press_center
كما ارتأى الرئيس الأميركي جورج بوش أن «الله اختاره لغزو العراق»، ظهرت له على بعد أمتار من «بيته الأبيض»، سيدة أميركية تعتقد في المقابل أن «الله اختارها لتعلي من صوت الاحتجاج» على سياساته ، فغدا ذلك حياة كاملة تعيشها بالساعات والثواني القاسية.ستة أمتار فقط عن السياج الجنوبي للبيت الأبيض، حيث يتجمع السياح الراغبين في التقاط صور تذكارية قرب منزل رئيس الدولة العظمى بلا منازع، تتجمع قطع بلاستيكية وأعواد خشبية لتؤلف بطريقة بائسة وغير متقنة ما يشبه الكوخ. حوله وأمامه تزدحم الملصقات واليافطات والصحف والمجلات، كلها تحمل ذات المضامين : الاحتجاج على السياسات الأميركية الداخلية والخارجية.
على طرف ما يشبه الكوخ، تجلس سيدة في الثالثة والأربعين من العمر، مظهرها أقرب للمشردين: ملابس بالية تحمل رائحة التبرعات، شعر مستعار اشبه بكرة قدم بالية.. وفوقه قبعة مهترئة. ما ان اقتربت منها حتى بادرتني ب«اهلا اسمي كونسيبسيون بيشيوني.. هل أنت من الشرق الأوسط؟». أجبت بابتسامة، فلون بشرتي هو هويتي المتوسطية. لم احتج للسؤال عما تفعله، فكل شيء معنون ببوسترات الاحتجاج.
« هذا السيد القابع هناك مقابلنا يدعم بعمى غريب إسرائيل التي ترتكب الجرائم بحق الفلسطينيين. هل تصدق ذلك؟ هو رئيس دولة الحرية والديمقراطية؟». ابتسمت بإيماءة امتنان «نعم أصدق فأنا فلسطيني الأصل». هنا صمتت كونسيبسيون الملقبة ب«كوني» ولم تجد ما تضيفه لي. وأنا ابتعد عنها فكرت «ما أغرب المصادفة حرف واحد يفصل اسمها عن كوندي» اسم الدلع لوزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس، التي صرحت علنا بولادة شرق أوسط جديد من أشلاء قانا في الجنوب اللبناني.لكن ل«كوني«قصة مختلفة :ولدت في اسبانيا، وعندما بلغت الثامنة عشرة من العمر، غادرت نحو بلاد الأحلام، وحطت رحالها في الولايات المتحدة، حيث عملت سكرتيرة في القنصلية الاسبانية في نيويورك. تزوجت من أميركي من أصل ايطالي ورزقت منه بمولودة قبل ان تبدأ رحلة المتاعب.
هي ترفض الحديث عن أسباب طلاقها، وتكتفي بسرد تفاصيل حياتها اللاحقة، لكن بقطعة ورق من مجلة قديمة تدعى «توليدو».
خسرت حضانة الطفلة، ومعها خسرت المنزل والوظيفة، طافت أنحاء الولايات الأميركية بحثا في أروقة المحاكم عن إنصاف لم تعثر عليه، فلجأت إلى الشارع ويافطات الاحتجاج، فضلا عن رسائل المناشدة.
ذات مرة بعثت برسالة إلى ليليان زوجة جيمي كارتر بعد خروجه من البيت الأبيض، فتتذكر ببعض الابتهاج ردها «أتعاطف جدا معك لكنني لا استطيع مساعدتك فانا على بعد 800 ميل».
في الشارع التقت الأميركي وليام توماس محتجا بيافطات كتب عليها «عش قرب القنبلة النووية ومت بها»، و«الإنسان لا يقصف أخيه الإنسان بالنووي»، فباتت هذه شعاراتها، وتحول عنوان احتجاجها من الخاص إلى القضايا العامة.
