سلط برنامج «العالم غدًا»، المذاع على شاشة القناة الأولى بالتلفزيون المصري، الضوء على واحدة من أخطر قضايا الأمن القومي في العصر الحديث، وهي حروب الوعي والهيمنة على الفضاء الرقمي
أكد الكاتب الصحفي أحمد الدريني أن مصطلح «أسرلة مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية» يعبر عن استراتيجية إسرائيلية ممنهجة تهدف إلى السيطرة على الفضاء الرقمي وفرض الرواية الإسرائيلية للأحداث قبل وصول أي رواية أخرى، موضحًا أن هذه السياسة بدأت تتبلور بصورة واضحة منذ عملية «عمود السحاب» عام 2012، عندما استخدمت إسرائيل منصات التواصل الاجتماعي لنشر بياناتها وروايتها أولًا، لتصبح المرجع الرئيسي لدى المتلقي، بينما تتحول الرواية الفلسطينية أو العربية إلى مجرد رد فعل أو محاولة لتصحيح ما تم تداوله.
وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية لم تعد تقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما امتدت إلى منصات البث العالمية وصناعة الدراما والسينما، موضحًا أن العديد من الأحداث المفصلية في تاريخ المنطقة، مثل حرب أكتوبر وقضية أشرف مروان وغيرها، باتت تُقدم في أعمال فنية وفق الرؤية الإسرائيلية، في ظل غياب أعمال عربية قادرة على تقديم الرواية التاريخية العربية بنفس مستوى الانتشار والإنتاج، خاصة في وقت أصبحت فيه الأجيال الجديدة تعتمد على المشاهدة أكثر من القراءة.
واستشهد الدريني بتاريخ الدعاية الإسرائيلية، مستعرضًا كتاب «وتحطمت الأسطورة عند الفجر» الذي انتشر عقب نكسة يونيو 1967، موضحًا أنه كان جزءًا من حرب نفسية استهدفت الوعي العربي، قبل أن يرد عليه الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين بعد انتصار أكتوبر بكتابه «وتحطمت الأسطورة عند الظهر»، مؤكدًا أن صناعة الأكاذيب والروايات المضللة ليست وليدة اللحظة، وإنما تمثل نهجًا ممتدًا تطور مع تطور وسائل الإعلام والتكنولوجيا.
واستحضر الدريني مقولة الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله: «هل تعرف مصير الحكاية التي لا نحكيها لأبنائنا؟ إنها تصير ملكًا لأعدائنا»، مؤكدًا أن غياب الرواية العربية يفتح المجال أمام الآخرين لكتابة التاريخ وتقديمه للأجيال الجديدة من منظور يخدم مصالحهم.
وأوضح أن إسرائيل تخصص ميزانيات ضخمة لإدارة هذه الحرب الرقمية، مشيرًا إلى تخصيص نحو 45 مليون دولار لحملات تعتمد على الذكاء الاصطناعي للتأثير في الرأي العام الأمريكي، ضمن ميزانية تتجاوز 700 مليون دولار لتحسين صورتها عالميًا، فضلًا عن توظيف المؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي، مستشهدًا بلقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مع عدد من صناع المحتوى والمؤثرين في نيويورك لتزويدهم بالرواية الإسرائيلية للأحداث.
وأضاف أن إسرائيل توظف أيضًا الأعمال الدرامية ومنصات البث في دعم روايتها، مستشهدًا بمسلسلات مثل «فوضى» و*«طهران»*، والتي تضمنت مشاهد وسيناريوهات مشابهة لوقائع شهدتها المنطقة لاحقًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الدراما والسياسات الأمنية الإسرائيلية.
وأشار إلى أن الخطاب الإسرائيلي يتم توجيهه بلغات مختلفة، وبخطاب إعلامي يتناسب مع كل جمهور، موضحًا أن المتحدثين الموجهين للإعلام الناطق بالإنجليزية يختلفون عن نظرائهم الموجهين للإعلام العربي أو الإسباني أو الفارسي، بما يعكس إدراكًا لطبيعة كل جمهور وآليات التأثير فيه.
