هو قطع الطريق الدولي, ولكن لماذا فعل البسطاء ذلك؟
لقد كان يكفي لو أن السيد المحافظ نزل للناس, وبدأ حوارا معهم يستمر لمدة أسبوع أو حتي شهر لكي يفهم منهم ظروفهم؟, كان يكفي هذا, لكي تتجنب كفر الشيخ ومصر كلها أحداث البرلس, وما ترتب علي غضب الصيادين.. ولو شعر أهل البرلس بأن الناس الذين في العلالي بديوان المحافظة يشعرون بهم, ويحترمونهم, ويقيمون لهم وزنا.. لكان هذا سيكفيهم لكي يمتنعوا عن المبادرة إلي التظاهر أو الاعتصام, وقطع الطرق للأسف الشديد.
متي نتعلم أن التحاور واحترام الناس هو أفضل وأأمن الأساليب في تنفيذ أي قرار؟ وأن اللجوء إلي الأساليب البيروقراطية, يكلف الاقتصاد والمجتمع والبلاد كثيرا بلا طائل؟ فكم تكلفت أحداث محافظة كفر الشيخ نتيجة إجراءات حشود القوات في المنطقة, والتدخل لفض الاعتصام, واستخدام الغاز المسيل للدموع, وعلاج المصابين في المستشفيات إلخ, كم تكلف كل هذا؟. وكم كان سيتكلف مجرد إجراء حوار مع الناس واحترام آدميتهم؟
حول ضرورة نزول المحافظين للناس والاختلاط بالأهالي وهو ما لا يحدث وأثر ذلك في أحداث البرلس الأخيرة كتب حازم عبد الرحمن في الأهرام
تحتفل مصر اليوم 11 سبتمبر بعيد رأس السنة المصرية القديمة (6268) ورأس السنة القبطية وعيد النيروز 1743 شهدا حيث يعتمد...
عندما نسمع كلمة "اقتصاد" أو "تجارة"، نتخيل المصارف والأسواق والشركات والعقود المطبوعة والأختام الرسمية، لكن إذا انتقلنا إلى العراق القديم،...
في الريف المصري، يبدأ الصباح قبل أن تستيقظ القرية كاملة. يد تمتد إلى الأرض، وأخرى تجهز طعام الأسرة، وامرأة تتابع...
تعود إلى البيت بعد يوم طويل، تتحدث أقل من المعتاد، وتجيب بكلمات قصيرة، وربما تنتظر سؤالًا واحدًا: "مالك؟". لكنه لا...