منذ العام 1981، ومع دخول رونالد ريجان البيت الأبيض رئيسا، غرست كوني جذورها على رصيف حديقة لافاييت المحاذية للبيت الأبيض من الجهة الجنوبية، في الصباح تشرح وجهة نظرها للسياح، وفي وقت الظهيرة تخالط الموظفين الخارجين إلى الحديقة لتناول الغداء، وفي المساء تغالب ثقل السكارى والمشردين الذين يزاحمونها أحيانا على المقعد المحاذي لكوخها الرث. لا تنام لأكثر من ثلاث ساعات، ولا رفيق لها سوى السناجب الصغيرة التي تأكل الفول السوداني من يديها بعد تبرع إحدى السيدات لها بكيس كبير منه.تعيش كوني على الإحسان والصدقات التي تستخدمها في شراء مؤونتها الغذائية: قهوة وحلويات وبعض الخبز. ما تبقى تصرفه على طباعة منشوراتها الاحتجاجية، وأحجار تذكارية تحمل شعاراتها توزعها على المارة.في هذه الإثناء، بدأ الثلج في التساقط، وهبطت درجة الحرارة إلى ما دون الصفر، فقالت مازحة«يخيل إلي ان كل ملابس العالم لا تكفيني لمواجهة هذا البرد القاتل». وتوضح أنها تقضي حاجتها في مطعم مجاور، وتستحم في ملجأ للمشردين. وتتذكر بحزن حادثة سرقة دراجتها الهوائية - وسيلتها الوحيدة في التنقل، وكيف تبرع شاب يعمل في متجر لتصليح الدراجات بتجميع دراجة بديلة لها.
29 عاما من الرفض المهلك، وثمانية أعوام وكوني لا تبارح هذا المكان، وتصر على مواصلة ما بدأته حتى الرمق الأخير. غير ان هذا النمط من الحياة لا يخلو من معاناة. تقول إنها اعتقلت مرات عدة، وصديقها توماس قضى 90 يوما في الحجز. هذا ما يضاف إلى مضايقات المارة ممن يخالفونها الرأي. تتذكر أنه منذ نحو أربع سنوات تلقت لكمة من أحد جنود «المارينز».السيدة المحتجة الابدية تواكب المستجدات السياسية، وتطور شعاراتها الاحتجاجية المناهضة لحربي افغانستان والعراق، وتحتفظ بنسخ كثيرة من صحيفة اثارة تدعى «روك كريك فري برس» توزعها على المارة، وتحمل صفحتها الاولى مانشيتات اقرب إلى المراهقة السياسية مثل «رئيس ايطالي سابق يتهم السي آي ايه والموساد بهجمات 11 سبتمبر»، وأخرى مثل « سي آي ايه تخفي أشرطة تعذيب المعتقلين»، و«البنتاغون تتجه إلى إجراء تجارب بيولوجية في الهواء الطلق». لكنها تصر على ان شعارها الاحتجاجي الرئيسي « لا للأسلحة النووية».رجال الامن والشرطة المكلفون منع أي متطفل من تسلق سور البيت الأبيض، معتادون على مشهد كوني، بل انهم لا يعاملونها بعدائية. تساءلنا عن هذا « الامن الديمقراطي» الغريب، فأتى الجواب من احد موظفي الخارجية الأميركية «حسنا انها بلاد الحرية والديمقراطية التي تقوم على حق الفرد المقدس في التعبير عن رأيه طالما انه لا يعتدي على حقوق الغير».اما كوني، الباقية قبالة البيت الأبيض على أمل أن يظهر جورج بوش يوما، فتبلغه موقفها ولو بالصراخ، فإنها لا تقصر احتجاجها على سياساته الخارجية، بل تملك وجهة نظر معارضة في الشأن الأميركي الداخلي، تقول» هل تصدقون، لقد رأيت أناسا يموتون من التجمد أمام عيني هنا قبالة المنزل الذي يسكنه أقوى وأغنى رجل في العالم».ونحن لا نملك أن نصدق أو لا، فما نراه يبدو أحيانا أكبر من وعينا الشرقي: كوندي ترفع عصا غليظة، وكوني ترفع يافطة سلام على بعد أمتار من بعضهما البعض.. ولا ضرر أو قطيعة!
كما ارتأى الرئيس الأميركي أن «الله اختاره لغزو العراق» ظهرت له على بعد أمتار من «بيته الأبيض» سيدة تعتقد في المقابل أن «الله اختارها لتعلي من صوت الاحتجاج» على سياساته
- مصر: أهمية تسوية الأزمات الإقليمية عبر المسارات السياسية والدبلوماسية - واشنطن تعتزم حظر المعاملات مع «الجنائية الدولية» بعد فترة...
- نصف مليون طالب يعودون إلى مدارس غزة - إيطاليا: نجهز مهمة بحرية لحماية الملاحة في البحر الأحمر
صحيفة عكاظ السعودية
* فلسطين تحذر من خطورة مخططات استيطانية جديدة في القدس المحتلة. * الخارجية الأمريكية توافق على بيع محتمل لطائرات "إف-35"...