عيد وفاء النيل.. واهب الحياة وصانع الحضارة

في منتصف أغسطس من كل عام، يتجدد الموعد مع "عيد وفاء النيل"؛ تلك المناسبة الأسطورية التي تمتد جذورها لآلاف السنين ، لتجسّد أسمى معاني العرفان لنهر يفي بوعده السنوي بالخير والنماء.

فمنذ أن خطّ التاريخ أولى صفحاته على ضفاف النهر الخالد، لم يكن النيل لمصر مجرد شريان يقطع الصحراء، بل كان صانع الحضارة لما كان يجلبه فيضان النيل من خيرات للمصريين القدماء، (الطمي والماء)، حتي ان المصري القديم خلد المناسبة ونقشها علي جدران أحد المعابد فقال: " كل من يرى النيل في فيضانه تدب الرعشة في أوصالة، أما الحقول فهي تضحك، وأما الشواطئ فتكسوها ‏الخضرة، وتتساقط هدايا هذا الإله وتعلو الفرحة وجوه البشر، أما قلوب الآلهه فتخفق من السعادة".

 

إنه النيل، واهب الحياة لأرض الكنانة ،وفي "يوم وفائه"، تفتح مصر سجلات المجد لتقرأ تراتيل الشكر التي رددها الأجداد على مسامع الإله 'حابي'، معلنين أن الحياة تبدأ من هنا ، على ضفاف النهر الخالد ..الحاضن للأساطير، والملهم للشعراء.

 

وحديثًا كتّب المؤرخ المصري العبقري جمال حمدان عن النيل فى كتاب «شخصية مصر» واصفًا إياه فقال : «الحقيقة الأولى فى الوجود المصرى هى أن مصر هى النيل، فبدونه لا كيان لها ليس فقط من حيث مائه، وإنما أيضا من حيث تربته.. إن النيل لا جدال «أبو مصر» منه استمدت جسمها ودمها، أو طميها وماءها".

 

احتفالات النهر العظيم على مر العصور

 

قدس المصريون النيل وأقاموا له احتفالاً كبيراً خلال الشهر الذي يحل فيه فيضان النيل حاملاً معه الطمي والمياه ، أطلق علية أجدادنا عليه عددًا من التسميات أبرزها "حعبي" او " حابي " وهو الاسم المقدس، الذي يفيض عليهم فيعم السرور في أراضيهم، وتفزع القلوب لتأخره خوفًا من الدمار في اعتقادهم.


صلى المصريون لرب النيل وشكروه على كل النعم التى منحها للناس، خاصة أثناء الاحتفال بالفيضان، وكانت الطقوس الدينية تقام كل عام عند أسوان بقذف الكعك والفاكهة والتمائم لتثير قوة الفيضان وتحافظ عليها، وكذلك تماثيل الإناث "عروس النيل" كهدية للنيل العظيم فيفيض فى أمواج عاتية وينثر نفسه خلال المملكة معطيا الحياة للأرض.

 

وفي العصور الفاطمية والمملوكية والعثمانية في مصر، استمرت الاحتفالات بوفاء النيل لكنها أخذت طابعاً دينياً وملكياً.

 

وبدأت الاحتفالات في العصر الفاطمي ثم العصر المملوكي، واستمرت حتى نهاية العصر العثماني.

 

في العصر الفاطمي كانت عملية قياس الزيادة في نهر النيل تبدا في 13 يونيو وكانت تعرف بـ"اختبار النيل"، حيث يبدأ قياس قاع مقياس النيل، لقياس منسوب الماء الموجود قبل الفيضان، ثم تقاس الزيادة بعد أسبوعين.

 

ويكسر والي مصر بعد عمليتي القياس، السد الترابي للخليج الكبير؛ ليفيض ماء النهر عبر "فُم الخليج"، في احتفالات مهيبة، بعد أن تصل الزيادة في منسوب النيل إلى 16 ذراعا؛ لتروى أرض مصر ويعم النماء والرخاء.

 

وكان الاحتفال بيوم وفاء النيل في العصر الفاطمي، حدثا عظيما، حيث كان يجتمع مشايخ "الحضرة" في جوامع القاهرة في ليلة الوفاء، وكذلك في الجامع بجوار مقياس النيل في الروضة، لختم القرآن الكريم.

 

وفي الصباح يصل الخليفة إلى المقياس راكبا، ثم يؤدي صلاة منفردة وكذلك الوزير -كل بمفرده- وبعد أن يفرغ من الصلاة، يُحضِر الخليفة الزعفران والمسك فيمزجهما ببعضهما بيده ليقوم بدهان عمود مقياس النيل بالزعفران والمسك المخلوط.

