ذكرى تحرير طابا انتصار تاريخى للدبلوماسية المصرية فى استعادة آخر شبر من سينا

بعد الانتصار العسكرى الذى حققته مصر فى حرب 6 أكتوبر عام 1973.. وبعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من 7 سنوات.. نجحت مصر فى استرداد آخر شبر من أراضيها فى سيناء من إسرائيل.. ذاك الجزء الغالى والثمين من أرض الوطن، ورفع العلم المصري فوق طابا في مثل هذا اليوم عام 1989.

وفي الذكرى الـ 37 لتحرير طابا، نتذكر انتصار الدبلوماسية المصرية، عندما خاضت معركة دبلوماسية وقانونية ضخمة لتؤكد أحقيتها فى تلك الأراضى، لتكتمل هذه الجهود فى النهاية بحكم تاريخي من هيئة التحكيم الدولى في التاسع والعشرين من سبتمبر عام 1988 بعودة تلك الأراضى لمصر.. وأنصف التحكيم الدولي مصر وأوجب أحقيتها في طابا وإجلاء القوات الإسرائليلية والمدنيين أيضا عنها، معلنا عودة طابا إلى أحضان الوطن المصري.
 
بداية القضية
 
بدأت قضيه طابا عقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 1979، والتي نصت على سحب إسرائيل لكامل قواتها من شبه جزيرة سيناء في موعد غايته 25 ابريل 1982.
 
 بيد أن إسرائيل أثارت أزمة في ديسمبر 1981 من خلال الإدعاء بمواقع غير صحيحة للعلامة رقم 91 في محاولة لضم منطقة طابا إلى إقليمها. 
 
لا تفريط في اي جزء من أراضي مصر
 
تفجر الصراع بين مصر وإسرائيل حول طابا وعرضت مصر موقفها بوضوح وهو انه لا تنازل ولا تفريط عن ارض طابا، وأي خلاف بين الحدود يجب أن يحل وفقاً للمادة السابعة من معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية والتي تنص على:
 
- تحل الخلافات بشأن تطبيق أو تفسير هذه المعاهدة عن طريق المفاوضات.
- إذا لم يتيسر حل هذه الخلافات عن طريق المفاوضات تحل بالتوفيق أو تحال إلى التحكيم.. وقد كان الموقف المصري شديد الوضوح وهو اللجوء إلى التحكيم بينما ترى إسرائيل أن يتم حل الخلاف أولا بالتوفيق.
 
وإزاء إصرار إسرائيل علي موقفها تم البحث عن حل مقبول يسمح بانجاز الانسحاب الإسرائيلي في الموعد المحدد، مع البحث عن وسيلة مقبولة لحل الخلافات القائمة حول العلامات المعلقة دون حسم.
 
تسوية النزاع بالتفاوض
 
وفي إطار حرص القيادة المصرية علي إتمام الانسحاب الإسرائيلي من شبه جزيرة سيناء، وقعت الدولتان اتفاقا في 25 ابريل 1982 استهدف وضع النزاع في إطار محدد لتسويته بأحدي وسائل تسوية المنازعات الدولية عن طريق المفاوضة أو التوافق أو التحكيم التي حددتها المادة السابعة من معاهدة السلام.
 
إسرائيل توافق على التحكيم الدولي
 
وفي 13 يناير 1986 أعلنت إسرائيل موافقتها على قبول التحكيم، وبدأت المباحثات بين الجانبين وانتهت إلى التوصل إلى"مشارطة تحكيم" وقعت في 11 سبتمبر 1986، والتي تحدد شروط التحكيم، ومهمة المحكمة في تحديد مواقع النقاط وعلامات الحدود محل الخلاف.
 
إحالة النزاع إلى هيئة تحكيم دولية
 
 وأُحيل النزاع إلى هيئة تحكيم دولية تشكلت من خمسة محكمين، ومنذ تشكيل هيئة التحكيم في سبتمبر عام 1986 وحتى 29 سبتمبر 1988، قدم الفريق المصري أسانيد ووثائق تؤكد حق مصر التاريخي في منطقه طابا، تمتد من عام 1274، وأيضاً مجموعة من الأسانيد والوثائق التاريخية من المندوب السامي البريطاني إلى الخارجية المصرية، والمخابرات المصرية عام 1914 وتقارير مصلحة الحدود في عام 1931 وأخرى.
 
