حقق العلماء تقدما كبيرا نحو تطوير موصلات فائقة تعمل عند درجات حرارة مرتفعة، بعد أن تمكنوا لأول مرة من التعرف مباشرة على البنية الداخلية لأحد أكثر المواد الواعدة في هذا المجال، فقد نجح باحثون في كشف طبيعة الحالة فائقة التوصيل في مادة غنية بالهيدروجين كانت حتى الآن عصية على الدراسة بسبب الظروف القاسية التي تتكون فيها.
الموصلات الفائقة هي مواد تسمح بمرور التيار الكهربائي دون أي مقاومة، ما يجعلها ذات قيمة هائلة لتطبيقات مثل نقل الطاقة بكفاءة عالية وتخزين الطاقة وأنظمة الرفع المغناطيسي والحواسيب الكمية، غير أن العقبة الكبرى تاريخيا كانت أن هذه الظاهرة لا تظهر إلا عند درجات حرارة شديدة الانخفاض، وهو ما حد من استخدامها العملي على نطاق واسع.
تغيرت هذه الصورة مع اكتشاف موصلات فائقة غنية بالهيدروجين، فقد تبين أن كبريتيد الهيدروجين (H₃S) يصبح موصلا فائقا عند درجة حرارة 203 كلفن (نحو −70 درجة مئوية)، بينما يصل مركب هيدريد اللانثانوم (LaH₁₀) إلى 250 كلفن (نحو −23 درجة مئوية)، وتعد درجات حرارة تلك مرتفعة جدا مقارنة بالموصلات الفائقة التقليدية، بل وتتجاوز نقطة غليان النيتروجين السائل، ما يجعلها تصنف ضمن الموصلات الفائقة ذات درجة الحرارة المرتفعة، وتقرب العلم خطوة من حلم التوصيل الفائق عند درجة حرارة الغرفة.
في قلب هذه الظاهرة يوجد ما يعرف بفجوة التوصيل الفائق، وهي خاصية تكشف كيف تتزاوج الإلكترونات لتشكيل الحالة فائقة التوصيل، وتعد علامة فارقة تميز الموصل الفائق عن المعدن العادي. ومن دون قياس هذه الفجوة لا يمكن للعلماء فهم الآلية الحقيقية التي تختفي معها المقاومة الكهربائية.
لكن دراسة المواد الغنية بالهيدروجين واجهت تحديا كبيرا، إذ لا يمكن تكوينها إلا تحت ضغوط هائلة تفوق الضغط الجوي بأكثر من مليون مرة، وفي ظل هذه الظروف المتطرفة تصبح تقنيات شائعة مثل المجهر النفقي الماسح أو التحليل الطيفي لانبعاث الإلكترونات غير قابلة للتطبيق، ما جعل فجوة التوصيل الفائق في هذه المواد لغزا طويل الأمد.
وللتغلب على هذه العقبة طور باحثون في مؤسسة ماكس بلانك للكيمياء تقنية جديدة لقياس الأنفاق الإلكترونية يمكنها العمل تحت هذه الضغوط القصوى، وباستخدام هذا الأسلوب تمكن الفريق لأول مرة من قياس فجوة التوصيل الفائق مباشرة في مادة H₃S، ما فتح نافذة جديدة لفهم حالتها الإلكترونية.
وأظهرت القياسات أن مادة H₃S تمتلك فجوة توصيل فائق كاملة تبلغ نحو 60 ملي إلكترون فولت، كما درس الباحثون نظيرها المحتوي على الديوتيريوم (D₃S)، فوجدوا أن الفجوة فيه أصغر، وتبلغ حوالي 44 ملي إلكترون فولت، وتكمن أهمية هذا الفرق في أنه يؤكد أن التوصيل الفائق في هذه المواد تقوده تفاعلات بين الإلكترونات واهتزازات الشبكة البلورية المعروفة بالفونونات، وهو ما يدعم تنبؤات نظرية كانت مطروحة منذ سنوات.
ولا تكمن أهمية هذا الإنجاز في كونه تقدما تقنيا فحسب، بل في أنه يضع أساسا متينا لفهم الأصول الفيزيائية للتوصيل الفائق عالي الحرارة في المواد الغنية بالهيدروجين، ويأمل الباحثون أن يتيح توسيع هذه التقنية لدراسة مركبات هيدريدية أخرى تحديد العوامل الأساسية التي تسمح بالوصول إلى درجات حرارة أعلى، ومن ثم تطوير مواد تعمل في ظروف أقرب إلى الواقع العملي.
ووصف أحد رواد أبحاث التوصيل الفائق تحت الضغط العالي هذا العمل بأنه الأهم في مجال موصلات الهيدريد منذ اكتشاف التوصيل الفائق في H₃S عام 2015، معتبرا أن حلم الموصلات الفائقة عند درجة حرارة الغرفة وضغوط معتدلة أصبح أقرب إلى التحقق.
ويعيد هذا التقدم إلى الأذهان المسار التاريخي الطويل لهذا المجال، منذ اكتشاف التوصيل الفائق لأول مرة عام 1911، مرورا بالموصلات النحاسية عالية الحرارة في الثمانينيات، وصولا إلى الطفرة الحالية مع المركبات الغنية بالهيدروجين، وفي جوهر كل ذلك، تبقى فجوة التوصيل الفائق وتشكل أزواج الإلكترونات المعروفة بأزواج كوبر هي المفتاح لفهم كيف يمكن للكهرباء أن تسري بلا مقاومة في ظروف حياتنا اليومية.
محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام
طوّر باحثون نظامًا جديدًا لتحليل علم الأمراض باستخدام الذكاء الاصطناعي، قادرًا على التعرّف على أنواع متعددة من السرطان باستخدام عدد...
أعلنت شركةTotalEnergies الفرنسية عن تطوير حاسوبها الفائق الجديد من الجيل الخامس الذى يحمل اسم “Pangea 5”، يهدف هذا الحاسوب إلى...
تشير التقارير إلى أن شحن AirPods طوال الليل يُعد آمنًا بشكل عام، وذلك بفضل التقنيات الحديثة المدمجة في الأجهزة ،...
حدد باحثون هيكلاً بلورياً لم يكن معروفاً من قبل، تَشكّل تحت تأثير الحرارة والضغط الهائلين لأول انفجار نووي في العالم،...