في ذكرى افتتاح قناة السويس .. تطوير مستمر

في أجواء احتفال أسطورية ووسط حضور مبهر.. وبحضور الخديو إسماعيل والملوك والأمراء وسفراء العالم.. انطلقت قذائف المدافع في يوم 17 نوفمبر عام 1869 بمدينة بورسعيد لبدء مراسم حفل افتتاح قناة السويس.

وعبرت أول قافلة بحرية القناة في مقدمتها اليخت "إيجل" الخاص بإمبراطورة فرنسا أوجيني، تلاه يخت إمبراطور النمسا ثم يخت أمير وأميرة هولندا، وولي عهد بروسيا، فضلا عن مراكب الضيوف من السفراء وممثلي دول العالم ليبدأ تاريخ طويل لقناة السويس مازال ممتدا حتى اليوم.

لحظة تاريخية فارقة شهد خلالها العالم ميلاد طريق بحري سيلعب دورا محوريا في خدمة البشرية، وتغيير مسار حركة التجارة حول العالم، وبعد مرور 168 عاما أصبحت القناة باتت ركن أساسي فاعل لا غنى عنه على الإطلاق في حركة التجارة العالمية.

وقناة السويس هى ممر مائي اصطناعي إزدواجي المرور في مصر، يبلغ طولها 193 كم وتصل بين البحرين الأبيض المتوسط والأحمر، وتنقسم طوليا إلى قسمين شمال وجنوب البحيرات المرة، وعرضيا إلى ممرين في أغلب أجزائها لتسمح بعبور السفن في اتجاهين في نفس الوقت بين كل من أوروبا وآسيا.

قناة السويس وقت حفرها كان طولها يبلغ 164 كيلو مترا وعرضها عند مستوى سطح المياه 52 مترا وعمقها 7 أمتار ونصف متر وهي تعتبر أسرع ممر بحري بين قارتين وتوفر نحو 15 يوما فى المتوسط من وقت الرحلة عبر طريق رأس الرجاء الصالح وهي أكثر القنوات الملاحية كثافة من حيث الاستخدام.

وتستخدمها السفن الحديثة بكثرة عددية كبيرة لأنها الأسرع والأقصر للمرور من المحيط الأطلنطي إلى المحيط الهندي، وتمثل الرسوم التي تدفعها السفن نظير عبور القناة مصدرا هاما للدخل في مصر.

* فكرة حفر القناة

بدأت فكرة إنشاء القناة عام 1798 مع قدوم الحملة الفرنسية على مصر، ففكر نابليون في شق القناة إلا أن تلك الخطوة لم تكلل بالنجاح، وفي عام 1854 استطاع ديلسبس إقناع محمد سعيد باشا والي مصر، بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة ديلسبس امتياز حفر وتشغيل القناة.

وقام فريق دولي من المهندسين بوضع خطة البناء، وفى عام 1856 تم إنشاء شركة قناة السويس ومنحت حق تشغيل القناة لمدة 99 عاما بعد الانتهاء من العمل.

بدأ البناء فى أبريل 1859، وفى البداية تم الحفر يدويا باستخدام والمجارف، وفى وقت لاحق، وصل العمال الأوروبيون بالجرافات البخارية، وأدت النزاعات العمالية ووباء الكوليرا إلى تباطؤ عملية البناء، ولم تكتمل قناة السويس حتى عام 1869، أى متأخرة عن الموعد المحدد بأربع سنوات.

واستغرق حفر القناة 10 سنوات من 1859 إلى 1869 وساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، مات منهم أكثر من 120 ألف أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة.

وفي 17 نوفمبر 1869، تم افتتاح قناة السويس للملاحة في حفل مهيب وبميزانية ضخمة، وفي عام 1905 حاولت الشركة الفرنسية تمديد حق الامتياز 50 عاما إضافية إلا أن تلك المحاولة لم تنجح.