 

وجرت العادة أن يرسل الحكام الرسل للبشارة بوفاء النيل إلى أنحاء البلاد؛ فينادي المنادون: "نِعَمٌ لا تحصى من خزائن الله لا تفنى.. زاد الله النيل المبارك...."، لإعلان البشارة التي ينتظرها المصريون كل عام، بزيادة منسوب النيل.

 

ولم يختلف الحال في العصر المملوكى حيث كان يعلن الموظف المختصّ أن فيضان النيل بلغ 16 ذراعاً، فتقام الحفلات فيخرج الناس للشوارع لرؤية موكب السلطان في مركب خاص حتى يصل إلى مقر المقياس في جزيرة الروضة (في منطقة المنيل في القاهرة).

 

وهناك تبدأ عملية دهان المقياس بالزعفران أو المسك والعنبر المخلوطان بماء الورد، كعلامة على "الوفاء" للنيل.. ثم يخرج السلطان في موكب مهيب ويوزع على الناس بعض الهدايا والتي كان منها أعطيات ذهبية وفضية وبعض الأطعمة ومنها اللحوم المشوية، ثم يذهب بعد ذلك إلى سدّ الخليج "فم الخليج"، ليضرب السد بمعول من الذهب الخالص ثلاث ضربات بيده لينهمر الماء ثم يحضر العوام بفئوسهم ليكسروا السد كله.

 

وبقي احتفال وفاء النيل خلال العهد العثماني وحتى خلال الحملة الفرنسية، حين قام أحد القضاة المصريين بدهان المقياس بدلًا من الوالي العثماني دون إقامة احتفال، لتخوف المصريين من التواجد الفرنسي.

 

وبعد رحيل الحملة وخلال عهد مصر الخديوية، أعيد احتفال وفاء النيل، وأشرفت هيئة دينية على فتح المقياس وإصدار بيان رسمي بمستوى الماء، لتترتب عليه قيمة الضرائب على المزارعين.


كما اتُّخذ يوم وفاء النيل عطلة رسمية نهاية القرن التاسع عشر، وكانت مشاهدة المقياس تتم في أجواء احتفالية تتميز بالقوارب المزينة، وبقي الاحتفال بنفس طقوسه حتى عام 1958، وهو آخر اعتماد رسمي لوفاء النيل، إذ توقفت الحالة المتقلبة لنهر النيل مع نشأة السد العالي خلال ستينيات القرن الماضي.

 

كان القلق يدب في كل أنحاء مصر عند تأخر موعد وفاء النيل، فيجتمع علماء الدين في مساجد مصر لقراءة القرآن، وكان المسيحيون يشاركون في عملية استجداء الفيضان، حيث كانوا يخرجون للصحراء في أديرتهم يبتهلون حتى يفيض النيل ويفي تفادياً لسيناريوهات المجاعة.

 

وحينما يأتي الفيضان تسكن تلك المخاوف وترتفع الشرور ويستقبل الناس أسباب سعادتهم، ووسائل رزقهم.

 

فرض النيل على المُجتمع المصري صفتي الوحدة والنظام، و فائدته لم تكُن قاصرة على ري الأراضي، ودائمًا ما جعل الناس يعيشون أمرين متناقضين فيما بينهما ألا وهما الفائدة المُشتركة والخطر المُشترك في نفس الوقت، وذلك في مواجهة الفيضان الذي يهدد سكان واديه جميعهم.


نهر النيل ...حضارة واستقرار ومستقبل

 

يعد نهر النيل السبب في استقرار المصري القديم على ضفافه وعمله بالزراعة، حيث أصبح قادراً على إنتاج قوته، ثم انطلق إلى ميادين العلم والمعرفة والتقدم الهائل، ولذلك كان نهر النيل سبباً مهماً في حضارة مصر العظيمة وبناء الأهرامات الشامخة وبقائها حتى الآن.

 

وعلى مر العصور، ارتبط الأمن القومي والاقتصادي لمصر بمقدار ما يحمله فيضان النيل من طمي ومياه.

 

و علي جدران مقياس النيل بمعبد حورس في مركز إدفو نجد نقشا " إذا انخفض منسوب النهر ، فليهرع كل جنود الملك ولا يعودوا إلا بعد تحرير النيل مما يقيد جريانه" وهو ما يعكس عقيدة الأمن القومي المائي الصارمة لدى المصريين.

 

يأتي "عيد وفاء النيل" كشاهد تاريخي على هذه التوأمة الأبدية بين الإنسان المصري وبيئته، حيث تحول النهر في الذاكرة الجمعية من مصدر طبيعي إلى شريك حقيقي في بناء الدولة.

 

عيد وفاء النيل.. رسالة ممتدة من الماضي إلى المستقبل

 

واليوم، في ظل التحديات المائية العالمية والمتغيرات المناخية المتسارعة، يكتسب هذا العيد بعداً جديداً يتجاوز الاحتفال الفلكلوري، ليصبح صرخة وعي تدعونا إلى إعادة صياغة علاقتنا بالنهر الخالد، والانتقال من مرحلة استقبال وفائه السخي، إلى مرحلة الوفاء له بحمايته وترشيد استهلاكه.

