عالم بالأزهر: الهجرة النبوية نموذج متكامل للتخطيط وحسن الإدارة

أكد الشيخ عبد الله سلامة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الإسلام وضع منهجًا متكاملًا للتخطيط وإدارة الحياة، يقوم على الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله، مشددًا على أن التخطيط ليس مجرد تنظيم للوقت، بل عبادة وسلوك حضاري يحارب العشوائية والارتجال.

 

وأوضح الشيخ عبد الله سلامة في حواره ببرنامج "صباح الخير يا مصر"، أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدّم للأمة نموذجًا عمليًا في التخطيط والإدارة منذ بداية الدعوة، مشيرًا إلى أن مشهد الهجرة النبوية يعد من أعظم الدروس في حسن الإعداد واتخاذ الأسباب.

وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُعلن موعد خروجه من مكة، واختار السفر ليلًا، وغادر من الجهة الخلفية لمنزل أبي بكر الصديق رضي الله عنه، كما استعان بدليل للطريق عُرف بخبرته رغم أنه لم يكن مسلمًا، في رسالة تؤكد أن معيار الاختيار في المهام هو الكفاءة والخبرة.

وأضاف أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان كذلك بالسيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها في إيصال الطعام، وبعبد الله بن أبي بكر لنقل الأخبار، وبعامر بن فهيرة لإخفاء آثار الأقدام، وهو ما يعكس دقة التخطيط والإعداد.

وشدد عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية على أن الإسلام يدعو إلى الأخذ بالأسباب مع الاعتماد الكامل على الله، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم “اعقلها وتوكل”، موضحًا أن التوكل الحقيقي لا يعني ترك العمل أو السعي، وإنما بذل الجهد ثم تفويض النتائج إلى الله.

وأضاف أن من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن قول الإنسان “سيبتها على الله” يغنيه عن الاجتهاد، مؤكدًا أن الطالب الذي لا يذاكر ثم يطلب النجاح، أو من ينتظر الرزق دون عمل، لا يعد متوكلًا وإنما متواكلًا؛
واستشهد بقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يقعد أحدكم في بيته ويقول: اللهم ارزقني، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة”.

وأوضح أن التوكل عمل القلب، بينما الأخذ بالأسباب عمل الجوارح، وأن الاثنين لا ينفصلان عن بعضهما، مستشهدًا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : “لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتعود بطانًا”، مبينًا أن الطير تغادر أوكارها سعيًا وراء رزقها، وهو ما يؤكد أن السعي شرط لتحقيق الرزق.

وفي حديثه عن قيمة الوقت، أكد الشيخ عبد الله سلامة أن العبادات الإسلامية تمثل مدرسة عملية في تنظيم الوقت، موضحًا أن الصلوات الخمس بأوقاتها المحددة، والصيام الذي يبدأ من الفجر وينتهي عند الغروب، والحج بأيامه ومواقيته، كلها تعلم المسلم الانضباط واحترام المواعيد.

واستشهد بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: “نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ”، مؤكدًا أن الوقت هو رأس مال الإنسان الحقيقي، وأن كل دقيقة تمضي لا يمكن استعادتها، داعيًا إلى وضع خطة يومية تحدد أوقات العمل والراحة والعبادة.

كما تناول الشيخ عبد الله سلامة الدروس المستفادة من قصة سيدنا يوسف عليه السلام في إدارة الأزمات الاقتصادية، مشيرًا إلى أن القرآن الكريم سبق العلوم الحديثة في وضع أسس التخطيط الاقتصادي، من خلال قوله تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ﴾

وأوضح أن القصة ترسم ثلاثة مبادئ رئيسية لإدارة الموارد، وهي الإنتاج، والاستهلاك الرشيد، والادخار، مؤكدًا أن الإنسان ينبغي أن يدخر جزءًا من دخله لمواجهة الأزمات، وأن يبتعد عن الإسراف والتقتير، امتثالًا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ﴾

واستشهد كذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : “لأن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم عالة يتكففون الناس”، مؤكدًا أهمية الكسب الحلال والادخار بما يحفظ كرامة الأسرة بعد وفاة عائلها.

وعن دور الأسرة في غرس ثقافة التخطيط، دعا عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية إلى تخصيص وقت ثابت لتناول الطعام يجتمع فيه جميع أفراد الأسرة، مضيفًا أن هذه العادة تعزز الترابط الأسري وتنقل القيم والتربية للأبناء، مستشهدًا بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في جلوسه مع أهله، وبقوله للغلام: “يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك”.

كما أوصى بوضع جدول يومي للأسرة يحدد أوقات النوم والاستيقاظ والأنشطة المختلفة، إلى جانب إشراك الأبناء في تحمل المسؤولية، مثل إدارة جزء من ميزانية المنزل، لما لذلك من أثر في تنمية مهارات التخطيط والإدارة والمحافظة على المال.

وفي ختام حديثه، أكد الشيخ عبد الله سلامة أن الله سبحانه وتعالى تكفل بأرزاق العباد، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَفِى ٱلسَّمَآءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾، لكنه في الوقت نفسه أمر بالسعي والعمل، مستدلًا بقوله سبحانه: ﴿هُوَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ ذَلُولًۭا فَٱمْشُوا۟ فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا۟ مِن رِّزْقِهِۦ ۖ وَإِلَيْهِ ٱلنُّشُورُ﴾، مؤكدًا أن الرزق مكتوب، إلا أن الوصول إليه يكون بالأخذ بالأسباب والاجتهاد، مع حسن التوكل على الله.

يذاع برنامج (صباح الخير يا مصر) يوميا على شاشة قناة مصر الأولى في تمام الساعة السابعة صباحًا.

 

 

 

 

 

لبنى عبد العزيز

لبنى عبد العزيز

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

هجرة
الشيخ الأبيدي

المزيد من التليفزيون

العلايلي: جمعية "ملائكة الأعمال" قاطرة لنمو اقتصادي واعد

أكد المهندس ورجل الأعمال سمير العلايلي مؤسس جمعية "ملائكة الأعمال" فى مصر أن الشركات الناشئة تمثل شكلاً فريداً من أشكال...

منى غريب: الفن قوة ناعمة لترسيخ قيم الجمال

كشفت الفنانة التشكيلية والنحاتة والأكاديمية الدكتورة منى غريب أن رحلتها مع الفن بدأت منذ طفولتها في مدينة الإسكندرية، مشيرة إلى...

خبير اقتصادي: تكامل الصناعات الثقيلة والمشروعات الصغيرة يعزز النهضة الصناعية

أكد الدكتور عصام عزت البُكل، عميد مجمع خدمة الصناعة بالأكاديمية العربية سابقًا، أن دعم الصناعات الثقيلة لا ينفصل عن دعم...

عالم بالأزهر: الهجرة النبوية نموذج متكامل للتخطيط وحسن الإدارة

أكد الشيخ عبد الله سلامة، عضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أن الإسلام وضع منهجًا متكاملًا للتخطيط وإدارة الحياة، يقوم...