* تأميم القناة

أعلن الرئيس جمال عبدالناصر في خطابه التاريخي في الإسكندرية في 26 يوليو 1956 قرار تأميم قناة السويس.

ونصت المادة الأولى من القرار على "تؤمم الشركة العالمية لقناة السويس البحرية (شركة مساهمة مصرية) وتنقل إلى الدولة جميع مالها من أموال وحقوق وما عليها من التزامات وتحل الهيئات واللجان القائمة حاليا على إدارتها، ويعوض المساهمون وحملة حصص التأسيس عما يملكون من أسهم وحصص بقيمتها مقدرة بحسب سعر الإقفال السابق على تاريخ العمل بهذا القانون في بورصة الأوراق المالية في باريس ويتم دفع هذا التعويض بعد إتمام استلام الدولة لجميع أموال وممتلكات الشركة المؤممة".

وبالفعل أوفت الدولة المصرية بكافة التزاماتها، فمع حلول الأول من يناير 1963 كانت قد سددت التعويضات التي أعلنت عن عزمها على دفعها لمساهميها تعويضا لهم عما يملكونه من أسهم وحصص تأسيس بقيمتها مقدرة وفقا لسعر الإقفال، في اليوم السابق للتأميم في بورصة الأوراق المالية بباريس.

وبعد قرار التأميم تعرضت مصر لهجمة استعمارية شرسة بدأت بمحاولة خنق الاقتصاد المصرى عندما انسحب المرشدون والفنيون الأجانب الذين يعملون فى القناة لتعطيل الملاحة وعرقلة العمل ومن ثم إحراج الدولة المصرية بعدم قدرة أبنائها على إدارة القناة.

إلا أن المرشدون المصريون بمعاونة بعض المرشدين من الدول الصديقة نجحوا في تسيير الملاحة بانتظام بعد يومين فقط من انسحاب المرشدين الأجانب.

وتوالت الأحداث بعد ذلك والتى انتهت بشن العدوان الثلاثي على مصر والذي استمر من 31 اكتوبر إلى 22 ديسمبر 1956.

وبعد العدوان الثلاثي وعودة الملاحة في القناة في 29 مارس 1957 بدأت هيئة قناة السويس اعتبارا من أول يناير 1958 في تطوير القناة والذي استمر حتى اليوم.

توقفت الملاحة في قناة السويس

توقفت الملاحة فى القناة بسبب العدوان الإسرائيلي في 5 يونيه 1967 واستمر الوضع كذلك حتى أعلن الرئيس أنور السادات في خطابه التاريخي في مجلس الشعب في 29 مارس 1975 إعادة فتح قناة السويس وفى 5 يونيو 1975 أعيد افتتاح القناة للملاحة العالمية.

وشهد عام 1979 بداية حفر تفريعة التمساح لتحقق مع التفريعات الأخرى ازدواج المجرى الملاحي في مسافة 68 كيلو مترا من طول المجرى البالغ 179 كيلو مترا من بورسعيد حتى بورتوفيق في السويس.

وفى 19 مارس 1980 تم الإحتفال باتصال تفريعة بورسعيد بمياه البحر المتوسط وهي التفريعة التي تبدأ من الكيلو 17 لتلتقى بالمجرى القديم للقناة ببوغاز بورسعيد عند الكيلو متر 95 ، ثم تمتد حتى الكيلو متر 195 ليصل طولها النهائي إلى 36,5 كيلو مترا ، وتحقق هذه التفريعة دخول وخروج السفن والناقلات الضخمة من وإلى القناة دون إعاقة الحركة بميناء بورسعيد.

* توسيع المجرى الملاحي وتعميقه

عند افتتاح القناة للملاحة كان طولها 164 كيلو مترا، وعرضها عند مستوى سطح المياه 52 مترا وعمقها 7 أمتار ونصف متر.. وكان غاطس السفن المسموح به للعبور لا يزيد عن 22,5 قدما وكانت الملاحة لا تتم في القناة إلا نهارا فقط.