كما تناول الدريني دور اللجان الإلكترونية والحسابات الوهمية، مشيرًا إلى ما يُعرف بـ «الوحدة 8200» التابعة للجيش الإسرائيلي، والتي قال إنها تعتمد على إنشاء وإدارة حسابات مزيفة لإثارة الفتن والخلافات المذهبية والعرقية بين الشعوب العربية، وبث الشائعات وصناعة موجات الكراهية، مؤكدًا أن هذه الممارسات تستهدف تفكيك المجتمعات العربية من الداخل عبر الفضاء الرقمي.
وأكد أن مواجهة هذه الحرب تتطلب استراتيجية عربية شاملة تقوم على إنتاج رواية عربية موثقة، والاستثمار في الإعلام والدراما والمنصات الرقمية، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة التحقق من المعلومات، وعدم التعامل مع المحتوى الرقمي باعتباره حقيقة مطلقة.
كما استضافت الحلقة، عبر تقنية «زوم» من دولة الكويت، الدكتورة سالي حمود، أستاذة الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات، التي أكدت أن الفضاء الرقمي أصبح ساحة رئيسية للحروب الحديثة، وأن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم أحد أهم عناصر القوة في المنافسة بين الدول.
وأوضحت أن بناء السيادة الرقمية، وتطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والاستثمار في التقنيات الحديثة، تمثل ركائز أساسية لتعزيز الأمن السيبراني، ومواجهة محاولات التأثير على الرأي العام عبر المنصات الرقمية، مشيرة إلى أن الاعتماد الكامل على البنية التحتية التكنولوجية الأجنبية يمثل أحد أبرز التحديات، وأن الذكاء الاصطناعي أصبح بمثابة «النفط الجديد» الذي تقوم عليه مختلف التقنيات الحديثة.
ودعت إلى تبني استراتيجية عربية تقوم على الاستثمار في البحث العلمي، ودعم الابتكار، وإنشاء بنية تحتية مستقلة للذكاء الاصطناعي، بما يتيح للعالم العربي امتلاك أدواته الرقمية وقدرته على المنافسة، خاصة في ظل امتلاكه قاعدة واسعة من المتحدثين باللغة العربية يمكن الاستفادة منها في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي عربية.
وفي ختام الحوار، أشاد أحمد الدريني بالجهود التي تبذلها الدولة المصرية في مجال الأمن السيبراني وتطوير البنية الرقمية، مؤكدًا أن مصر تمتلك خبرات متراكمة في رصد الشائعات ومواجهة حملات التضليل، وأن مؤسسات الدولة تواصل تطوير أدواتها لمواكبة التهديدات المتغيرة، مشددًا على أن الرهان الحقيقي يظل في وعي المواطن المصري، باعتباره خط الدفاع الأول في مواجهة حروب الوعي، من خلال ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، وتعزيز الوعي الرقمي لدى الأجيال الجديدة، بما يسهم في حماية الأمن القومي ومواجهة محاولات التضليل التي تستهدف الدولة والمجتمع.
برنامج (العالم غدا) يعرض من السبت إلى الثلاثاء فى السابعة مساء تقديم ريهام الديب
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
فتح برنامج "من ماسبيرو" في فقرة حديث المدينة ملف الأمن القومي المصري، مسلطاً الضوء على تصريحات الدكتور بدر عبد العاطي،...
تناول برنامج "من ماسبيرو"، الذي يقدمه الإعلاميان أحمد وجومانا، كواليس المباراة النهائية المثيرة بين إسبانيا والأرجنتين، حيث سادت حالة من...
تناول برنامج "من ماسبيرو" الجهود الحكومية المكثفة لصياغة مستقبل الاقتصاد المصري، حيث سلط الضوء على الاجتماع الهام الذي عقده رئيس...
نعى برنامج "من ماسبيرو" الموسيقار الكبير هاني شنودة الذي رحل عن عالمنا، تاركاً إرثاً موسيقياً غيّر وجه الأغنية المصرية والعربية.