 مستندات حاسمة
 
قدم الوفد المصري حججا كثيرة بعضها خرائط تعود إلى فترة ما بعد حصول مصر على الحكم الذاتي من الإمبراطورية العثمانية، وكانت توضح أن طابا داخل الحدود المصرية، وأيضا قدم خرائط تخص الاحتلال البريطاني لمصر عندما طالب قوات تركية بالانسحاب من طابا لأنها تقع داخل حدود مصر التي كانت تحت الاحتلال البريطاني أنذاك، كما قدم الوفد المصري مرافعات ومذكرات وشهادات شهود.
 
كما قدمت إسرائيل أيضا حجج لصالحها من بينها كتب مطبوعة داخل مصر توضح أن طابا جزء من فلسطين، لكن مصر ردت على كل هذا، ومن مجموع ما قدم من أدلة وحجج تولدت قناعة لدى المحكمة بأن طابا مصرية.
 
عامان من المرافعات
 
استمرت المرافعات والمداولات عامين، قبل أن يعلن القاضي السويدي "جونار لاجرجرين"، رئيس هيئة التحكيم الدولي، حكمه التاريخي فى حضور وكيلى الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين، بأغلبية 4 أصوات والاعتراض الوحيد من الجانب الإسرائيلى، ووقع الحكم في 230 صفحة، حيث تضمن منطوق الحكم "أن وادي طابا بأكمله وبما عليه من إنشاءات سياحية ومدنية هي أرض مصرية خالصة".
 
حكم تاريخي
 
 و أسدل الستار في 29 سبتمبر 1988 بإصدار هيئة التحكيم الدولية حكمها التاريخي في جلسة علنية عقدت في برلمان جنيف في حضور وكيلي الحكومتين، وأعضاء هيئة الدفاع لكلا الجانبين معلنة عودة طابا إلى أحضان الوطن المصري.
 
 أعلنت هيئة التحكيم الدولية في الجلسة التي عقدت في برلمان جنيف حكمها في قضية طابا، والتي حكمت بالإجماع أن طابا أرض مصرية.
 
وبعد إصدار حكم المحكمة بتبعية طابا للأراضى المصرية تم التوصل إلى عقد ما سمي باتفاق روما التنفيذى في 29 نوفمبر 1988 والذي نص فيه على تحديد علامات الحدود الأربعة عشرة وفقا للحكم الصادر عن محكمة التحكيم، وعلى الانسحاب الإسرائيلي من الأرض المصرية إلى ما وراء هذه العلامات فور تحديدها.
 
رفع العلم المصري على طابا
 
وفي 19 مارس 1989.. تم جلاء الإسرائيليين عن طابا وتم رفع علم مصر على طابا المصرية فىً نداء للسلام من فوق أرض طابا.
 
جدير بالذكر أنه بالرغم من حجمها الصغير، إلا أن لطابا أهمية إستراتيجية فهي تقع علي بعد 7 كيلومترات من الميناء الإسرائيلي أيلات شرقاً، وعلي بعد 245 كيلومتراً شمال شرقي شرم الشيخ ذات الأهمية الكبرى في المرور داخل العقبة وعبر مضيق تيران علي مدخل الخليج، كما تقع طابا في مواجهة الحدود السعودية في اتجاه مباشر لقاعدة تبوك، علاوة على تتمتع آبارها بمخزن ضخم من المياه العذبة.
 
أطول ماراثون حدودي بالشرق الأوسط
 
وتُعتبر مفاوضات طابا من أطول المعارك الدبلوماسية والسياسية، فهي تعد معركة العصر حيث تعتبر أول تسوية من نوعها في الشرق الأوسط حول نزاع حدودي بين إسرائيل ودولة عربية عن طريق التحكيم الدولي، وهو ما يصفه أحد المؤرخين “بأنه أطول ماراثون وثائقي في تاريخ القضايا الحدودية”.
 