وطوال 18 عاما متصلة.. استمرت الملاحة نهارا في قناة السويس حتى أدخلت شركة القناة نظام الملاحة الليلية في اليوم الأول من مارس 1887.

وطوال الفترة ما بين فتح القناة الأولى وقيام مصر بتأميمها عام 1956 قامت شركة القناة بتنفيذ العديد من برامج تحسين وتطوير قناة السويس وكان من نتائج هذه المشروعات زيادة عمق القناة إلى 13 مترا ونصف المتر وزيادة عرضها عند القاع من 22 مترا إلى 42 مترا وزيادة القطاع المائي من 304 أمتار مربعة إلى 1250 مترا مربعا والغاطس المسموح به من قدمين وربع إلى 35 قدما وبلغت جملة تكاليف هذه التحسينات 20 مليون و500 ألف جنيه مصري.

ومع استمرار تطور صناعة السفن وبناء سفن أكبر في الحجم والحمولة، ظهر الاحتياج إلى تطوير قناة السويس، وقد تم ذلك بمعرفة الشركة العالمية لقناة السويس البحرية حتى وصل غاطس السفن إلى 35 قدما، ومساحة القطاع المائي للقناة إلى 1200 متر مربع قبل تأميم القناة في 26 يوليو 1956.

وتواصل تطوير القناة، حيث زاد الغاطس إلى 38 قدما ومساحة القطاع المائي للقناة إلى 1800 متر مربع، وانتهت هذه المرحلة في مايو 1962. ثم أعلنت إدارة القناة في يونيو 1966 عن خطة طموحة لتطوير القناة على مرحلتين لتصل بالغاطس إلى 48 ثم 58 قدما على التوالي.

ثم توقف التطوير بالقناة نتيجة لحرب يونيو 1967 وأعيد فتح القناة للملاحة الدولية في 5 يونيو 1975 بعد تطهيرها من مخلفات الحروب ورفع السفن الغارقة بين حربي 1967 و 1973 ولتظل القناة بنفس العمق والقطاع المائي لها قبل الإغلاق.

واستمرت الإدارة المصرية بعد ذلك فى مشروعات التطوير حتى بلغت حمولة السفينة المسموح بعبورها 210 ألف طن بكامل حمولتها، ووصل الغاطس إلى 62 قدما ومساحة القطاع المائي إلى 4800 متر مربع وطول القناة إلى 191.80 كم في عام 2001.

وتم أيضا في هذا المشروع إعادة تصميم المسارات المنحنية في القناة ليصل نصف قطر كل منها إلى 5000 متر على الأقل.

كما تم حفر تفريعة جديدة تبدأ من الكم 17 جنوب بورسعيد شمالا حتى البحر الأبيض المتوسط شرق مدينة بور فؤاد لتسمح للسفن المحملة والمتجهة شمالا للوصول إلى البحر بدون الدخول إلى ميناء بورسعيد.

ووصل غاطس السفن المسموح لها عبور القناة إلى 66 قدما عام 2010، ليستوعب جميع سفن الحاويات حتى حمولة 17000 حاوية تقريبا فضلا عن عبور جميع سفن الصب من جميع أنحاء العالم.

* مشروع حفر قناة السويس الجديدة

في 5 أغسطس 2014 دشن الرئيس السيسي مشروع حفر قناة السويس الجديدة موقعا على وثيقة بدء حفر القناة الجديدة.

وتهدف القناة الجديدة إلى استيعاب النمو المتوقع في حجم التجارة العالمي من خلال تحقيق أكبر نسبة من الازدواجية في قناة السويس بما يساعد على تقليل زمن عبور السفن بالقناة حيث تم تقليل زمن العبور 11 ساعة وتقليل تكلفة الرحلة البحرية، علاوة على تقليل فترات توقف السفن بمناطق الانتظار بالمجرى الملاحي مما يرفع من درجة تصنيفه.

