اكتشاف علمي جديد حول طبيعة الماء

كشف فريق من الباحثين من جامعة "هونج كونج" أدلة جديدة تدعم فرضية علمية قديمة تفيد بأن الماء لا يوجد في صورة سائل واحد متجانس على المستوى الجزيئي، بل يتأرجح باستمرار بين حالتين مختلفتين في الكثافة ، ويرى الباحثون أن هذا الاكتشاف قد يساعد في تفسير عدد من الخصائص والسلوكيات الفريدة التي تجعل الماء مادة استثنائية مقارنة بمعظم السوائل الأخرى.

ولطالما حير الماء الباحثين على مدى عقود بسبب سلوكه غير المألوف: فبينما تزداد كثافة معظم السوائل كلما انخفضت درجة حرارتها، يبلغ الماء أعلى كثافة له عند نحو 4 درجات مئوية ثم يتمدد مع استمرار التبريد، وهو ما يسمح للجليد بالطفو فوق سطحه. كما يتميز بقدرته على مقاومة تغيرات الحرارة أكثر من سوائل مشابهة، وتظهر لزوجته  سلوكاً غير اعتيادي في ظروف معينة.

ويعتقد الباحثون أن هذه الظواهر المتفرقة قد تكون مرتبطة جميعها بالبنية الجزيئية للماء، وهو ما تسعى "فرضية الحالتين" إلى تفسيره من خلال افتراض وجود شكلين مختلفين للسائل يتبادلان التحول باستمرار، وفى هذا الصدد، توصل الباحثون إلى ما وصفوه بأقوى دليل حتى الآن على وجود حالتين سائلتين للماء: إحداهما عالية الكثافة والأخرى منخفضة الكثافة، مع انتقال الجزيئات بينهما بصورة مستمرة.

أوضح شياو تشنج زينج، الكيميائي الفيزيائي بالجامعة وأحد المشاركين في الدراسة، أن فكرة وجود حالتين للماء ظلت مطروحة في الأوساط العلمية لسنوات طويلة، لكن إثباتها بشكل مباشر كان يمثل تحدياً كبيراً. وأضاف أن الأدلة المتاحة سابقاً كانت غير كافية لحسم الجدل العلمي حولها ، وللوصول إلى إجابة أكثر وضوحاً، استعان الفريق البحثي بأساليب حديثة في الذكاء الاصطناعي، تعتمد على التعلم العميق غير الخاضع للإشراف، وهو نوع من الأنظمة القادرة على اكتشاف الأنماط والعلاقات داخل البيانات دون تزويدها مسبقاً بما ينبغي البحث عنه.

أجرى الباحثون محاكاة حاسوبية واسعة النطاق لحركة مئات الآلاف من جزيئات الماء وتفاعلاتها، ما أنتج عشرات الملايين من نقاط البيانات ، وبعد تحليل هذه الكميات الضخمة من المعلومات، تمكن النظام من تحديد أنماط دقيقة تصف كيفية انتقال جزيئات الماء بين البنية الأعلى كثافة والبنية الأقل كثافة ، وأظهرت النتائج أن عملية التحول لا تحدث دائما بالطريقة نفسها؛ ففي الظروف العادية تسلك الجزيئات مسارا بسيطا نسبياً يتطلب عبور حاجز طاقة واحد، بينما تتبع في ظروف معينة مسارا أكثر تعقيداً يمر عبر عدة حواجز طاقة قبل اكتمال التحول.

ويعمل الباحثون حالياً على تطوير نماذج أكثر دقة للتحقق من هذه النتائج وربطها بخصائص الماء المختلفة، مثل الكثافة واللزوجة ودرجة الحرارة ، إلا أن إثبات هذه الآلية بصورة مباشرة في الماء الحقيقي ما زال يتطلب تقنيات تجريبية أكثر تطوراً ، ويرى الفريق العلمي أن أهمية هذا الاكتشاف تتجاوز فهم الماء نفسه؛ حيث إن معظم العمليات البيولوجية والكيميائية والصيدلانية تحدث في بيئة مائية ، لذلك، فإن فهم البنية الجزيئية للماء بصورة أفضل قد يساعد مستقبلاً على تفسير كيفية تفاعل البروتينات والأملاح والأدوية داخل الجسم، ويفتح المجال أمام تطبيقات علمية وطبية جديدة.

شيرين عبدالهادي

شيرين عبدالهادي

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

الفلور

المزيد من علوم وتكنولوجيا

ابتكار روبوتات تعدين مستوحاة من آلية عمل النمل

طور باحثون في جامعة "أديلايد" بجنوب استراليا نظاماً روبوتياً جديداً مستوحى من سلوك النحل والنمل يهدف إلى جعل عمليات التعدين...

أزمة بين الكرملين و"أبل" بعد حذف تطبيقات روسية من متجر "آب ستور"

طالب الكرملين شركة "أبل" بتقديم توضيح بعد حذف العديد من تطبيقات الهواتف الروسية التابعة لشركة الإنترنت الروسية "VK" من متجر...

الوجبات السريعة تدمر دماغك قبل أن تضر جسدك

تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أن الوجبات السريعة تؤذي الدماغ وتغير كيميائيته خلال أيام قليلة، وذلك قبل ظهور الأعراض الجسدية الواضحة...

اكتشاف علمي جديد حول طبيعة الماء

كشف فريق من الباحثين من جامعة "هونج كونج" أدلة جديدة تدعم فرضية علمية قديمة تفيد بأن الماء لا يوجد في...