ضربت الدولة المصرية أروع الأمثلة في الالتزام بمعاهداتها الدولية باعتبارها شرعية دولية، حيث التزمت الدولة المصرية بمعاهدة السلام 1979 الموقعة مع الجانب الإسرائيلي، وتحديدًا المادة السابعة التي تضمنت أن الخلافات بين الدولتين يتم حلها عن طريق المفاوضات، وإذا لم يتيسر ذلك فيتم الحل عن طريق التوفيق أو تُحال للتحكيم، وهو ما يدل على أن الدولة المصرية دائمًا تتبنى الحوار وعدم اللجوء لتسوية النزاعات عسكريًا، وتجعل السلام خيارًا استراتيجيًا، مما يُعد أحد المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية المصرية. وهو ما تحقق في النهاية في اللجوء للتحكيم بعد استنفاد طرق المفاوضات والتوفيق، وهو ما يدل على مثابرة المفاوض المصري من أجل إرجاع كل حبة رمل من الأراضي المصرية.
 
ولا بد ونحن نتذكر تلك الذكرى العظيمة لاسترداد طابا أن نبين الدور العظيم للمفاوض المصري، حيث إنّ التفاوض مع الجانب الإسرائيلي هو معركة قانونية وسياسية ودبلوماسية شديدة الشراسة، حيث يتمتع المفاوض الإسرائيلي بالجدال والتركيز على الشكليات من أجل الابتعاد عن الهدف الرئيسي وهو استعادة طابا، وكان الإسرائيليون يعلمون أن طابا أرض مصرية، وأن مزاعمهم لا أساس ولا سند لها من تاريخ أو جغرافيا.
 
 
وأبرزت اتفاقية التحكيم الدولي بشأن طابا هذه الجهود، حيث أظهرت تفوق الكفاءات الدبلوماسية والقانونية والعسكرية المصرية على كل المناورات التي قام بها الجانب الإسرائيلي، وهو ما أدى إلى حسم الأمر لصالح الدولة المصرية، وأصدرت هيئة التحكيم حكمها في 27 سبتمبر 1988 بأحقية مصر في طابا، وانسحبت إسرائيل من طابا، ورُفع العلم المصري على طابا في 19 مارس 1989 مما يؤكد معنى واحدًا هو أن الدولة المصرية على مدى الزمان لم ولن تفرط في حقوقها، وما لا يؤخذ بالقوة يؤخذ بالمفاوضات والتحكيم.
 
وبهذا استعادت مصر بدماء وجهد وعرق وفكر المخلصين من أبنائها خلال الحرب والسلام والتفاوض أرضها المحتلة، فمثلما كانت حرب أكتوبر نهاية لأسطورة التفوق العسكري الإسرائيلي، كانت معركة استرداد طابا تحطيمًا لأسطورة تفوق الدهاء الإسرائيلي. 
 
 

علا الحاذق

علا الحاذق

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

المزيد من تقارير مصر

ذكرى تحرير طابا انتصار تاريخى للدبلوماسية المصرية فى استعادة آخر شبر من سينا

بعد الانتصار العسكرى الذى حققته مصر فى حرب 6 أكتوبر عام 1973.. وبعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من 7...

المستشار محمود الشريف وزير العدل.. رؤية جديدة لإنجاز العدالة والتحول الرقمي

يعد المستشار محمود حلمي الشريف وزير العدل ، أحد أبرز الرموز القضائية في مصر، ويتمتع بخبرة ممتدة ومسيرة مهنية حافلة...

حقوق الأسرة ليست محل تفاوض.."العدل" تعلق خدمات حكومية للممتنعين عن سداد النفقة

في تحول مهم في طريقة التعامل مع الأحكام الصادرة في قضايا النفقة.. ومن أجل معالجة فجوة ظلت قائمة لسنوات طويلة...

آليات ربط المناهج بسوق العمل أبرز أنشطة "التعليم العالي" بأسبوع

تتواصل جهود واجتماعات وفعاليات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي لتطوير المنظومة ودعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع...


مقالات

حروب بلا نهاية...
  • الخميس، 19 مارس 2026 10:00 ص
دليل الأمان الصحي مع كحك العيد
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 09:32 م
العيدية.. طبق مملوء بالدنانير الذهبية
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 06:00 م
قيم الأخبار والذكاء الاصطناعي
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 12:10 م
قصر محمد علي بشبرا الخيمة
  • الأربعاء، 18 مارس 2026 09:00 ص