أما التكلفة التقديرية للمشروع فبلغت 8.2 مليار دولار تعادل 60 مليار جنيه "4.1 مليار دولار لحفر القناة الجديدة و4 مليار دولار لـ6 أنفاق أسفل قناة السويس" وقام الشعب المصري بجمعها في ثمانية أيام فقط عن طريق شراء شهادات استثمار مشروع قناة السويس.

ونجحت الإرادة المصرية في انتهاء حفر قناة السويس الجديدة فى عام، حيث تحقق الإنجاز في 6 أغسطس 2015 بافتتاح قناة السويس الجديدة هدية مصر للعالم.

ويصل الطول الإجمالي للقناة الجديدة 72 كيلو مترا ويشمل ذلك حفر المجرى الملاحي الجديد بطول 35 كيلومتر وبعمق 24 مترا وعرض 320 مترا عند صفحة المياه وبغاطس 66 قدما بالإضافة إلى توسيع وتعميق التفريعات الغربية الحالية بطول إجمالي 37 كيلومترا وبعمق 24 مترا بغاطس 66 قدما.

* استراتيجية عمل مستقبلية

تعمل هيئة قناة السويس على استراتيجية عمل مستقبلية لتنمية الإيرادات المحققة من شركات ومشروعات الهيئة المختلفة.

وتسعى هيئة قناة السويس لتنويع مصادر الدخل وعدم الاقتصار على رسوم عبور السفن فقط من خلال تبني استراتيجية طموحة لتحويل قناة السويس إلى منصة إقليمية لتقديم الخدمات اللوجيستية المختلفة وتعزيز التوجه الوطني لتوطين الصناعات البحرية في مصر عبر تفعيل الشراكات مع الجهات الوطنية والقطاع الخاص.

وقطعت الهيئة شوطا كبيرا نحو دعم مجموعة شركاتها التابعة العاملة في مجال تقديم خدمات صيانة، وإصلاح السفن وتقديم الخدمات البحرية.

وجاري العمل على استراتيجية تطوير الشركات المرتبطة بالهيئة والتي تأسست حديثا وأبرزها شركة قناة السويس لتنمية الموانئ بالشراكة مع وزارة النقل، وشركة قناة السويس للقوارب الحديثة لتوطين صناعة اليخوت البحرية وذلك بالشراكة مع شركة ترسانة جنوب البحر الأحمر.

فاطمة حسن

فاطمة حسن

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

ذكرى تأميم قناة السويس

المزيد من تقارير مصر

خريطة العام الجامعي الجديد وترشيد الطاقة.. أهم أنشطة التعليم العالي في أسبوع

تنفيذا لاستراتيجية الدولة لتطوير التعليم الجامعي وفي إطار خطط دعم جودة المنظومة التعليمية وربط البحث العلمي باحتياجات التنمية.. شهد الأسبوع...

بعد نجاح المرحلة الأولى.. "التأمين الصحي الشامل" يستعد للانطلاق في المنيا

في إطار خطة الدولة للتوسع التدريجي في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل على مستوى الجمهورية، بما يضمن تقديم خدمات صحية...

ارتفاع التصنيف الدولي وإنجاز حفري جديد..أبرز أنشطة التعليم العالي بأسبوع

من أجل دعم جودة التعليم الجامعي، وتعزيز البحث العلمي التطبيقي، وتوسيع آفاق التعاون الدولي، بما يسهم في تحقيق مستهدفات الدولة...

ذكرى تحرير طابا..انتصار تاريخى للدبلوماسية المصرية فى استعادة آخر شبر من سيناء

بعد الانتصار العسكرى الذى حققته مصر فى حرب 6 أكتوبر عام 1973.. وبعد معركة سياسية ودبلوماسية استمرت لأكثر من 7...