 

تلك التحديات دفعت الدولة لتبني سياسات متطورة وإدارة أكثر كفاءة للموارد المائية، من خلال مشروعات كبرى ضمن الجيل الثانى لمنظومة الري 2.0، شملت التوسع فى معالجة وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، ورفع كفاءة استخدام المياه، وتطوير المنشآت المائية ومحطات الرفع، وتطهير الترع والمصارف، وتحديث عملية إدارة وتوزيع المياه، والتحول الرقمي وتعزيز الإعتماد على التكنولوجيا الحديثة فى إدارة المياه وتطبيق تقنيات الإدارة الذكية للمياه.

 

وقال الدكتور هاني سويلم وزير الموارد المائية والري "إن «وفاء النيل» يحمل رسالة ممتدة من الماضي إلى المستقبل، مفادها أن النيل كان ولا يزال محور الحياة والتنمية في مصر، وأن الحفاظ عليه وحسن إدارة موارده يمثلان مسئولية وطنية تتطلب مواصلة العمل والتطوير والابتكار، بما يضمن استدامة الموارد المائية ودعم مسيرة التنمية الشاملة في مصر، ويحافظ على حقوق الأجيال القادمة في موارد مائية مستدامة".

 

وأضاف أن هذه المناسبة تعكس كذلك ما تتمتع به مصر من خبرات متراكمة في مجال إدارة الموارد المائية، مؤكدًا أن الدولة المصرية تواصل العمل لتحقيق التنمية الشاملة والمستدامة، من خلال منظومة متكاملة لإدارة المياه، وبالاعتماد على كوادر مؤهلة بوزارة الموارد المائية والري، القادرة على مواصلة مسيرة العمل والتطوير، والتعامل مع التحديات المتزايدة التي تواجه قطاع المياه، بما يدعم خطط الدولة التنموية في مختلف المجالات.

 

وثيقة حب متبادلة

 

وختاماً، يظل "عيد وفاء النيل" أكثر من مجرد صفحة في سجل التاريخ؛ إنه وثيقة حب متبادلة، كُتبت بقطرات الماء وعرق الأجداد على مدار آلاف السنين.

 

إن النيل الذي ألهم الفراعنة تقديسه، وأبهر الفاطميين والمماليك بطقوسه، يجري اليوم في عروقنا كشريان نابض بالحياة والمستقبل.

 

ومع كل منتصف أغسطس، لا نحتفل فقط بوفاء النهر لوعده الأزلي، بل نجدد نحن المصريين قسم الولاء لأرض الكنانة، مؤكدين أن من شرب من ماء النيل لا يملك إلا أن يبادله وفاءً بوفاء، ليظل هذا المجرى الخالد رمزاً للوجود، وحارساً لملامح الهوية المصرية إلى أبد الآبدين.

 

إن الوفاء الحقيقي لنهر النيل في عصرنا الراهن يتمثل في صون كل قطرة ماء، وترشيد استهلاكه كواجب وطني وقومي.

 

إن استدامة هذا الشريان العظيم هي الضمانة الوحيدة لبقاء الحضارة التي صنعها؛ وبقدر وعينا وتضافر جهودنا لحماية أمننا المائي، سنضمن للأجيال القادمة أن تظل مصر – كما كانت دوماً – هبة النيل، وأن يظل النيل هبة مصر الخالدة.

 

 

 	عبد الحكيم سراج الدين

عبد الحكيم سراج الدين

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير مصر

عيد وفاء النيل.. واهب الحياة وصانع الحضارة

في منتصف أغسطس من كل عام، يتجدد الموعد مع "عيد وفاء النيل"؛ تلك المناسبة الأسطورية التي تمتد جذورها لآلاف السنين...

"العدالة الرقمية الموحدة".. خدمات قضائية تتسم بالسرعة والشفافية والموثوقية

في إطار توجه الدولة نحو تطوير منظومة العدالة، وتطويع التكنولوجيا الحديثة لخدمة العمل القضائي، بما يسهم في تحقيق العدالة الناجزة...

بالأرقام.. أهم إنجازات "إعلام النواب" لحماية الهوية والوعي وصون التراث

جلسات برلمانية موضوعية ومناقشات ثرية وتوصيات ومتابعات لتحويل الرقابة إلى نتائج ملموسة .. سجلتها لجنة الثقافة والإعلام والآثار بمجلس النواب،...

انطلاق التنسيق وفرع جامعة الإسكندرية في تشاد.. أهم نشاط للتعليم العالي بأسبوع

أنشطة وفعاليات ولقاءات وجولات متواصلة في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على مدار الأسبوع الماضي من أجل تنفيذ خططها لتطوير...