هل تعود إيران إلى نظام البترودولار؟

قبل سنوات، كانت إيران من أبرز الداعمين لفكرة تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية، وسعت إلى بيع نفطها بعملات بديلة لتجاوز العقوبات الأمريكية.

لكن تصريحات وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، التي كشف فيها أن المحادثات مع طهران تشمل انضمامها إلى النظام الدولاري واعتماد الدولار في فوترة صادراتها النفطية، تفتح الباب أمام تساؤل جديد: هل يمكن أن تقبل إيران بالتخلي عن أحد أبرز شعاراتها الاقتصادية مقابل مكاسب أكبر؟

في تحول لافت، أشار وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى أن المفاوضات الجارية مع إيران لا تقتصر على الملف النووي أو تخفيف العقوبات، بل تمتد إلى إعادة دمج الاقتصاد الإيراني في النظام المالي العالمي، بما يشمل استخدام الدولار في تسعير وبيع النفط، وهو ما يمثل تغيرًا جذريًا مقارنة بالسياسات التي انتهجتها طهران طوال سنوات العقوبات.

منذ إعادة فرض العقوبات الأمريكية عام 2018، عملت إيران على تقليص اعتمادها على الدولار، واتجهت إلى بيع النفط بعملات محلية أو عبر ترتيبات مقايضة مع شركاء مثل الصين وروسيا، كما كثفت استخدام اليوان والروبل والدرهم الإماراتي في بعض المعاملات التجارية، في محاولة للالتفاف على القيود المفروضة على النظام المالي الإيراني.

غير أن هذه الآليات ظلت محدودة الكفاءة، إذ رفعت تكاليف التجارة، وقلصت قاعدة المشترين، وأجبرت طهران على تقديم خصومات كبيرة لجذب المشترين، خاصة في السوق الصينية.

إذا اقترنت العودة إلى النظام الدولاري برفع العقوبات الأمريكية وإعادة ربط البنوك الإيرانية بشبكات المدفوعات العالمية، فقد تجد طهران مصلحة اقتصادية مباشرة في قبول هذا التحول.

فاستخدام الدولار، العملة المهيمنة على تجارة النفط العالمية، يمنح إيران مزايا عديدة، أبرزها توسيع قاعدة المشترين، وخفض تكاليف المعاملات، وتسريع عمليات التسوية المالية، إضافة إلى استعادة جزء من الإيرادات التي كانت تُفقد بسبب الوسطاء والخصومات.

كما أن بيع النفط بالدولار قد يسهل جذب استثمارات أجنبية إلى قطاع الطاقة الإيراني، الذي يحتاج إلى عشرات المليارات من الدولارات لتطوير حقوله النفطية والغازية ورفع طاقته الإنتاجية.

في المقابل، يمثل القبول بالدولار تراجعًا عن خطاب سياسي تبنته إيران لسنوات، يقوم على مقاومة الهيمنة الأمريكية والدعوة إلى نظام مالي عالمي متعدد العملات.

المقترح يتجاوز مجرد تسهيل تجارة النفط، إذ يهدف إلى إعادة دمج إيران داخل النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة، بما يمنح واشنطن قدرة أكبر على مراقبة التدفقات المالية الإيرانية، ويجعل أي خرق مستقبلي للاتفاقات أكثر سهولة في الرصد والتتبع.

كما أن استخدام الدولار يعيد معظم معاملات النفط الإيراني إلى القنوات المصرفية الدولية، بدلاً من الشبكات الموازية التي ازدهرت خلال سنوات العقوبات.

في حال التوصل إلى اتفاق شامل، قد تتمكن إيران من زيادة صادراتها النفطية تدريجيًا، مع استعادة جزء من حصتها في الأسواق العالمية، وهو ما قد يضيف إمدادات جديدة إلى السوق ويخفف الضغوط على الأسعار، خاصة إذا تزامن ذلك مع استمرار نمو الطلب العالمي.

كما أن دخول النفط الإيراني إلى الأسواق عبر قنوات مالية رسمية سيزيد من شفافية التجارة النفطية ويحد من الاعتماد على الوسطاء وأساطيل “الظل” التي استخدمت لنقل النفط خلال فترة العقوبات.

استخدام الدولار في بيع النفط الإيراني قد يتحول من فكرة كانت تبدو مستحيلة إلى أحد بنود أي اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، لكنه سيظل مرهونًا بمدى قدرة الطرفين على تجاوز عقود من انعدام الثقة، وتحويل التفاهمات السياسية إلى التزامات اقتصادية طويلة الأجل.

 

 

ايمان صلاح

ايمان صلاح

محرر بالموقع الموحد للهيئة الوطنية للإعلام

أخبار ذات صلة

مضيق هرمز .. حرب النفط والعقوبات/رئيسية الاخبار
في إيران.. الاحتجاجات تزيد المشهد الاقتصادي تعقيدا
بورصة
أسواق المال

المزيد من تقارير اقتصاد

هل تعود إيران إلى نظام البترودولار؟

قبل سنوات، كانت إيران من أبرز الداعمين لفكرة تقليص الاعتماد على الدولار في التجارة الدولية، وسعت إلى بيع نفطها بعملات...

كيف غيّرت العقوبات الغربية مسار الفائدة في روسيا؟

منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وفرض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلفاؤهما حزمًا متتالية من العقوبات على موسكو، لم تعد قرارات...

"الزراعة"بذكرى 30 يونيو: طفرة تاريخية في الإنتاج والتصدير في عهد الرئيس السيسي

في ظل النهضة الشاملة والرؤية الثاقبة للرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، و بمناسبة الاحتفال بالذكرى الثالثة عشرة لثورة 30...

"الزراعة" في أسبوع.. دعم المزارعين وعودة القرية المنتجة أهم الأنشطة 

أسبوع حافل لوزارة الزراعة، وتحركات مكثفة لتعزيز الأمن الغذائي ودعم الفلاح والإعلان عن عودة القرية المنتجة.


مقالات